تشرشل ضيفا بمعرض الكتاب في الدار البيضاء

عبد الكريم ساورة

فقدت الثقة، مند مدة طويلة في المهرجانات الثقافية والسينمائية  وكذا معارض الكتاب لأنها مجرد مكان للإستهلاك والتقاط الصور لبعض ” الفنانين والكتاب ” لكن فكرت أن أتوقف عن هذا الصوم القاسي، وفتح صفحة جديد مع عالم الكتب، وأصبحت مند ثلاث سنوات أزور معرض الكتاب.

وأول ما يشد انتباه الزائر وهو يقوم بجولة صغيرة بين صفوف عارضي الكتب، وهو الإنتشار المهول للكتب المدرسية المرتفعة الثمن والفارغة المحتوى، وكتب الطبخ على مختلف الأحجام، غريب هذا الأمر، الوطن العربي أصبح لايفكر سوى  في بطنه، نحن المغاربة لانتحدث سوى في اختراع وحيد وأوحد هو ” اختراع الأكلات الشهية ” تحولنا بقدرة ما إلى مجتمع استهلاكي بامتياز، يتحدث عن الأكل كموضوع يسبق كل المواضيع التي تهم الشأن العمومي، وهذا أكبر خطر على مجتمع عندما يصبح يفكر من خلال بطنه.

أمر غريب يشد كذلك الزائر هو الإنزال المهول ” للكتب الدينية ” وأكثر العناوين إثارة ما يتعلق ” بعذاب القبر” ” وعقاب الآخرة ” ” والحصن الحصين ” والعديد من الأقراص عليها مواعظ الدعاة الجدد في العديد من القضايا ، والمثير في الأمر أن أغلب هذه العناوين تجد على أغلفتها صورا للأفاعي بالحجم الكبير ووجوه مفزعة، وهو ما يجعلني أتساءل ” لماذا العديد من الكتب ” الدينية ” وهذه التسجيلات تركز على عنصري الرعب والترهيب في التعاطي مع المسلمين ؟ لا أعرف لماذا يتم تغيب عنصر أساسي وجوهري في ديننا الحنيف، وهو عنصر الجمال، إن الدين الإسلامي دين مبني على عنصري الجمال والفرح وليس القبح والخوف، نحتاج إلى وقت طويل للتخلص من عقدة الخوف الذي يسكننا، علينا أن نصفي تاريخ القبح من نصوصنا ومن كتبنا المفروضة علينا فرضا.

في المساء، وأنا أتجول بين العارضين ، استوقفني أحد الصحافيين بإحدى القنوات التلفزية المغاربية، وطلب مني كزائر للمعرض أن أعطي بعض  الانطباعات عن المعرض الدولي في نسخته (…) ، قلت ماكان يحز في نفسي بدون لف ولا دوران، وأضفت “أن المعرض مجرد واجهة من واجهات السياحة لايختلف عن المهرجانات التي تنظم طيلة السنة ،و الثقافة لاتصنع في المعارض  وإنما تصنع في المدارس الحقيقية ” مثل الحياة توجد في مكان آخر على تعبير ميلان كونديرة في روايته الجميلة.

انسحبت بسرعة واتجهت، صوب جناح الأفارقة، فارغ  بكامله، لا أحد يهتم بالثقافة الإفريقية، ولا أحد يعرف شيئا عن الأدب الأفريقي، المغاربة يحاولون الانسلاخ بالمرة عن افريقيا، إنها مصدر الجوع والأوبئة والحروب هذا ماتقدمه القنوات الدولية، لكن لا أحد سأل يوما من المسؤول عن هذه الوضعية ؟ ولا أحد فكر يوما وقال لماذا لا نقرأ الشعر والقصص الإفريقي ؟ لماذا كُتُبُ إفريقيا لاتنزل إلى السوق ؟ ولماذا لايتم ترجمة المنجز الإفريقي ؟ لماذا هذا التغييب الممنهج لهذا الإرث العظيم ؟ ربما قِبلة وعطور باريس لم تتركا لنا أي فرصة للإلتفات إلى جذورنا الحقيقية باستثناء مايقوم به العاهل المغربي وبعض المتطوعين الشرفاء في الآونة الأخيرة من اهتمام لهذه القطعة الجغرافية المغيبة في كل شيء.

أثار انتباهي، وأنا أتجول، المجموعة الكاملة، للمسرحي الكبير وليام شكسبير، بإحدى الأجنحة المصرية، وهي فرصة لي للإطلاع على هذا العظيم، فاقتنيت المجموعة كاملة، وهي غنيمة لم تكن في الحسبان.

شعرت بالناشر تغيرت ملامحه، وبدت علامات الانتشاء كأنه فاز في مسابقة ، ومن شدة فرحه سلمني  كتاب” مذكرات تشرشل ” في جزأين بالمجان .

بعد عودتي من المعرض، بدأت في قراءة ” مذكرات تشرشل ” وكم كانت مفاجأتي كبيرة عندما اكتشفت أن الرجل كان جد متواضع في دراسته، وانسحب من الدراسة وهو لازال في الأقسام الثانوية، ليلتحق بالمدرسة الحربية الملكية في ساهندهيرست وتخرج منها عام 1894، كانت مهمته الأولى مع الجيش الاسباني في كوبا الذي كان يقاتل الكوبيين، تم أرسل إلى الهند حيث قضى مدة طويلة، كانت كافية لقيامه بنوع من التربية والتثقيف الذاتيين، فقد كانت أمه ترسل له صناديق من الكتب، وكان يطالعها كلها، وقد تأثر بالمؤرخين غيبون وماكولي وبنظرية داروين في النشوء والارتقاء.

والمثير في المذكرات كما يحكي تشرشل، أنه كان كلما غادر منصب الوزارة حيث تقلد العديد من المناصب الوزارية، كان يجلس عاطلا عن العمل، وأول من كان ينقذه من الجوع والعطالة هما الكتب، فقد كان يعيش من خلال ما يصدره من كتب، ومن مقالات متعددة كان ينشرها بالصحف البريطانية.

في الحقيقة عندما أنهيت الجزء الأول من المذكرات، فهمت جيدا أن أزمة الوطن العربي وتخلف شعوبها تكمن في خيانتها العظمى للكتاب، وفهمت جيدا أن بريطانيا التي لا تغيب فيها الشمس، لم تختر “ونستون تشرشل ” القائد الكبير عبثا ليدافع عنها من وحشية هتلر، مستعينا بمقولته الشهيرة : ” إن الإجابة الوحيدة على الهزيمة هو الإنتصار ” إلا أن سلاحه الوحيد لتحقيق ذلك، هو المعرفة، هو تشبثه الشديد بالكتاب الذي يرفض أغلبية مسؤولينا الاعتراف به كمدخل أساسي لصناعة المستقبل.

كاتب وباحث

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here