تشيلي 1973 .. وفنزويلا اليوم!

الدكتور بهيج سكاكيني

البارحة خرج عمال النقل وسائقي الشاحنات في فنزويلا في مظاهرة في وسط العاصمة كاراكاس تأييدا للرئيس مادورو وحكومته الشرعية وتأكيدا على رفض التدخلات الامريكية والتهديد بالغزو العسكري لفنزويلا والتعدي على سيادتها وأراضيها. ولقد عملت الولايات المتحدة وأجهزة استخباراتها ممثلة بالمخابرات المركزية وكذلك الوكالة الامريكية للتنمية الدولية والتي هي ما الا الغطاء “الانساني” للتدخل في شؤون الدول عبر المنظمات الغير حكومية التي تنشأ في البلد المعني كقنابل إجتماعية موقوتة لحين الطلب لاشاعة الفوضى وعدم الاستقرار الامني والاجتماعي في البلاد وإعطاء الفرصة لعناصر الجيش والجنرالات الذين تعلموا وتدربوا في الاكاديميا ت العسكرية الامريكية ان تقوم بإنقلاب تحت ذريعة الحفاظ على الامن وسلامة المواطنين كما حصل في تشيلي عام 1973 مثلا, لنتكشف لاحقا ان هؤلاء الانقلابيين جاءوا لحماية المصالح والاستثمارات الاجنبية في البلد وإقامة نظام ديكتاتوري يقوم على قمع الحريات والتخلص من “المشاغبين” الذين لا يريدون الاستقرار والامن في البلد.

 وهذا ما درجت عليه الادارات الامريكية المتعاقبة عندما استبدلت التدخل العسكري للبساطير الامريكية للسيطرة على البلد لتغيير نظام الحكم كما حصل في جمهورية الدومنيكان عام 1965, وغزو جرانادا عام 1983 وغزو بنما عام 1989 على سبيل المثال لا الحصر الى استخدام السياسة الناعمة بما فيها من عقوبات إقتصادية وحرمان البلد من صادراته وحصاره إقتصاديا ومنع الشركات الكبرى والمؤسسات المالية وحتى الدول من التعامل مع البلد المعني إقتصاديا. الى جانب حرمان البلد من استيراد المواد الغذائية الاساسية و الادوية اللازمة وخاصة اللازمة لعلاج الامراض المزمنة وبالتالي اختفاء الكثير من المواد عن رفوف المحلات والدكاكين وتفشي السوق السوداء والتهريب والارتفاع الجنوني في اسعار المواد التموينية الضرورية لاستمرار الحياة وذلك للضغط على المواطنين وخاصة الفقراء والطبقة العاملة والفئات المسحوقة في المجتمع ويصاحب ذلك حملة إعلامية واسعة تشارك فيها وسائل إعلام البرجوازية المحلية الطفيلية والاوليغاركية  ليهبوا الى الشارع منادين  بتغيير النظام. وهذا ما هو حاصل في فنزويلا الان وهو ليس بالامر الجديد فهذه السياسة لم تتوقف على الاطلاق منذ تولي شافيز رئاسة البلاد عام 1998 واستمرت بعد وفاته ومجيء مادورو عام 2013 بعد وفاة الرئيس شافيز بالسرطان. ومن الاهمية الاشارة هنا الى انه ما بين 1898 -1994 اطاحت واشنطن بما لا يقل عن 41 حكومة في امريكا اللاتينية.

نحن اليوم نشاهد سيناريو شبيه بما حصل في تشيلي على امتداد ثلاثة سنوات من عام 1970 بعد نجاح سيلفادور اليندي اول رئيس ماركسي في امريكا اللاتينية عبر صناديق الاقتراع بشكل ديمقراطي الى سبتمبر عام 1973 بعد ان قام الجيش بإنقلاب عسكري بدعم من الولايات المتحدة وبعد فترة من عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي التي عملت المخابرات المركزية الامريكية وبتوجيه من الرئيس نيكسون على تفعيله للوصول الى حالة من الفوضى والاشتباكات اليومية بين قوى اليمين المتطرف وقوى اليسار الذي استخدم كمقدمة للانقلاب العسكري وإقامة حكم ديكتاتوري فاشي بكل معنى الكلمة.

 قبل الانقلاب قام عمال النقل والشاحنات بعدد من الاضرابات والاعتصامات التي ادت الى جانب إضراب عمال مناجم النحاس الى شل البلاد إقتصاديا وكان ان عمدت الولايات المتحدة الى ضرب اسعار النحاس في الاسواق الدولية لتحرم الحكومة من مداخيل اساسية لتطبيق برنامج الاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية. وعندها شهدت البلاد نقصا حادا في المواد الغذائية واختفت العديد من السلع الاساسية من الاسواق وبشكل متعمد لاثارة الشارع على الحكومة المنتخبة.

عندها لم تكن اغلبية المتظاهرين الناقمين تعي أن عدم تمكنهم من الحصول على المواد التموينية من الاسواق لم يكن بسبب الحكومة بل بسبب التآمر على الحكومة وبرنامجها الذي كانت تسعى من أجله وهو إقامة الدولة الاجتماعية الحديثة من اجل رفاهيتهم, رفاهية الطبقات المسحوقة. ولم يدركوا ان الانقلاب آتى وبتوجيه من الولايات المتحدة ضد دولة الرفاهية والرخاء التي كانت حكومة اليندي تسعى لإقامتها من خلال فرض سيطرة الدولة على المصادر الطبيعية للبلاد ووضع القيود الشديدة على الاسثمارات الاجنبية وتأميم الصناعات المختلفة في البلاد ووضع اليد على الشركات والمصانع الاجنبية التي نهبت ثروات البلاد لعقود من الزمن ووضع ضوابط صارمة لتعويضها, والانفاق بسخاء على قطاعات التعليم والرعاية الصحية ونظام تقاعدي ورفع الحد الادنى للاجور وغيرها من الاجراءات التي تخدم الطبقات الفقيرة والمعدمة في البلاد.

