تميم منصور: أوجه الشبه بين نظم الانكشارية والفكر الصهيوني

تميم منصور

لا أحد ينكر بأن الفصل في بلورة وصقل هوية الشعب التركي يعود الى الامبراطورية العثمانية ، لأن هذه الامبراطورية استطاعت عبر مئات السنين من جمع اكبر عدد من القبائل التابعة للشعوب التركية في بقعة جغرافية واحدة وهي ما تعرف بتركيا اليوم ، في نفس الوقت فان الامبراطورية العثمانية تركت ظلال سوداء فوق صفحات تاريخها الطويل الذي امتد حوالي سبعة قرون ونيف ، من هذه الظلال التي يعتبرها المؤرخون انحناءات حادة وخطرة في تاريخ هذه الامبراطورية انشاء ما عرف بجيش الانكشارية ، أو ما عرف نيو- تشيري الجيش الجديد .  كانت فرق هذا الجيش الجديد أقوى الفرق في الجيش العثماني الذي تكون بصورة رئيسية من فرسان الاقطاع ” السياهي ”  وقوات الاسطول ، وقد حاول بعض المؤرخين تشبيه جيش الانكشارية بفرق فرسان الاقطاع التي نشأت في العصور الوسطى في اوروبا ، لكن هذا التشبيه لم يكن موفقاً ، لأن هناك فوارق كبيرة جداً بين الحالتين ، لأن النزعة اللاانسانية تغلب على تأسيس جيش الانكشارية الذي أنشأه السلطان مراد الأول الذي حكم من سنة 1362 – 1389 .

من بين اهم النزعات اللاانسانية والتي لا يتصورها العقل ، ان العثمانيين كانوا يفرضون على الكثير من الشعوب التي سيطروا عليها خاصة في البلقان تقديم ضريبة قاسية ومؤلمة وهي التبرع بأحد أولادهم للدولة ، وكانت الكثير من الاسر تقبل بذلك حماية لنفسها من الموت  أو من شدة الفقر .

 كان العثمانيون يجمعون الصبية التي تتراوح اعمارهم بين 9- 12 سنة في معسكرات خاصة ، بعد ان يتم انتزاعهم من احضان اسرهم بأقسى وسائل الشدة والارهاب ، أو الصبية الذين قتل ذويهم او تم تشريدهم خلال المعارك .

أسلوب القسوة وشدة الالم من مميزات الفصل بين هؤلاء الصبية وذويهم الذي كان نهائياً ، لأن النظام كان يمنع هؤلاء الصبية من اللقاء مع عائلاتهم ، ويقومون بغسل أدمغتهم في العيش والدفاع عن الامبرطورية العثمانية والسلطان ، وادخالهم في الدين الاسلامي على يد فرق من الدراويش على المذهب الحنفي .

كان العنوان الوحيد  لهؤلاء الصبية هو السلطان ، فهو المسؤول عنهم وهو الذي يقدم لهم كل شيء حتى انهم عرفوا بعبيد السلطان، كانت تقدم لهم كافة الخدمات والتدريب العسكري والتعليم ، وبعد مرور عدة سنوات يصبحون عثمانيون يطيعون قادتهم طاعة عمياء، أوفياء في خدمة السلطان والدولة التي قامت بتربيتهم .

مع الزمن أصبحوا هؤلاء رأس الحربة في الجيش العثماني ، ومنهم من تحول الى قادة للأسطول ومنهم من تبوأ مناصب عالية في الدولة كالصدر الأعظم والوزراء والولاة .  جدير بالذكر أنه مع مرور الزمن دب الفساد داخل صفوف جيش الانكشارية ، حتى أصبح عبئاً على الدولة يرفض ادخال الاصلاحات فيها ، فقرر السلطان محمود الثاني التخلص منهم عام  1826 .

