تفشي الحصبة… نقص اللقاحات وغياب الوعي في مدغشقر الفقيرة ورفض الوقاية في أمريكا الغنية

من لايتيتيا بيزين وكيت بارتليت أمبالافاو (مدغشقر) (د ب أ) – تعاني كل من جمهورية مدغشقر، وهي واحدة من أفقر دول العالم، وأيضا الولايات المتحدة، وهي من أغنى دول العالم، من تفش خطير ومتزامن لمرض الحصبة.

وفي الوقت الذي ألقي فيه باللوم في تفشي المرض في الحالتين على نفس السبب، وهو عدم تلقي الأطفال التطعيم ضد المرض، فإن الأسباب وراء ذلك مختلفة أشد الاختلاف.

وأودت الحصبة بحياة أكثر من 200ر1 شخص في مدغشقر منذ أيلول/سبتمبر من العام الماضي، النسبة الأكبر منهم دون الخامسة عشرة من العمر. وارتفعت الاصابة بالمرض إلى 120 ألف حالة، في أسوأ تفش للحصبة يضرب تلك الجزيرة التي تقع في المحيط الهندي، قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لقارة أفريقيا.

وعندما سقطت طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات مصابة بالمرض، أسرعت بها والدتها، عاملة النظافة ماري-جين راندرياماهيفي، 44 عاما، وتعيش في إحدى المناطق الفقيرة بالعاصمة أنتاناناريفو، إلى طبيب بيطري، وكيف لها أن تذهب إلى طبيب بشري وهي لا تملك مالا.

وبعيدا عن تكلفة الذهاب لطبيب بشري، لم تكن الأم تعلم أن التطعيمات نفسها تقدم مجانا في أنحاء البلاد، وهي في ذلك مثل كثير من الآباء والأمهات في مدغشقر.

ويمثل نقص الوعي ملمحا رئيسيا للحياة في هذه البلاد التي يعيش أكثر من 75 في المئة من سكانها على دولارين يوميا، بحسب بيانات البنك الدولي.

وعندما وجدت راندرياماهيفي أن طفلتها الصغيرة لا تتماثل للشفاء، قررت أن تذهب بها إلى المستشفى، ولكن كيف والأم لا تملك الدولارات السبعة الضرورية ليوقع الطبيب الكشف عليها.

وأخذت الأم تلوم نفسها بقوة لأنها لم تهتم بإعطاء الطفلة التطعيم اللازم ضد المرض، وتقول راندرياماهيفي والدموع في عينيها: “إنه خطأي.”

وفي نهاية الأمر، استطاعت المرأة أن تقترض بعض المال لكي تأخذ طفلتها إلى الطبيب، ومنذ ذلك الحين أخذت الصغيرة تتماثل للشفاء، ثم تعافت تماما.

وقد استمع محرر وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) إلى قصص مماثلة روتها أمهات في العديد من المناطق في أنحاء البلاد.

وعادة ما يضطر الآباء والأمهات إلى حمل أطفالهم والسير بهم عدة كيلومترات إلى المستشفى، ولكن لسوء الحظ، لا يمكن الاحتفاظ بالتطعيمات صالحة للاستخدام بسبب نقص مرافق التبريد (الثلاجات). ولا يعلم كثير من الآباء والأمهات الأخرين متي يجب تطعيم الأطفال.

ويختلف الأمر تماما في الولايات المتحدة، إحدى أكبر وأغنى دول العالم، حيث يتم إخطار الوالدين مسبقا بمواعيد التطعيمات الضرورية لأطفالهم، وحثهم على الحرص عليها في مواعيدها.

وعلى الرغم من ذلك، ظهرت حركة في السنوات الأخيرة في أمريكا وأوروبا تحمل “ضد اللقاحات”، حيث يلقي أباء باللوم في إصابة اطفالهم بحالات مرضية، مثل مرض التوحد، على هذه اللقاحات.

وكان الغرب اقترب كثيرا من اجتثاث الحصبة من جذورها، قبل أن يعود المرض إلى الظهور مجددا في الأونة الأخيرة.

ويقول شابير ماضي، أستاذ علم اللقاحات في “جامعة ويتواترسراند” في جوهانسبرج، لـ “د.ب.أ” إنه يرى تناقضا صارخا فيما يتعلق بتفشي الحصبة في الدول الفقيرة والأخرى الغنية.