وللتأكيد على ذلك ومباشرة بعد الانقلاب تم إحداث تغييرات جوهرية في البنية الاقتصادية لتشيلي تحت رعاية وتوجيه الاقتصادي الامريكي ميلتون فريدمان وهو من أشهر الاقتصاديين العالميين المدافعين عن النظام الراسمالي وإقتصاد السوق الحرة وصاحب المبدأ الاقتصادي المشهور “المعالجة بالصدمة” أو ” مذهب “رأسمالية الكوارث” الذي يقوم على استغلال كارثة، سواء كانت انقلاباً ، أم هجوماً إرهابيا، أم انهياراً للسوق، أم حرباً، أم تسونامي، أم إعصارا، من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية. وبالفعل فقد قامت حكومة الانقلاب العسكري العمل بهذا المبدأ حيث قامت بتخفيض دراماتيكي وفوري للعرض النقدي وتلتها بخصخصة الصناعات الحكومية والخدمات المقدمة من قبل الحكومة وكذلك عملت على تخفيض التعريفات والاعانات ورفع الدعم الحكومي على السلع الاساسية الذي كان يخدم الطبقات الفقيرة. بمعنى انها الغت جميع ما قامت به حكومة اليندي السابقة فيما يخص السيادة الاقتصادية والمكتسبات التي تحققت للطبقات الفقيرة وحتى المتوسطة.

الانقلاب آنذاك لم يكن للحد من تأثير كوبا وفكر كاسترو كما إدعى الانقلابيين بل كان موجها لضرب نموذج الحكم الديمقراطي التي سعت حكومة اليندي لتحقيقه والذي كان من المفترض من المفترض ان يشكل نموذجا ومثلا يحتذى به في بقية دول أمريكا اللاتينية ولذلك كان من الضروري إجهاض هذه التجربة بأية طريقة ممكنة. في ذلك الوقت جاء تصريح كيسنجر الذي حث فيه الرئيس نيكسون للتدخل بقوله, ” لا ارى لماذا نحتاج الى ان نقف مكتوفي الايدي ورؤية دولة تذهب الى الشيوعية بسبب عدم مسؤولية شعبها”. هذه النظرة العدائية والاستعلائية والدونية للشعوب الاخرى كانت ولا زالت متأصلة في النخب السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة. وها نحن نشهدها اليوم تجاه فنزويلا وبشكل علني وفاضح ووقح من قبل الرئيس ترامب ففي خطاب له القاه في جامعة ميامي قبل عدة ايام وجه تهديدا مفتوحا الى الجيش الفنزويلي بحياتهم إذا لم يكفوا عن دعم الرئيس المنتخب مادرور وحكومته. أما المجرم مستشار الامن القومي لهذه الادارة فقد صرح في حسابه على التويترفي السادس من هذا الشهر ان  ” الولايات المتحدة ستنظر في رفع العقوبات عن أي مسؤول عسكري فنزويلي كبير يدافع عن الديموقراطية ويعترف بالحكومة الدستورية للرئيس خوان غوايدو”. وقضية التصريحات بشأن إعطاء الحق للولايات المتحدة للتدخل في اية دولة من دول امريكا اللاتينية إذا ما اعتقدت بأن نوعية سيادتها ( اي سيادة الدولة اللاتينية) لا يليق الاعتراف بها كثيرة ولا مجال هنا لتفنيدها لكثرتها.

 الولايات المتحدة وأذنابها في أمريكا اللاتينية الى جانب كندا والاتحاد الاوروبي يسعون الى وضع مزيد من الضغوط لتنحي الرئيس المنتخب مادورو عن الحكم وتسليم البلاد الى الاوليغاركية الفنزويلية المتواطئة مع أمريكا وأجهزة مخابراتها وذلك بإستخدام العامل “الانساني” وتقديم “المعونات الانسانية” ومحاولة إدخالها بإقتحام الحدود مع كولومبيا والبرازيل.

 ويبقى السؤال هل ستنجح ام ستفشل هذه المحاولة. الشعب الفنزويلي وخاصة الطبقات الفقيرة منه التي انتفعت وبشكل جوهري من برامج التعليم والرعاية الصحية وتوفير السكن..الخ من مكتسبات الثورة البوليفارية مطالبة بالدفاع عن الثورة والشرعية والسيادة ومكتسبات هذه الثورة التي تحققت لهم اكثر من اي وقت مضى. ونحن على ثقة بهذه الجماهير والجيش الفنزويلي اللذين تصدوا لكل المحاولات الانقلابية وأجهضوها على مدى اكثر من عقدين من الزمن. ولا شك ان التضامن الاممي مع فنزويلا قيادة وشعبا وجيشا وخاصة من قبل روسيا والصين لعب وما زال يلعب دورا هاما في إبعاد شبح التدخل العسكري الامريكي المباشر او الغير مباشر وكذلك إبعاد خطر نشوء الحرب الاهلية. ومع كل هذا فإن هنالك خطر حقيقي من ان تفلت الامور وخاصة مع وجود عناصر في الادارة الامريكية من المحافظين الجدد وتوابعهم الذين لن يأبهوا في تدمير البلد كما دمروا العراق وافغانستان وليبيا وسوريا واليمن في منطقتنا.

كاتب متخصص في شؤون أمريكا الجنوبية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here