هذه الصورة المصغرة عن جيش الانكشارية تناولتها من صفحات التاريخ بعد أن قرأت كتاب الباحث والمؤرخ ” تسفي تسميرت ” ( العقد الأول من قيام إسرائيل  ) الذي صدرعام 2003 حيث وجدت الكثير من الصور المتشابهة بين ما قام بها العثمانيون عندما أسسوا جيش الانكشارية وبين ما قامت به الحركة الصهيونية ، خاصة بعد الاعلان عن قيام دولة اسرائيل ، فقد رأت الحركة الصهيونية بانه يجب ملء الفراغ السكاني في البلاد ، بعد ان اجبر غالبية المواطنون العرب على ترك وطنهم ، تحت تهديد السلاح والرعب ، لذلك تسارعت الحركة الصهيونية ممثلة بالوكالة اليهودية وغيرها من المؤسسات التابعة لها الى نقل اكبر عدد من اليهود وغير اليهود الى البلاد .

ويعترف الكاتب انه تم نقل العديد من البشر لا ينتمون للديانة اليهودية ، منهم قبيلة كاملة من الهند ، ومنهم ما عرفوا بالزنوج العبريين ، ومئات الالوف من روسيا وشرق اوروبا ، وهناك خطوة مشابهة لما كان يقوم به العثمانيون عندما أنشأوا جيش الانكشارية ، فقد قامت الوكالة اليهودية بنشر وكلاء يمثلونها في العديد من الدول خاصة الدول العربية منها والاسلامية  حيث اقدم هؤلاء الوكلاء على خطف اكبر عدد من الصبية اليهود وغير اليهود من احضان ذويهم ، فقد ورد في الكتاب المذكور ص 91 ان وكلاء الوكالة اليهودية كانوا يتجولون في العديد من مدن المغرب وتونس والجزائر ، ودول أخرى في شرق آسيا ، وكانوا يستدرجون الصبية عن طريق الاغراء ويقومون بتهربيهم الى البلاد ، دون علم ذويهم ، وقد تم اختطاف عشرات الآلاف من الصبية وجلبهم الى البلاد من أجل تربيتهم تربية صهيونية عنصرية . وقد اطلقت الوكالة اليهودية على عملية الخطف هذه هجرة الشبيبة اليهودية .

في داخل البلاد تم حصرهم داخل معسكرات خاصة بعد منحهم اسماء عبرية بدلاً من اسمائهم الحقيقية ، وأصبح كل طفل ينتمي الى اسرة مجهولة تحمل اسماً عبرياً ، كما تم غسل ادمغتهم بان هذا هو وطنهم الحقيقي ، وعليهم التضحية بانفسهم للدفاع عنه ، اضافة الى زجهم داخل مؤسسات تعليمية ، لتعلم اللغة العبرية وزرع بذور العنصرية والكراهية اتجاه كل ما هو فلسطيني وعربي .

لقد تلقفت بعض الاحزاب الصهيونية اعداداً كبيرة من أبناء الشبيبة المخطوفين ، وقام كل حزب بدوره في تبني هؤلاء ، فكان لحزب مباي شبيبة خاصة به يقوم بتدريبها وتعليمها في مؤسسات خاصة به ، كذلك لعب حزب مبام دوراً بارزاً في استيعاب هؤلاء الصبية ، فكانوا يزجونهم في القرى التعاونية للعمل والتعليم حتى موعد تجنيدهم ، حيث تكتمل عملية غسل الأدمغة والارتواء من الفكر الصهيوني العنصري .

بعد انتهاء التعليم والغسل يكون الانكشاري الصهيوني ناضجاً واعياً لا مجال لردعه أو عودته الى الوراء ، وقد اعترف عدداً من هؤلاء فيما بعد بانهم فقدوا الاتصال مع ذويهم في الخارج .

لقد لعب جيش الانكشاري الصهيوني دوراً بارزاً في تطوير البلاد ، اما بالانضمام الى القرى التعاونية للعيش فيها ، ومنهم من تربى في مؤسسات دينية ، فانضموا الى قرى تعاونية خاصة بالاحزاب الدينية ، مثل حركة ” بيتار ” وحركة ” بني عقيبا ” ، وقد اعترف البروفسور ” كارل فرنكشتاين ”  أحد المشاركين في اعداد اسرلة وتهويد ابناء الشبيبة المخطوفين ، بان الهدف من احضارهم ورعايتهم هو تحويلهم من غرباء عن هذا الوطن وعن الصهيونية الى جنود ينتمون اليه برباط لا ينفصم و لخدمته والدفاع عنه وقت الضرورة .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here