ترامب وانفجار التحالف الخليجي

Mahmoud-Bouneb.jpg777

محمود بوناب

بينما العالم العربي غارق يتخبط من محيطه إلى خليجه في أوحال عجزه وفشله وتناحر بلدانه، وبينما يرى عديد الخبراء أن المنطقة مقبلة على نزاعات مسلحة كبرى قد تؤدي إلى تغيير ملامحها وتركيبتها الجغرافية والسياسية، لم تجد المملكة العربية السعودية، في إطار سعيها المحموم والمستميت من أجل إقامة “حلف أطلسي سني” في مواجهة إيران، أفضل من دعوة الرئيس الأمريكي الجديد على أرض نجد لتراءس قمة خليجية أمريكية وأخرى عربية – إسلامية أمريكية بهدف خطب ود دونالد ترامب وإشباع نهمه للمليارات التي أغدق بها عليه الملك سلمان بن عبد العزيز ونجله محمد ولي ولي العهد طمعا في تثبيت حكم سلالة معينة من أسرة آل سعود، وربما في خلافة الأمير محمد بن سلمان لوالده بعد إزاحة ولي العهد الأمير محمد بن نايف من طريقه، وتكريس هيمنة الجناح المهووس في الأسرة الحاكمة السعودية بكسر شوكة ايران وإخضاع الإسلام الشيعي للإرادة والنزوات الوهابية.

لكن لم تمض سوى سويعات معدودة على مغادرة ترامب أرض نجد حتى انقلب السحر على الساحر وانفجر التحالف الخليجي الذي كانت الرياض تعتقد أنه تحت سيطرتها تماما وأنه سيكون نواة الحلف السني المنشود في مواجهة “امبراطورية الشر”. ويعود هذا الفشل الذريع للقمة العربية الإسلامية الأمريكية لعدة أسباب منطقية وجيهة تجاهل حكام السعودية بعضها عند استقبالهم دونالد ترامب وقادة “العالم السني”.

أولا، لا يبدو أن الدول العربية والإسلامية قد هرعت إلى الرياض عن طيب خاطر وكانت مقتنعة بعقد هذه القمة أو بالنتائج التي ستتمخض عنها، سيما وأن البيان الختامي الصادر عن القمة تمت صياغته بعد مغادرة القادة العرب والمسلمين الأراضي السعودية وهو أمر مثير للاستغراب ومخالف لكل الأعراف والتقاليد السياسية والدبلوماسية. كما لم تقبل العديد من الدول المشاركة اعتبار حركتي “حماس” الفلسطينية و”حزب الله” اللبنانية حركات إرهابية وفق توصيف الرئيس ترامب.

ثانيا لا يبدو أن بعض القادة العرب والمسلمين قبلوا أن يكونوا شهود زور على نهب ممتلكات وثروات الشعب السعودي المنكوب بظروف اقتصادية عسيرة وإجراءات تقشفية صارمة، بتلك الطريقة المهينة والمخزية لفائدة رئيس أمريكي جاء إلى السعودية في أول زيارة رسمية له خارج بلاده بهدف أوحد هو ابتزازها والاستيلاء على أموالها مقابل حماية أمريكية مزعومة تكريسا للشعارات التي رفعها ترامب خلال حملته الانتخابية.

ثالثا، لم تستوعب المملكة العربية السعودية أيا من دروس وعبر الماضي القريب واعتبرت أن مجلس التعاون الخليجي، لمجرد أن المملكة بثقلها السكاني والاقتصادي والديني هي القوة المحورية في المجلس، ولمجرد أن القادة الخليجيين لبوا الدعوة دون تردد وحضروا إلى الرياض، فإن مجلس التعاون يصبح كتلة تابعة وخاضعة لأهواء السعودية ونزواتها وأن الدول الست ستسير في الاتجاه الذي ترسمه الرياض، واسألوا هنا سلطنة عمان ودولة الكويت عن مواقفهما من بعض السياسات السعودية!

رابعا، تجاهَل المسؤولون السعوديون أن هناك بين دول المجلس دولة صغيرة مشاكسة متعصبة لخصوصياتها ومتمسكة باستقلال قرارها الإقليمي، ترفض التبعية وليس من طبعها أن تنساق وراء أهواء “الشقيقة الكبرى” في فرض إرادتها من أجل مواجهة إيران التي تربطها بها علاقات عريقة ووثيقة لا يمكن أبدا أن تخاطر بها من أجل مغامرة سعودية غبية وغير محسوبة العواقب.

