تحية تقدير وإجلال لـ”مهاتير” ولاخوف على ماليزيا بعده.. فقد علم الشعب إصطياد الفساد والمفسدين

 

 

د. طارق ليساوي

في مقال الأمس المعنون ب “مكافحة الفساد تحتاج للإرادة الصلبة ونظافة اليد، والتجربة الماليزية بعد 2018 خير مثال للشعوب العربية” قلنا بأن  يقظة الشعب الماليزي ووجود القيادة الحكيمة والنزيهة والواعية قادة إلى وضع حد لهذا الفيروس المدمر(الفساد)، وتم استصدار قوانين جديدة لمنع تكرار مثل هذه الممارسات مستقبلا، فمن المؤكد أن “مهاتير” يدرك قرب أجله وأنه لم يعد قادرا على تحمل أعباء الحكم، لكنه يعمل على وضع إطار مؤسسي قوي قادر على منع الفساد و الإثراء غير المشروع عبر تقوية جهاز الرقابة أي “لجنة مكافحة الفساد..إن أفضل إنجاز ل”مهاتير محمد” بعد عودته للسلطة مكرها وعلى مضض، هو نجاحه في التصدي للفساد الذي انتشر خلال حكم سلفه عبد الرزاق..”

وإلى حدود كتابة هذا المقال لم تتأكد بعد استقالة محمد مهاتير، لكن من المؤكد أن الرجل لايريد الاستمرار في السلطة بحكم تقدم السن فقد بلغ 94 عام، و أيضا عودته للسلطة كان لهدف محدد، و هو مواجهة انحرافات حكومة “نجيب عبد الرزاق “، فالشعب عندما رأى أن الفساد والسياسات الخاطئة تنهش البلد وتتجه بها نحو المجهول، استنجد ب”مهاتير”، والذي حكم البلاد 22 عاما حتى عام 2003، فأخرجه من تقاعده السياسي، فاستطاع أن يوحد المعارضة لمواجهة فساد رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق..

ولم يخيب رئيس الوزراء “مهاتير محمد”، ظن الشعب، وعقب تسلمه مهام منصبه بدأ  التحرك سريعا لاسترداد أموال منهوبة، جرى تحويلها إلى الخارج عبر عمليات غير مشروعة، وقام بحسم بغلق الحدود على المتورطين في قضايا فساد وحجز أموالهم السائلة والمنقولة وإحالتهم للمحاسبة، وخلال هذه الفترة القصيرة فتح الرجل أكثر الملفات فسادا، وهو الصندوق السيادي الماليزي الذي تقدر حجم الأموال المنهوبة منه بأكثر من 4.5 مليارات دولار، كما بدأ التحقيق مباشرة مع نجيب عبد الرزاق رئيس الوزراء السابق وزوجته وبعض أقاربه بتهم الفساد والتربح وتلقي رشى خارجية من بلدان خارجية..

وعودة  مهاتير للسلطة في عام 2018 كانت نتيجة لتحالف مع أطياف المعارضة و تشكيل “تحالف الأمل” مع خصمه السياسي أنور إبراهيم والانضمام إلى حزب “باكتان هاربان”، والهدف إسقاط ائتلاف تحالف “باريسان” الذي تهيمن عليه المنظمة الوطنية المتحدة للملايو والذي حكم ماليزيا 60 عاما، والتخلص من حكومة نجيب، التي تورطت في فضائح فساد…و كان الاتفاق المبدئي ان يقدم مهاتير استقالته في 2020 و يخلفه في السلطة أنور ، لكن التوتر تزايد بين الرجلين في ائتلافهما بعد امتناع مهاتير عن إعلان جدول زمني محدد للوفاء بوعده بتسليم السلطة لأنور..

