تقاطعات استراتيجية والخطر من التناقض في المصالح السياسية بعد لحظة الحسم العسكري وانتصار المقاومة

noha-khalf88

د.نهى خلف                                                                                      

 رغم ان الحرب الاسرائيلية الاجرامية على غزة وأهلها، والتي دامت لمدة شهر تقريبا  بدت كأنها صراع دامي بين طرفين أساسيين فقط، أي المقاومة الفلسطينية الباسلة  من جهة والجيش الاسرائيلي الغاشم، الذي وصل به الاجرام الى أقصى  حد من جهة أخرى، إلا أن ما سيحدد في التحصيل النهائي المسارالسياسي لهذا الصراع  الدامي هي موازين القوى، ليس فقط ما بين الطرفين ولكن أيضا موازين القوى الداخلية ما بين التيارات المختلفة التابعة لكلا الطرفين، والتي كانت  تبدوموحدة خلال المواجهة الدامية ، هذا بالاضافة طبعا  الى موازين القوى  الاقليمية والعالمية.

فبينما تختلف التحليلات والتصورات ما بين الأطراف الاسرائيلية المتعددة إلا انها تتوحد كلها في التحليل االنهائي لإضعاف الأطراف الفلسطينية،  بل للعمل على القضاء على كل الشعب الفلسطيني اذا أمكنها ذلك، لأن المشروع الصهيوني هومنذ بداية القرن الماضي مشروعا استراتيجيا واحدا وموحدا  في الدفاع عن الدولة الصهيونية وتوسعها وعنصريتها وبقائها  ،  بينما أن المشاريع العربية والفلسطينية متأرجحة  ما بين مشروع المقاومة الجدية الذي انتصر اليوم، ومشروع السلطة  وخاصة بعد ابرام اتفاقيات السلام والتعاون الأمني مع الدولة الصهيونية مما يفقدها الرؤية الاستراتيجية الموحدة ويضعفها  في مواجهتها مع المشروع الصهيوني.

ويمكن  ملاحظة تناقضات واختلافات في المواقف بين التيارات الاسرائيلية التالية  بشكل عام :

1- تيار اسرائيلي يهدف الى نزع سلاح المقاومة نهائيا لكي يتمكن من  انقاذ وإعادة  تثبيت وانقاذ اتفاقيات السلام وبشكل خاص    انقاذ الأطراف الفلسطينية التي شاركت  في هذا المسار والتي على وشك إعلان افلاسها المالى والسياسي( وهذا التيار ربما مكون من اشكال بيريس وليفني غيرهم من الثعالب التي تدعي عدم التطرف والتي  ترتبط بعلاقات حب اسطورية مع” شركة أوسلوالفلسطينية”). 2- تياراسرائيلي معروف بتطرفه وفاشيته(متمثل بليبرمان وأشكاله)،  يريد  ابادة كل الشعب الفلسطيني فردا فردا بدءا بالأطفال وانتهاءا بالقضاء على “شركة أوسلو” بفرعيها الفلسطيني والاسرائيلي .3–  تيار يتمثل بالجيش الاسرائيلي الذي يسيطر عليه منطقا عسكريا متعنتا خاصا به والذي يريد ان يخرج منتصرا مهما كان الثمن. فبينما بدأ الهجوم على غزة كقرار سياسي إلا انه يتحول في اللحظات الحاسمة الى منطق عسكري بحث  يريد ان يثبت انه قادر ومستعد لخوض حرب طويلة الأمد  من أجل تحقيق أهدافه المعلنة والحفاظ على هيبة الجيش الاسرائيلي  والقضاء على  التوقعات العسكرية الفلسطينية والعربية التي تعتبر انه غير قادر على خوض حرب طويلة الأمد .4-  تيار اسرائيلي يميني يتمثل بالحكومة الاسرائيلية الذي هواقرب لإيديولوجية التيار المتطرف ، الذي حاول ان يورط الحكومة في هذه الحرب، والذي يعاديه ويتنافس معه كلا التياران المتشكلا ن مما يسمى باليسار الاسرائيلي من جهة والتيار اليميني المتطرف من جهة أخرى، مما جعل هذا التيارمرتبكا ومتأرجحا بين المطرقة والسندان لأنه مجبرا  على الأخذ بعين الاعتبار  اهداف  ومطالب كل الاطراف  بما في ذلك  مواقف الولايات المتحدة  المتأرجحة أيضا بين مساندة الأطراف الإسرائيلية المختلفة. 5-تيار اسرائيلي سياسي  يريد انهاء الاحتلال الاسرائيلي للضفة والقطاع ليعيش في سلام(حسب مزاجه) خلف الخط الاخضر ليثبت ويركز شرعية الكيان الصهيوني مرة اخرى ككيان سلمي ( ويشمل هذا التيار مزيج من بعض الثعالب التقليديين من مهندسي اتفاقيات السلام  وربما بعض اليساريين المثاليين ). وإجمالا يبقى التيار المعارض الاسرائيلي   الذي يقف مع الشعب الفلسطيني ومقاومته ومطالبه وضد التعنت الاسرائيلي، تيارا ضعيفا.

