تقديس التفصيح وتدنيس التلهيج

 hamid44

 

الكتاني حميد

لعلّه من بين الدعاوى التي يثيرها النقاش الدائر اليوم عن الوضع اللغوي في المغرب، والوطن العربي عموما، نجد الدعوى القائلة بأن اللغة العربية لغة مقدسة،وبالتالي لا مناص من أن يترتب عن هذا التقديس،تقديس استعمالها،والتوسيع من رقعة نفوذها في المؤسسات الوطنية أوالدولية..، وبالمقابل هناك دعوى  معاكسة وهي اللهجات العربية أوالدوارج المترتبة عن الفصحى كونها هي الأحق في الاستعمال إداريا بل حتى في قطاع التعليم، ولكن الذي يؤخذ على هذه الدعوى هوتعدد اللهجات من حيث العدد أوالكمّ، واختلافها من حيث الكيف، وبين هاتين الدعوتين تثار الكثير من الأسئلة التي تمسّ في جوهرها أهم القطاعات التي تقوم عليها جميع الحضارات وأهمها قطاع التعليم وقطاع الثقافة وقطاع الاقتصاد،  ومن أهم  هذه التساؤلات نجد: ما السرّ في قدسية العربية الفصحى؟ وأين تتجلى هذه القداسة إنْ وُجدت؟ وبالمقابل ما هوالسرُّفي التنقيص من قيمة اللهجات الدوارج ؟ وأين تتجلى هذه النظرة الدونية  لها؟ ولماذا لا تكون الدوارج هي الأخرى مقدسة  على اعتبار العلاقة اللغوية التي تربطها بالفصحى؟ فنسبة كبيرة من الثروة المعجمية الفصيحة يتم استعمالها في الدوارج رغم وجود الأداء الصوتي مختلفا بعض الشيء ..

 تعود قداسة اللغة العربية إلى عصور ما قبل الاسلام، فالنظرة المقدسة الشعائرية لهذه اللغة ارتبطت بها قبل ظهور الاسلام، إلى ان هناك اختلاف في درجة التقديس بين العصرين : الجاهلي والاسلامي ن فالتقابل الحاصل بين المستوى الفصيح والمستوى الدارج، يقابله أيضا فعل التقديس وفعل التدنيس، فكلما تقدست العربية الفصحى،كلّما تدنّست الدوارج، والعكس صحيح، فالمسألة متقابلة حكما وعلّةً. ذلك أنه حيث ما وجدت اللغة الفصحى،وُجدت الدوارج المترتبة عنها، فالدوارج ظاهرة مطّردة في جميع اللغات الطبيعية، وهكذا فإن نظرة التقديس أوالتدنيس ستكون ملازمة حيث توجد اللغة بمستوييها الفصيح والدارج في جميع الأزمنة والأمكنة، إما تقدما أوتأخرا، وعلاقة بنظرة تقديس اللغة العربية فقد كان من سبب ذلك كونها،ــ حسب ما توصلت إلى الحفريات ودراسات النقوش ــ هي أعرق اللغات وأوغلهُنّ في القدم، مع الاشارة إلى أن العربية قد اتصلت ناحية الأم باللغات السريانية والعبرية والفينيقية والآشورية والبابلية،كما وضح ذلك جواد علي في موسوعته “تاريخ العرب قبل الاسلام”.

كما هناك أيضا سببا يبدوإلى حد ما مقنعا هوكون اللغة العربية تتميز عن سائر اللغات المعاصرة لها آنذاك بنوع من القوة في نظامها اللغوي تركيبا ومعجما ودلالة… فقد كانت هذه الرؤية هي السائدة قبل مجيء الاسلام،فارتباط العربية بالإنسان عبر مدة تاريخية موغلة في الزمن، وتميزها عن اللغات الأخرى هوما جعل نظرة الانسان لها تكون أقرب إلى التقديس، دون القطع بهذه التصورات،مع أن المؤشرات اللغوية والتاريخية تثبت هذا.