لكن استقالة مهاتير لم تأتي في إطار الاتفاق الذي تم قبل انتخابات 2018، و إنما بعد إجراء محادثات مفاجئة في الأيام الماضية بين حزب مهاتير والمنظمة الوطنية المتحدة للملايو والحزب الإسلامي و محاولة الائتلاف الجديد، الحصول على دعم الملك الذي يلعب دورا شرفيا إلى حد كبير في ماليزيا..و الاتفاق الذي تم بين الائتلاف الصاعد ، هو  إستبعاد أنور إبراهيم من خلافة مهاتير على رأس الحكومة …وهو الأمر الذي قاد أنور يوم الأحد الماضي إلى اتهام  حزب مهاتير و”الخونة” في حزبه بالتآمر لتشكيل حكومة جديدة مع المنظمة الوطنية المتحدة للملايو وهي الحزب الحاكم السابق الذي أطيح به في 2018 وسط اتهامات بالفساد على نطاق واسع…

و التطورات السياسية الأخيرة في ماليزيا مفتوحة على إحتمالين:

الأول- استمرار “مهاتير” في السلطة لكن عبر ائتلاف حكومي جديد يستبعد أنور إبراهيم و حزبه دون الدعوة إلى انتخابات مبكرة و هذا التوجه سيكتب له النجاح في حالة قبول مهاتير بالبقاء على رأس الحكومة…

الثاني-  الدعوة الى انتخابات برلمانية مبكرة، خاصة و أن  قطاعات و اسعة من الشعب الماليزي، عبرت عن رفضها تشكيل حكومة جديدة دون انتخابات برلمانية ففي بيان صدر يوم الاثنين الماضي عبّر فيه مجموعة من الناشطين والأكاديميين عن رفضهم لتشكيل حكومة جديدة دون انتخابات ف الشعب “لن يقبل ولن يتعاون مع حكومة شكلت في الكواليس لتحقيق المآرب الأنانية لبعض النواب بغية حماية مصالحهم”…وفي كلا الحالتين لن يخرج مهاتير من المشهد السياسي مالم يستكمل ما بدأه بعد عودته للحكم في 2018..

 و لا ينبغي فهم موقف “مهاتير” هذا على أنه تمسك بالسلطة فقد تركها في 2003 ،و هو في أوج عطائه و لازال بمقدوره إدارة البلاد ، لكن فضل التقاعد و ترك منصب المسؤولية لقادة جدد و كي يبعد شبهة الحكم الديكتاتوري عنه و عن بلده، وأيضا لاينبغي أن يُفهم على أنه  انقلاب على الاتفاق الذي تم بينه و بين أنور، صحيح أن هناك خصومة سياسية بين أنور إبراهيم ومهاتير شغلت المشهد السياسي الماليزي لعقود…فقد كان مهاتير رئيس للوزراء منذ عام 1981 حتى 2003، وكان أنور نائبه لكن العلاقة بينهما توترت حين أُقْصِي أنور عام 1998 بعد خلاف على الزعامة، ثم حُكِم عليه بالسجن بتهم الفساد واللواط، ، واعتبرت التهم ذات دوافع سياسية في حينه، و على الرغم من ذلك فقد تعهد مهاتير، بتسليم السلطة لأنور إبراهيم، واستعداده فعل ذلك بعد انعقاد قمة (أبيك) للتعاون الاقتصادي لدول آسيا-المحيط الهادئ، التي تستضيفها ماليزيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2020…