 أما  في اطار الطرف الفلسطيني  فهناك مصالح متعددة  لتيارات مختلفة (بعضها معلنة وبعضها خفية أولاواعية)  تتناقض  في مصالحها الاستراتيجية الواحدة مع الأخرى  وتتقاطع  مرحليا خاصة  في وجه الأزمات الحادة والدامية مثل التي يواجهها شعب غزة الصامد اليوم. ويمكن تصنيف هذه التيارات  بشكل عام على الشكل التالي:1- تيار فلسطيني مقاوم وخاصة في غزة يريد  الوصول الى اتفاق وقف اطلاق نار بعد  فك وانهاء الحصار نهائيا عن غزة وهومكون من عدة تنظيمات اولها حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية وأجنحة من فتح وغيرها وخاصة المتواجدة في غزة تحت الناروالتي تمثل تطلعات الحد الادنى لمطالب كل الشعب الفلسطيني بشكل عاجل. 2 – تيار  فلسطيني مقاوم تاريخيا متحالفا مع المقاومة في غزة  يريد توسيع رقعة الصراع لتشمل كل فلسطين  للحصول على انتصار شامل سقفه الاعلى ليس فقط انهاء الاحتلال للضفة والقطاع با التوصل الى فكفكة الايديولوجيا الصهيونية والتوصل الى حل الدولة الديمقراطية على كل ارض فلسطين التاريخية مما ينسجم مع المطلب التاريخي الأول للمقاومة الفلسطينية عند نشأتها في الستينيات.3- تيار فلسطيني يريد استثمار مقاومة الشعب الفلسطيني في غزة للتوصل الى حل الدولتين (ويشمل هذا التيار كل التنظيمات التي بدأت منذ عام 1974 التنظير من أجل اقامة دولتين ، فلسطينية واسرائيلية، مما يعني اعترافا ضمنيا بالدولة الصهيونية ، ويضم في داخله تيارا مؤيدا لأوسلو(وعلى رأسه شركة أوسلو) وتيارا آخر معارضا لأوسلورغم موافقته على حل الدولتين  بسبب ايمانه ان ذلك كان الحل المنطقي والمقبول دوليا للصرا منذ عام 1974، ويعمل هذا التيار اجمالا ضمن حدود المصلحة الأمريكية للتوصل الى حل شامل ولكن ليس بالضرورة حل عادل.4- تيار’ شركة أوسلووأولادها’ الذي يشكل اليوم ‘الكابينت الفلسطيني المصغر’ المتعاون مع بعض  التيارات الاسرائيلية الصديقة والشريكة   من جهة والمتعاون مع بعض الاحلاف الاقليمية ، وخاصة المكونة من مصر والمملكة العربية السعودية والامارات، والتي تهدف الى التخلص من حركة حماس حيث تنظر اليها فقط  كممثل لتيارالاخوان المسلمين وليس كحركة مقاومة فلسطينية  ضد العدوان الصهيوني الغاشم، مما يؤدي بها الى الموافقة الضمنية  والخفية على الحملة العسكرية الاسرائيلية رغم ادعائها عكس ذلك.

ان الصراعات الخفية  فيما بين التيارات من داخل كل طرف من الطرفين المتنازعين تتوحد في المرحلة الآنية في مواجهة الطرف الآخر، ولكن تنتظر كل منها نهاية هذه المعركة لتحاول فرض شروطها والحصول على أكبر المكتسبات لصالح أهدافها، ويبدوواضحا ان عملية الانتظار من قبل تيار “شركة أوسلووأولادها” و’الكبينت الفلسطيني المصغر’   المتمثل بعدم توجهها الى محكمة الجنايات الدولية  والانضمام الى اتفاقية روما ، والاكتفاء باعلان غزة منطقة ‘كوارث’   رغم التلويح باللجوء الى محكمة الجنايات  من قبل بعض أعضاء  القيادة الفلسطينية الموسعة في رمالله ، هوبسبب اعتقادهم انهم سيتوصلوا مع شركائهم على وقف اطلاق نار يحفظ لهم مصالحهم ويحجم المقاومة المسلحة وعلى رأسها حركة حماس مع احتمال اسقاط حكومة نتنياهواليمينية  معتقدين انهم سيتمكنوا العودة مرة أخرى الى أيام أوسلوالأولى التي أدت الى ازدهار مصالحهم المتشعبة في شركات الأسمنت والهواتف  الخ… والتى ستتولى اعادة اعمار غزة فوق جثث الشهداء، وذلك في محاولة للعودة الى جني ثمار توابع صفقة السلام  الثنائي التي توصلوا اليها عبر التفافهم على الشرعية الدولية وتجاهلهم لكل قرارات الأمم المتحدة التي كثيرا ما تطابق نظريا مع مطالب الشعب الفلسطيني الشرعية  والتي تبقى دون تطبيق، وحبرا على ورق ليس فقط بسبب الانحياز الامريكي و’ الفيتوهات’ الي يفرضها في مجلس الامن، بل ايضا بسبب عدم المتابعة الجدية واليومية من قبل  بعض الديبلوماسيين من الطرف الفلسطيني الذين يلجؤن الى الشرعية الدولية حسب مزاجهم وفيما يتناسب مع مصالحهم وبالحفاظ على مكاسبهم وليس بما يتناسب مع مصلحة كل الشعب الفلسطيني.

