تسعة وتسعون عاماً على مؤتمر زعماء عشائر شمال الأردن في دارة الزعيم الوطني ناجي العزام في “قم”

د. معن علي المقابلة

” إن تواتر الاشاعات عن تقسيم البلاد قد جعلنا في هياج عظيم، نحن عشائر قضاء عجلون ومشايخه وجميع اهاليه على اختلاف الملل.. نحن نحتج بكل قوانا على اقل تقسيم يمس البلاد.. نحن مهيؤون للدفاع أسوة بالأمم الحرة”. ، ارسلت هذه البرقية بتاريخ 10 تشرين الثاني 1919 الى الامير فيصل بن الحسين والى الحكومة الفرنسية بعد توارد الاخبار عن تقسيم سوريا الكبرى بين بريطانيا وفرنسا.

  وفي الوقت الذي كان الحلفاء ينفذون ما اتفقوا عليه في اتفاقيات سايكس وبيكو وزيري خارجية كل من بريطانيا وفرنسا ، ضاربين بعرض الحائط الوعود التي قطعوها للشريف حسين فيما عرف بمراسلات حسين – مكماهون ، وتخلي فيصل عن سوريا تحت ضغط الفرنسيين ، وتركها لمصيرها في مواجهة غير متكافئة بين الوطنيين ممن جمعهم يوسف العظمة من اهل البلاد ، عندما رفض العظمة خضوع فيصل لإنذار القائد الفرنسي جورو وحله للجيش السوري لتسقط سوريا بعد معركة ميسلون ، عندها ادرك زعماء عشائر شمال الأردن ان بلادهم اخذ يتقاسمها الحلفاء ، والادهى من ذلك ان فيصل قدم فلسطين على طبق من ذهب للحركة الصهيونية ، فيما عرف  باتفاقية فيصل وايزمان فقد جاء ضمن بنود هذه الاتفاقية “عند إنشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917”.

   وعلى الرغم من ان زعماء عشائر شمال الأردن لم يكونوا على علم بهذه الاتفاقية ، الا ان الاجراءات التي بدأت تتخذها الحكومة البريطانية في تنفيذ وعد بلفور على الأرض اثارت حفيظتهم ، فتداعوا الى عقد اجتماعات متتالية للوقوف ضد هذه الاجراءات ، كان اولها الاجتماع الذي دعا له الزعيم الوطني كايد مفلح العبيدات في ناحية السرو في ديوان الزعيم الوطني سليمان سودي الروسان ، وقد تمخض عن الاجتماع عقد مؤتمر في بلدة (قم) بديوان الشيخ ناجي باشا العزام بتاريخ 6 نيسان 1920، افتتحه الشيخ ناجي العزام بقوله ” بسم الله الرحمن الرحيم الواحد الأحد والمنتصر لأمة قاتلت من أجل استقلالها فكل التهنئة بإعلان استقلال بلادنا الشامية لصاحب الجلالة الملك فيصل بن الحسين والى شعبنا في كل مناطقه السورية، إن الهدف يا مشايخ لواء عجلون من هذا الاجتماع هو الخروج بقرارات تتضمن الرد السريع على الأعداء الكفار وقد اتفقنا في سما الروسان على أن يكون الرد بمهاجمة المستوطنات اليهودية في سمخ وبيسان وطبريا والهمة في عشائرنا ورجالنا والله معنا وسيشرح لكم الشيخ كايد المفلح خطة الهجوم التي ستكون في 20 نيسان”.

  وبالفعل تم تنفيذ ما اتفق عليه المؤتمرون ، وتجمع الثوار من كل نواحي شمال الأردن في 20 نيسان 1920، وانطلقوا بقيادة الشيخ كايد مفلح العبيدات باتجاه الأراضي الفلسطينية انطلاقا من منطقة تل الثعالب، حيث استشهد هو وعدد من رفاقه ، بعد قتال عنيف ضد القوات البريطانية التي كانت تتفوق عليهم بالعدد والعدة.