فالظرف السياسي الذي تمر منه ماليزيا حاليا،و الثورة التي أحدثها الشعب الماليزي بوعيه و إدراكه بعد 2018، عندما دفع باتجاه انتقال ديموقراطي للسلطة و أعطى صوته للمعارضة ، لكن كان ذلك بدافع الثقة في باني الأمة الماليزية و أب الشعب الماليزي بكل أطيافه و أعني ” مهاتير”، ففي 2013 فشل تحالف أنور إبراهيم في إزاحة نجيب عبد الرزاق من السلطة، لكن عندما تحالف مع مهاتير نجح و تمكن من محاكمة رئيس الوزراء السابق في سابقة لم تحدث في تاريخ ماليزيا، و هو ما يعني أن التحدي الذي رفعه مهاتير و معه أغلبية الشعب هو محاربة الفساد و بناء دولة الحق  و سيادة القانون.. و بنظرنا ، قبول مهاتير بالعودة للسلطة كان من أجل تحصين البلاد مستقبلا من إنحرافات الساسة و السياسات..فالرجل ينظر لبلده على أنها أغلى من نفسه و فوق مصلحته الشخصية و السياسية.. و تجربته أكدت ذلك ،فلم أصادف مواطنا ماليزيا لا يحترم الرجل و يشهد بفضله و نزاهته و تواضعه و حبه لبلده و دينه..

فمهاتير يريد أن يعلم الماليزين “إصطياد السمك بأنفسهم بدل منحهم السمك جاهزا”، على حد تعبير الحكمة الصينية ، فهو عاد للسلطة لوضع آليات قانونية وتنفيذية تمكن الشعب من ممارسة رقابة شديدة على السلطة و المال العام و منع تكرار حالات الفساد التي تمت في عهد عبد الرزاق.. و ما من شك، أن هذه الإجراءات ستكون في صالح ماليزيا و تطورها و في صالح الأجيال القادمة ..فكما نجح الرجل في مواجهة الأزمة المالية لعام 1997 ووضع مجموعة من الضوابط و القيود التي تمنع حركة رؤوس الأموال الساخنة، باعتبارها السبب الرئيس في التأثير على السياسات المالية و النقدية وتخفيض قيمة العملة الوطنية والتأثير سلبا على جهود التنمية ، و أصبحت وصفته العلاجية لسنة 1997منهجا تتبعه مختلف البلدان لمواجهة الحالات المشابهة ، و رأينا كيف اقتبست أمريكا و أروبا سياساته لعام 1997 لمواجهة الازمة المالية للعام 2008..كذلك فإن مواجهته للفساد بعد 2018 أصبح منهجا يدرس في الجامعات ، و دول من مختلف العالم تحاول اقتباس تجربة ماليزيا لمواجهة فيروس الفساد..

و الأهم فإن الرجل بعد عودته للسلطة، حاول أن يجد حلولا لأمته الإسلامية ، فعمل على وضع أليات للتضامن الإسلامي  ومواجهة الوضع الاسلامي المتردي، فقد دافع عن القضية الفلسطينية وندد بالممارسات الصهيونية العدوانية ضد غزة و عبر أكثر من مرة عن رغبته في تشكيل قوة إسلامية رادعة ، و صرح جهارا بأنه ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، ورفض بشكل قاطع اعتراف الادارة الامريكية بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، كما  عبر عن رفضه لصفقة القرن، في الوقت الذي عبرت السعودية والامارات عن دعمها لسياسات ترامب، كما دعا إلى قمة  إسلامية مصغرة لتدارس هذه القضايا ووضع ألية إسلامية فعالة للاشتغال، و استبعاده لمجمل البلدان العربية، تعبير ضمني عن رفضه لسياسات أغلب  الأنظمة العربية و القائمة على قاعدة  الإفساد و الانبطاح و خيانة الثوابت الإسلامية و القومية…فتحية تقدير و إجلال لهذا الرجل الشهم، الذي نتمنى أن تنتشر عدواه بين مختلف أقطار العالم العربي و الاسلامي، و للأسف لا يمكن لأمثاله و هم كثر في عالمنا العربي و الإسلامي، أن يصلوا الى السلطة في ظل أنظمة استبدادية تعيق الابداع و تقيد حرية الرأي و تمنع أي إمكانية للتداول السلمي للسلطة..و الله غالب على أمره و لكن أكثر لناس لا يعلمون..

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. نفقد مثل المسؤول المذكور بأوطاننا العربية المستسلمة و المعتمدة كثيرا عن غيرهم ومن هم أعداء الأمة والدين الإسلامي الحنيف.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here