فكما أن اللغة العربية هي أرقى اللغات من ناحية اللغة الأم،فإن اللهجات المترتبة عنها ستخضع لنفس التحكيم من حيث رقيّها، وإلى هذا اتجهت أغلب آراء النحويين العرب الذين أجمعوا على أن لهجة قريش هي أرقى لهجات العربية وأمتنها فصاحة وجزالة، سبب آخر يدعم هذا الرأي وهوأن القرآن الكريم نزل بلغة قريش، في أغلبه، ومن هنا انطلقت أطروحة قدسية اللغة العربية مع نزول القرآن بها.

  ولعلّه من الراجح أيضا أن أهلية العربية ونضجها هوما جعلها مؤهلة تكون اللغة التي تحمل كلام الله تعالى، فقد كان التلازم بين القرآن واللغة العربية تلازما قويا، فقد انتشرت العربية كلما انتشر الاسلام، والعكس صحيح، وقد نتج عن هذا التلازم الحاصل بينهما ضرورة تعلّمها أواكتسابها، مع تمييزنا لمفهوم التعلم عن الاكتساب اللغوي، وهذه الضرورة بنيت على شرط الدخول في الاسلام، فالقيام بشعائر الاسلام يلزم تعلم العربية خاصة في إقامة (الصلاة ) والتعبّد بقراءة القرآن..، أما باقي  العبادات فللإنسان أن يستعمل اللغة التي يشاء، وهنا مع ازهار الدرس اللغوي عند العرب المسلمين بعد انتهاء عصر التدوين وجمع اللغة أصبح الفقهاء يؤلفون في العلوم اللغوية خدمةً للعلوم الشرعية، وهذا ما حذا ببعضهم إلى إصدار أحكام تتراوح بين تقديس العربية، ووجوب تعلمها إما كفاية أوعيناً، وهذه بعض النصوص التي تبزر هذا المنحى :

يقول ابن يعيش في كتابه “شرح المفصّل” ج1 الصفحة 49/53: ((ولعلّ الذين يغضّون من العربية،ويضعون من مقدارها، ويريدون ان يخفضوا ما رفع الله من منارها (..) حيث لم يجعل من خيرة رسله، وخير كتبه، في عجم خلقه،ولكن فيعربه (..) وبهذا اللسان ــ يقصد العربية ــ مناقلتهم في العلم،ومحاورتهم وتدريسهم، وبه تقطر في القرطاس أقلامهم، فهم متلبسون بالعربية أية سلكوا، غير منفكين منها أينما وجهوا، ثم إنهم في تضاعيف ذلك يجحدون فضلها، ويذهبون عن توقيرها وتعظيمها، فقهم في ذلك على المثل السائر : الشّعيرُ يُأكلُ ويذمُّ)).

وقال أبومنصور الثعالبي في كتابه “فقه اللغة وسر العربية ” الصفحة 7: ((من أحب الله تعالى،احب رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أحب رسوله العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحبّ العربية التي بها نزل  أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها، وصرف همّته إليها)).

 وقال ابن تيمية في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم “ج1، ص469: ((إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض،ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهوواجب، ثم منها ما هوواجب على الأعيان، ومنها ما هوواجب على الكفاية)).

الملاحظ على هذه الأقوال الثلاثة وغيرها مما يضيق المجال لذكره، أنها وإن ــ اختلفت من زاوية النظر ــ تتفق جميعها على حقيقة مفادها أن تعلّم العربية واكتسابها جيدا من أهمّ لبنات بناء مجتمع تسوده المعرفة، هذا فضلا عن كون الأقوال المدرجة آنفا أنها ترغّب وتحبّب في تعلّم العربية، والذّود عنها.