نعم، لم تحسب السعودية أي حساب لدولة قطر واعتبرت الرياض أن عودة الود والتنسيق إلى العلاقات مع الدوحة بعد جفاء طويل من شأنه ان يجعل قطر تفكر مرتين قبل الخروج عن “الإجماع” الخليجي المفروض ضد ايران، فدفعت ثمن ذلك فورا بأن فشلت القمة مع ترامب وذهب حلم “الحلف السني” إلى الجحيم.

ففور عودة أمير قطر من الرياض إلى الدوحة، نُسبت إليه تصريحات نارية ضد السياسات السعودية في مواجهة إيران. غير أن الدوحة أنكرت تلك التصريحات وقالت إن وكالة الأنباء القطرية التي نقلت كلام الأمير تميم بن حمد آل ثاني بمناسبة تخرج عدد من الضباط، تم اختراق موقعها على شبكة الأنترنت. لكن ذلك لم يمنع أن كلام الأمير، الحقيقي أو المفتعل، تسبب في اندلاع حرب شعواء سعودية قطرية عبر وسائل الإعلام.

وزاد الطين بلة أن هذه الحرب الإعلامية المتبادلة بين الرياض والدوحة، والتي انضمت إليها أبو ظبي والقاهرة إلى جانب السعودية لتصفية حسابات قديمة مع قطر، قد تزامنت مع حملة في العديد من وسائل الإعلام الأمريكية المرموقة ذهب بعضها إلى اتهام قطر بدعم الإسلاميين المتشددين في سوريا وليبيا وفلسطين، والوقوف مع جماعة الإخوان المسلمين سيما في مصر، والمساندة المطلقة لحركة حماس في غزة، والعمل ضد المصالح الأمريكية العليا في المنطقة، وذلك في وقت تحظى فيه قطر ونظامها بحماية أمريكية عبر قاعدتي “العيديد” و”السيلية” الأمريكيتين وإيواء القيادة المركزية للجيش الأمريكي.

وذهب بعض الكتاب ومنهم John Hanna الخبير الاستراتيجي والمستشار السابق في وزارتي الخارجية والدفاع إلى حد الدعوة في مجلة Foreign Policy إلى وضع قطر أمام مسؤولياتها تجاه الولايات المتحدة واختيار إما أن تكون مع “التحالف الدولي ضد الإرهاب” أو المخاطرة بسحب القاعدتين والقيادة المركزية إلى الإمارات أو إلى السعودية، والتلميح بأن الولايات المتحدة لن تتردد في العمل على إثارة الفتن داخل أسرة آل ثاني الحاكمة في قطر من أجل إسقاط نظام الحكم الحالي وتبديله بنظام أكثر ولاءً وطوعا للأهداف الأمريكية.

وبقطع النظر عن التناقضات التي تتسم بها السياسة الخارجية القطرية منذ سنوات، وهو أمر لا يُنكره حتى بعض المسؤولين القطريين إذ يعتبر بعضهم أن “إدارة التناقضات” ساهمت في أن تصيح قطر قوة إقليمية فاعلة، فإن النقطة الإيجابية الوحيدة في كل هذا اللغط هو أن الموقف القطري الرافض للهيمنة السعودية ولهذا الهوس السعودي ضد ايران، ساهم في رفع الغطاء عن عمق وقبح الجرح الخليجي الغائر في الجسم العربي المتحلل.

لقد بلغت الأمور في منطقتنا حدا من الانحطاط والخساسة لن يغفره لنا التاريخ، وبعض حكامنا اليوم لا يميزون بين الرذيلة والفضيلة وبين الخيانة والوفاء وبين البقاء والفناء. إنها تبعات ذلك “الربيع العربي” المشؤوم.

إعلامي تونسي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لقد بلغت الأمور في منطقتنا حدا من الانحطاط والخساسة لن يغفره لنا التاريخ، وبعض حكامنا اليوم لا يميزون بين الرذيلة والفضيلة وبين الخيانة والوفاء وبين البقاء والفناء. إنها تبعات ذلك “الربيع العربي” المشؤوم………… تسعون بالمئه من هذا الانحطاط والخذلان والذل والاحباط والخزي والعار الذي نعيشه نحن العرب من ” ال سعود ” لكن السياسه الاميركيه الجديده تسعى الى إفقارهم وحلبهم الى اخر قطره وهذا ما يتمناه الان كل عربي يملك الحد الأدنى من المروءة وعزة النفس …..باموالهم الزائله باْذن الله عاثوا فسادا بديننا وبتاريخنا وماضينا ومستقبلنا ………

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here