تحية الخطيب تحطم “زجاجة” روايتها لتنقذ بطلتها

بغداد – حمدي العطار

معرفتي بالشاعرة والكاتبة الطبيبة (تحية الخطيب) يعود الى 40 عاما،وكنا في البصرة نسمع بإنها شاعرة،ويبدو لي انها نقلت الشعر الى الرواية بدلا من ان تفعل العكس،في عنوان (عنق الزجاجة) كان لا بد من توضيح الجنس الادبي الذي سوف يكون اطارا لهذه السردية، لذلك الغلاف يحتوي على هذه العبارة “من مذكرات د. تحية الخطيب – طبيبة نسائية” وتعلن الطبيبة عن اهمية ما سوف تكتبه وتكشف عن نواياها بفكرة (طوباوية) حيث تعد ما تنشره – عنق الزجاجة بأنه (توثيق لوضع المرأة في هذه الحقبة من تاريخ العراق) وفي عنوان (طريف) تقودنا الكاتبة الى مفارقة حول اسمها وهويتها المهنية” فعند ولادتها كان قارئ القرآن يرتل (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) لذلك قال ابي: فلأسميها تحية كما يقول القارئ!ويبدو بإن الاسم لم يعجب صاحبته فبعضهم يناديها نجية او فتحية او تقية وقد يسمونني حياة،والايحاء لأسم الطبيبة في الرواية جاء من احدى مريضاتها حينما ارادت البحث عنها في المشفى قالت لهم :اريد د. سلام !والسلام يعطي نفس المعنى (تحية) اجبتها بفرح نعم وصرت اسمي نفسي (سلام)

*صوت السارد الواحد

اختارت الكاتبة ان تكون تلك السردية على لسان البطلة (جنان) وهي تمثل سيرة ذاتية لحياتها،وبذلك تضحي الكاتبة بجمالية تعدد الاصوات وتقاطعها وهي الكفيلة بكشف النقاب عن الواقع المأساوي الذي تمر به الشخصية المحورية،كما ان السردية امتازت بالافكار المباشرة واتخاذ التعليق على الموقف والحدث من وجهة نظر واحدة،ويبدو لي السرد سريعا على الرغم من تماسك اللغة وهيمنت الحس الشعري على الخطاب الروائي ،والكاتبة لا تنقصها الجراءة فهي تقدم لنا رؤيتها بكل صراحة لكي تجعل المتلقي يستوعب حجم المعاناة واحيانا استخدمت المكاشفة والتعرية ولا تلجأ الى التورية او الرمزية ،ففي وصف (عركة النسوان) التي “تنكشف شعورهن وتتعرى سيقانهن وقد تتمزق ملابسهن.وتتصاعد من أفواههن ومن المتفرجين كلمات بذيئة غاية في الابتكار!”… وفي وصف الحي الذي تعيش فيه (جنان) مع امها وخالها بعد اعدام والده كونه متخاذل في الحرب العراقية الايرانية “كان زقاقنا يسمى (شارع المليون نغل) – اي لقيط- لتكدس الاطفال فيه وزحمتهم “

*تداعيات الحروب

الكاتبة تدين الحرب وكذلك ترى ان الفقر والانحلال الاخلاقي والتخلف هي من نتائج هذه الحروب العبثية،فيقول الخال انور “نريد السلام للعراق،ولكل العالم . اللعنة على الحروب وعلى كل من يشعلها”

ليس من السهل ان نجعل شخصية جنان هي نقطة لمعاجات متنوعة في الرواية،ومنها ينطلق التقييم،فهي بعد علاقة مشبوهة مع خالها انور الذي كانا يبقيا معا عندما تذهب الام لتعمل خادمة في البيوت فهو كان يستغل بنت شقيقته جنسيا كان “يطعمني ويدرسني ويمازحني ويغسل ملابسي ويقبلني ويلامسني ” هذه العلاقة التي تتطور الى ممارسة الجنس لم تنتهي الا عندما ينتمي الخال وبنت اخته الى حركة يسارية ويكون عندهم الوعي ومعرفة الخطأ من الصح ،يعلنان معا التوبة ومن ثم الندم،،كان بودي ان تتوقف الكاتبة عند خلق الوعي السياسي لدى الشخصيات خاصة جنان وانور ولا تكتفي فقط بالتلميح الى قراءة الكتب الاشتراكية ،ان الكتابة الافقية لزمن الرواية الذي يمتد لعشرات السنين افقد السردية الكثير من التعمق في بناء الشخصيات!

*الموت عنصر مؤثر

لعبت مفردة الموت في حياة جنان دورا مؤثرا على الاحداث والمواقف وتحليل الحالة النفسية للبطلة خاصة عند ظهور د. سلام في حياتها والسعي للذهاب الى اهل والدها – الذين طردوها وهي صغيرة مع امها وخالها- ا،” كنت يتيمة، أعدم أبي وعمري خمس سنوات لهروبه من الحرب وسمي متخاذلا.ثم ماتت أمي خادمة البيوت في مستشفى حكومي وهي شابة. ماتت أمها جدتي ذليلة ومقهورة. محرومة منا وهي تخدم أبناء زوجها وامهم الاثيرة في القرية. واعتقلت السلطة الغاشمة خالي الوحيد المجهول مصيره”وقد اتضح انه قتل بالتيزاب!

الخاتمة

على الرغم من ملاحظاتنا حول عدم تحرر الكاتبة من الاساليب الانفعالية المبالغ فيها ،الا ان السردية تستحق القراءة لما تملكه الكاتبة من خزين اللغة الراقية في التعبير عن النفس البشرية وخاصة عن المرآة التي حطمت الكاتبة الزجاجة لتخلصها من (عنق الزجاجة)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here