تحقيق هل تصنع المسلسلات البوليسية مجرمين؟

من: دورين فيدلر ماينس – (د ب أ)-شاهدت مجموعة من الشبيبة فيلما للبطل السينمائي بود سبينسر ثم خرجت إلى الشارع وضربت رجلا حتى سقط على الأرض، مات الضحية.

خلع الشباب ملابسهم وأحرقوا الجثة لإخفاء آثارهم “لقد فكر الشباب في الطريقة التي سيتم الإمساك بهم من خلالها” حسبما تذكر عالم الاجتماع والاتصالات الألماني جو رايشهيرتس الذي أشار إلى أن المحققين واجهوا صعوبات في الكشف عن مرتكبي الجريمة وقال إنه لم تتم إدانة الشباب الأربعة إلا اعتمادا على أحد الاعترافات.

أوضح الألماني الذي بحث هذا الموضوع على مدى أربع سنوات أن هذه القضية مثال جيد على كيفية تأثير التغطية الإعلامية بشأن قضايا حقيقية أو وهمية على المجتمع وأضاف: “لقد تعامل هؤلاء الشبيبة بلا تردد، بشكل هائج ومرعب وغير عقلاني ، ورغم ذلك فقد لجأوا لعلم استقوه من مسلسلات تلفزيونية، علم حصلوا عليه عبر الإنترنت أو حكاه لهم شخص ما”.

قال الباحث الألماني إن هؤلاء الشباب كانوا يدركون أن الحمض النووي للضحية على ثيابهم يمكن أن يؤدي إلى إثبات التهمة ضدهم.

يطلق الباحثون المعنيون على تأثير المسلسلات التلفزيونية ذات المضمون البوليسي على سلوك المجرمين اسم “تأثير سي اس آي” حيث تركز المسلسلات التلفزيونية مثل مسلسل “سي اس آي: التحقيق في موقع الجريمة” على الأدلة المأخوذة من تشريح الجثة أكثر من التركيز على استجواب الشهود وأكثر من الاعتماد على موهبة المحققين في الربط بين الأحداث.

وحسب رايشهيرتس فإنه ليس من المهم كثيرا في ذلك ما إذا كان الشباب قد شاهدوا المسلسلات بأنفسهم “فمسلسل سي اس آي” يوفر للحوار المجتمعي مادة علمية منها على سبيل المثال أنه من الضروري ارتداء قفازات أثناء ارتكاب الجريمة”.

كما رأى أصحاب دراسة حديثة أنه لا توجد علاقة مباشرة بين مشاهدة المسلسلات التي تعتمد على تشريح الجثة والقدرة على إخفاء آثار الجريمة ؛ حيث أوعز باحثون تحت إشراف أندرياس بارانوفسكي بجامعة ماينس لمجموعة من المتطوعين خلال سلسلة من التجارب على سبيل المثال بسرقة جهاز كمبيوتر محمول ثم تنظيف مسرح الجريمة.

أراد الباحثون من خلال هذه التجربة معرفة ما إذا كان المتطوعون سيتركون بصمات أصابع أيديهم أو أرجلهم، وسيتركون كاميرا المراقبة تصورهم.

النتيجة: لم يكن هؤلاء المتطوعون المغرمون بمشاهدة المسلسلات البوليسية مجرمين ناجحين.

كما أنهم لم يحققوا نتائج جيدة في اختبار المعلومات.

ولكن كارينا ياسمين اِنجلرت التي تناولت في رسالة الدكتوراه الخاصة بها بجامعة ديوسبورج ايسن عامل سي اس آي قالت إن المسلسلات التلفزيونية توفر على كل حال تطلعات كبيرة بين السكان.

ففي حالات سرقة بسيطة مثل حالة سطو على قبو وسرقة مثقاب آلي منه نرى أن صاحب الآلة المسروقة ربما ألح على الشرطة لعمل تحاليل الحمض النووي وفحوص بأجهزة خاصة “مما يضطر رجال الشرطة للتأكيد مرارا على أنهم لا يستطيعون استخدام كل الطرق المتاحة” حسبما أوضحت انجلرت التي أصبحت تعمل لدى مديرية الشرطة بولاية هيسن وسط ألمانيا، مضيفة: “وسائل الإعلام والواقع، هناك فارق “.

ترصد انجلرت استراتيجيات مختلفة لدى المحققين في ألمانيا والولايات المتحدة التي صور فيها مسلسل سي اس آي “حيث تعرض في الولايات المتحدة اليوم تقنيات جديدة تماما لم تنضج بعد وذلك لردع من تحدثه نفسه بارتكاب جريمة ولإيصال رسالة مفادها: سنجدكم في كل الأحوال”.

أما في ألمانيا فإن الشرطة تحاول عدم الكشف عن كل ما في جعبتها في وسائل الإعلام وذلك لكي تظل متفوقة على المجرمين.

كانت نسبة الكشف عن جرائم المال مثل القتل والاغتيال 90% عام 1990 ثم تراوحت بين 95 و 96% العام الماضي وهو ما أشار إليه باحثو جامعة ماينس تحت إشراف بارانوفسكي قائلين إن ذلك يدل على أن خبراء علم التشريح قد طوروا وسائل جديدة أو حسنوا الوسائل الحالية.

تشير بريتا بانينبرج، الباحثة في علم الجريمة، إلى أن بعض البرامج تعرض طرقا غير ممكنة إطلاقا حيث لا يمكن على سبيل المثال أن تتسبب شعرة تم العثور عليها في مكان الجريمة في التوصل خلال جزء من الثانية لسن المجرم وجنسه وأسلوب غذائه.

قالت بانينبرج: “ما نراه في هذه البرامج هو الحصول على أشياء جزافية من آثار دقيقة، كل هذا سخف”.

ورأت بانينبرج أن محترفي الجريمة والجناة الذين يرتكبون أكثر من جريمة يعرفون بدقة كيفية التعامل مع الجريمة وأن أفراد العصابات يتبادلون معلوماتهم وتجاربهم فيما بينهم ويتعلمون من بعضهم البعض ولا يحتاجون مسلسلات تلفزيونية من أجل ذلك.

ولكن وسائل الإعلام العامة تصل عددا أكبر بكثير من الناس مقارنة بقصص الجناة بين بعضهم البعض “فهل تصل النصائح الإجرامية بذلك لعدد أكبر ممن يمكن أن يسلك طريق الجريمة؟، الإجابة: نعم، هذه النصائح ربما حفزت شخصا أو آخر على ارتكاب الجريمة” حسب بانينبرج.

لم تعد الباحثة الألمانية في علم الجريمة ترى أن المشكلة تكمن في أن وسائل إعلامية توفر نصائح خاصة بطرق إخفاء آثار الجريمة “حيث إن المشكلة الحقيقية هنا موجودة على مستوى آخر: التغطية الإعلامية تحفز أشخاصا يميلون بالفعل لارتكاب الجريمة.. فهناك إرهابيون على سبيل المثال قد قرروا القتل ولكنهم يعرفون من خلال التغطية الإعلامية كيف يستطيعون إلحاق أكبر قدر ممكن من الأضرار”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here