ويضيف أنه في الدول الفقيرة “ينجم عن وجود أنظمة رعاية صحية هشة ونقص الموارد، وتجمعات النازحين (وبينهم لاجئون)، في عدم إمكانية تلقي الأطفال التطعيمات اللازمة، أو نقص المناعة لديهم.”

أما في الغرب، “فنجد أن المخاوف غير المبررة، والتفكير غير العلمي ونشر المغالطات قد أدت إلى تصور خاطئ عن المخاطر والمنافع الخاصة بالتطعيم ضد الحصبة.”

وفي وقت سابق الشهر الجاري، أعلنت مدينة نيويورك الأمريكية حالة طوارئ صحية عامة وأصدرت أوامر بالتطعيم الإجباري ضد الحصبة بسبب “ارتفاع كبير” في حالات الإصابة.

وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، سجل “المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها” 465 حالة إصابة بالحصبة في 19 ولاية أمريكية.

ويقول المركز إن عام 2019 (حتى الآن) “شهد ثاني أكبر عدد من حالات الإصابة جرى الإبلاغ عنه في الولايات المتحدة منذ القضاء على الحصبة في عام .2000”

كما ظهرت حالات تفش واسعة للحصبة في دول مثل أوكرانيا والفلبين والكونغو، ويوم الأربعاء الماضي، العاشر من نيسان/أبريل الجاري، أعلنت وزارة الصحة في تونس إطلاق حملة تلقيح في ظل الانتشار الوبائي لمرض الحصبة، والذي أودى بحياة 28 شخصا. وأعلنت الوزارة تعميم حملة التطعيمات في أنحاء البلاد لتشمل جميع الأطفال حديثي الولادة، وأيضا من تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و11 شهرا، وذلك في المراكز الصحية، وأيضا تلقيح الأشخاص المحيطين بالمصابين بالحصبة. وتفشى المرض في خلال أشهر بولايات القصرين وصفاقس والقيروان، وأدى إلى إصابة 1596 شخصا بحسب الوزارة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن “التردد بشأن اللقاحات” يعد ضمن أكبر عشرة تهديدات للصحة العالمية، وحذرت من أن “الاحجام عن إعطاء اللقاحات، أو رفضها، رغم توافرها، يهدد بانتكاسة في التقدم الذي أحرز في مجال الأمراض التي يمكن الوقاية منها عبر اللقاحات.”

وأظهرت عدة دراسات عدم وجود علاقة بين مرض التوحد ولقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، والمعروف اختصارا باسم “إم إم أر”. وكشفت تقارير أن بعض الآباء والأمهات يقيمون “حفلات حصبة ” تتسم بالخطورة الشديدة، بهدف إعطاء أطفالهم مناعة ضد المرض من خلال احتكاكهم مع مصابين بالمرض.

وبالعودة إلى مدغشقر، يسهم التشخيص الخاطئ أيضا في تفاقم خطورة تفشي الحصبة.

وتروي الأم إيريكا هانترينياينا كيف أن الطبيب شخص حالة طفلتها كايلا التي تبلغ من العمر ست سنوات، بأنها حالة إصابة بالحساسية، وليس بالحصبة.

وكاد الخطأ أن يكون قاتلا.

وقالت الأم لـ “د.ب.أ”: “تعقدت الأمور يوما تلو الآخر. كانت تسعل كثيرا. أحمرت عيناها بقوة. ثم أصيبت بإسهال وتقيؤ… ظهرت قرح في فمها، ولم تستطع تناول الطعام.”، كما أصيبت بـ “خفقان في القلب، وكأن قلبها كاد يخرج من بين ضلوعها.”

وقال راول كاماديو، خبير المناعة لدى منظمة الأمم المتحدة للأطفال (يونيسيف) للوكالة الألمانية إن نظام الرعاية الصحية في مدغشقر لا يمكنه ضمان تلقي الجميع اللقاحات.

وأضاف أن التفشي الكبير للحصبة في مدغشقر يمثل “تجربة مرة لما كان عليه حال العالم قبل توفر اللقاحات… وهو أمر نسيه الآباء والأمهات الذين يتبنون الحركة ضد إعطاء اللقاحات في العالم المتقدم.”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here