  تمر ذكرى هذه الاحداث من مؤتمر سما الروسان ومؤتمر قم الذي تداعى لهما كوكبة من زعماء عشائر الأردن ، هاجسهم الأول وحدة سوريا الطبيعية ، فقد وقفوا بكل صلابة رغم شح الامكانات ضد “اقل تقسيم يمس البلاد” كما جاء في برقيتهم ،  فهذه العشائر كانت تنظر لسوريا الكبرى على انه الوطن الأم ، وان فلسطين جزء لا يتجزأ من هذا الوطن ، هكذا نظر الاجداد للوطن وضحوا من اجله بدمائهم ، وبعد مرور قرن على مؤتمر قم الذي كان عنوانه فلسطين عربية من البحر للنهر وجزء لا يتجزأ من سوريا الطبيعية تتجذر الدولة القطرية ، ويتنازل النظام الرسمي العربي عن فلسطين كاملة للكيان الصهيوني ، في ظل انظمة لا تزال وفية لوعد بلفور واتفاقية فيصل وايزمان.

   فهل يكون احفاد زعماء مؤتمر قم أوفياء لدماء ابائهم ولشعار اول شهيد على ارض فلسطين كايد مفلح العبيدات  “عندما يكون الموت حق فأشرف أنواع الموت أن يكون على تراب فلسطين شعارنا إلى الأبد وسنعلمه للجيل الذي سيأتي من بعدنا”.

باحث وناشط سياسي / الأردن

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. مساء الخير للجميع من الرائع ان يكون الوعي الوطني الرفيع لدى شيوخنا في تلك الفتره واحساسهم الوطني الراقي والانتماء لثرى سوريا الطبيعيه انذاك يبعث في النفس التمنى ان يكون القاده في هذه الايام على ذات المستوى والمسؤوليه ونتضرع لله ان يبعث في هذه الامه رجال كاؤلاءك الرجال …. الشكر للباحث الرائع د. معن

  2. المنطقة في حالة سيولة شديدة… قد تختفي دول وتظهر أخرى.. وقد تكبر ساحات ديمغرافيا وجغرافيا… وقد تختفي ساحات… كل ذلك بسبب زواريب البعض العربي الخون…..توهان وتيه وفقدان للمروتة الاستراتيجية بفعل طوارئ السياسة والاقتصاد.

  3. كانت الناس بخير ويحكمها ألاصالة والشهامة ، ولكن التضليل وعدم الوعي انتهى بنا الى ما نحن فيه.
    لم يكونوا على علم بأن أبناء جلدتهم قد توافقو مع الاعداء على التنازل عن فلسطين وأن الخيانة ستغلب الشجاعة والشهامة وستقسم البلاد وتزرع الفتن بين أبناء الامة الواحدة.
    لا زال المسلسل مستمرا ولا زالت قوى التضليل والخيانة تحافظ على الكيان المسخ ، ويتسابق عرابوا الخيانة على تقديم التطمينات وكل الخدمات له.

  4. كل اشكر للدكتور معن
    (وفي طريق عودة مشايخ لواء عجلون من دمشق قرروا عقد لقاء تحضيري في بلدة سما الروسان في منزل الشيخ سليمان باشا السودي الروسان لتدارس الوضع فأجمعوا على عقد مؤتمر في بلدة (قم) بضيافة الشيخ ناجي باشا العزام بتاريخ 6 نيسان 1920 )
    إذاً يتوجب التنويه إلى ما يلي:
    *الإجتماع التحضيري كان بإتفاق الجميع ولم يكن دعوة من الشهيد البطل كايد عبيدات … فكيف يدعي شخص مجموعة إلى منزل غيره مع أنه كان من باب أولى أن يدعي للإجتماع في ديوان مع أنهما في نفس المنطقة
    *لم يكن هناك مؤتمراً في سما الروسان وإنما كان إجتماعاً تحضيرياً لمؤتمر قم
    *الدعوة لإستضافة المؤتمر كانت من الزعيم الوطني الشيخ ناجي باشا العزام وتم قبولها من فبل جميع الزعماء الحاضرين
    وهذا ينم عن فكر مقتدم ومتطور وأساليب حديثة في عقد المؤتمرات إذ أنه يتوجب سبقه بإجتماع تحضيري وكان في ديوان الجد الزعيم الوطني سليمان باشا السودي الروسان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here