ان نقاط الالتقاء بين التيارات المختلفة الخاصة بكل طرف وتطور  ميزان القوى فيما بينها  والدور الذي سيلعبه الوسطاء،  سيلعب دورا حاسما في تشكيل التصور النهائي لهذا الصراع  والذي سيبدأ بعملية وقف اطلاق نار أوهدنة،  تليها  عملية فرض المطالب الفلسطينية الآنية ثم الاستراتيجية  لكل جهة، ولكن التحقيق النهائي سيكمن في التوصل الى حل توافقي ما بين الطرفين  بناء على طبيعة الوساطة المقبولة بينهما، ومن الواضح ان السيناريوالذي يأمل التوصل اليه الوسيط الأمريكي هوانقاذ “شركة أوسلوالفلسطينية ” وتحالفاتها مع أصدقائها التاريخيين من حزب العمل  الاسرائيلي  ومع التحالفات والمحاور الاقليمية على حساب تضحيات وجثث شعب غزة المجاهد عبر نزع السلاح من المقاومة في غزة.

أما السيناريوالنهائي الأفضل للشعب الفلسطيني  سيتمثل في وقف القتال في اللحظة التي  تنتصرالمقاومة الفلسطينية العسكرية بمساندة حلفائها الطبيعيين من المقاومين الفلسطينيين في شتى انحاء التواجد الفلسطيني ليفرضوا حلا عادلا وشاملا لقضية فلسطين في شتى المجالات السياسية والثقافية بالإضافة الى دعم عالمي ودولي للمقاومة وحقوقها المشروعة و

وسيتطلب ذلك عمل شاق من قبل الجميع لعدم تفويت هذه الفرصة التاريخية التي صنعتها مقاومة وصمود شعب غزة الأعزل عبر تقديم أجساده وأبناءه فدية من أجل الحرية والتحرير والاستقلال .

لكن الوضع الحالي حتى هذا اليوم هوكالتالي :الولايات المتحدة تسلح،  طرف عربي يمول و طرف آخريخنق ويحاصر وثالث يصمت،  تاركا اسرائيل تنفذ الجرائم والمجازر .  أما الشعب الفلسطيني في غزة فهويقاوم ويستشهد  ويحقق انتصارات اسطورية بينما تقف  “شركة اوسلو” الذي تخلى عنها شريكها الاسرائيلي منذ زمن والتي على وشك اعلان افلاسها،  تقف إما في موقف المتفرج، مع بعض المحاولات اليائسة والكاذبة  لركوب موجة المقاومة مع الأمل  ان تستفيد من انتصاراتها  وأن تجيرها   لمصلحة سياساتها والعودة الى المربع الأول، خاصة بعد ان بدأت  تتأرجح وترتبك في مواقفها وتتفتت بسبب انشقاق  وعدم رضاء بعض مساهميها الأوائل وأمام تمكن المقاومة المسلحة بتحقيق  شروطها. ومن ضمن  آخر هذه المحاولات اليائسة من طرفها  هوقيام بعض ممثليها وديبلوماسيها في العمل على  سحب الشكوى التي سجلت ضد اسرائيل  في محكمة الجنايات الدولية من طرف بعض المحامين الدوليين بناء على طلب من وزير العدل ، وذلك بالرغم من كل النصائح الموجهة لهم من قبل محاميين دوليين حول ضرورة اللجوء الى محاكمات دولية.

 كما يبدوحتى هذه اللحظة ان عملية التفاوض لحالية في القاهرة بين الطرف الفلسطيني والاسرائيلي لم تتمكن في الحصول على فرض شروط المقاومة وخاصة في غياب وساطة موضوعية بين الطرفين وربما بسبب عملية كسب الوقت أيضا من قبل بعض الأطراف لتضمن الحفاظ على مصالحها.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. يا دكتورة كل هؤلاء الذين ذكرتهم في تحليلُكِ القيم هم كلاب (و ليست تماسيح) تصطاد في الماء العكر المُلطخ بدماء شهداء غزة… المجد و العزة لشهداء و ابطال غزة و الخزي و العار للخونة و المتآمرين و مآلهم جهنم و بئس المصير. قال الشاعر
    وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ ** تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
    فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ **مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
    كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ** وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here