أما إذا حملنا وجوب تعلّم العربية كما هوعند ابن تيمية على ضرورة فهم الدين والعمل به، فإننا سنجد أنفسنا امام ثنائية أكثر عمقا وتأثيرا في بناء الأحكام الدينية /الفقهية على وجه خاص، ألا وهي ثنائية المطهّر والمدنّس، ووفق التعليل السببي الذي يقدمه ابن تيمية لضرورة تعلم العربية، فإن فهم القرآن المطهّر والسنة المطهّرة، لا يتم إلا بالوسيلة المطهّرة،وهذه الاخيرة هي اللغة العربية، ذلك أنه لا يمكن الاستعانة بالوسيلة / اللغة المدنسة في فهم ما هومطهّر ومنزّه. ومع ذلك لا نقطع بهذا التأويل.. ولكن نقول إن الذي يضفي على العربية نوعا من القداسة هوارتباطها بالقرآن الكريم، لأن المسلم الذي آمن بالقرآن الكريم يؤمن في الآن نفسه بأن “اللسان العربي” الذي اختصّه الله ” لكلامه”، ليس كباقي الألسن الطبيعية الأخرى، ويترتب عن هذا التخصيص مسألة أخرى غاية في الأهمية وهي “حفظ القرآن الكريم” الذي نزل بـ “اللسان العربي”، هنا يشير الباحث اللساني رشدي طعيمه إلى ان المقصود بحفظ القرآن ليس فقط حفظ القرآن من حيث هوأحكام دينية، بل حفظ حتى الثروة اللغوية (معجما وتركيبا ودلالة) التي يضمها القرآن، وهذا يزكي قاعدة  “الشيء بالشيء يذكر” فقدسية العربية هنا من قدسية القرآن، ولكن رشدي طعيمه يرى أن المقصود بالحفظ من الناحية اللغوية الثروة المعجمية فقط، بمعنى ان الألفاظ التي لم يشملها القرآن وتشكل باقي ثروة اللغة العربية معرضة للموت حسب تعبيره، ولكن السؤال الذي يبقى معلقا هوكيف سيحفظ القرآن الكريم بلغته دون باقي اللغة غير الموجودة في القرآن ؟ فهنا لا مناص من أن تكون اللغة العربية كلها ستحفظ كما سيُحفظ الذكر الحكيم.

وهنا أيضا تتقاطع مسائل أخرى مرتبطة بأطروحة تقديس العربية، منها ما هومرتبط بأصل اللغة في حد ذاتها، أي وضعها الأول،هل اللغة تواضعية اتفاقية أم أنها توقيف ووحي من الله؟ خصوصا وان القرآن الكريم يشير إلى نقطة تنزيل اللغة، وأنها ليست تواضعية أي تواضع الناس عليها، كما في القرآن الكريم (( وعلّم آدم الأسماء كلّها )) قال القرطبي في التفسير الكبير ج 1 صفحة 265 ((قوله تعالى الأسماء كلّها “الأسماء” هنا بمعنى العبارات،فإن الاسم قد يطلق ويراد به المسمّى)) وإلى نفس التأويل ذهب الباحث عبد الفتاح كيليطوفي كتابه الموسوم بـ “لسان آدم”. وتثار في نفس السياق نسقية القرآن من حيث لغته ومن حيث الفكر وعلى الوجوه المحتملة في تفسير قوله تعالى (( قرآنا عربيا )).

بناء على علاقة اللغة العربية بالقرآن الكريم تصبح العربية في مرتبة جد راقية في تصورات الناطقين بها، ترقى بها إلى درجة  تشعيرها،ليس بالمعنى الأدبي بل بالمعنى الديني/الفقهي  للفظ “شعيرة /شعائر” ذلك ان الأساس الذي بنيت عليه أطروحة “اللغة المقدسة” هواعتبار اللسان العربي شعارا خاصا بالإسلام، فإن اللغات من أعظم شعائر الأمم التي يتميّزون بها، وفي التنزيل على سبيل التقريب لا القطع: “من يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”.

بناء على ما سبق فإن جدل تقديس اللغة العربية الفصحى، وتدنيس  الدارجة أوذمّها كما قال ابن الاثير في تاريخه “لا تراطن في الكلام، والرطانة كلام العامة على اختلافه وابتذاله”،  في الثقافة العربية الاسلامية بُني على أساس ربط السبب بالنتيجة في “تقديسها من تقديس القرآن )).

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here