تحقيق: كيف يمكن للدول الديمقراطية الانتصار في معارك “المنطقة الرمادية”؟

 واشنطن – (د ب أ) – بين الحرب والسلام هناك منطقة غامضة تختلف فيها المفاهيم وتختلط القواعد، وباتت تعرف بـ “المنطقة الرمادية” وتمثلها الأنشطة التي تقوم بها دولة ما وتضر بدولة أخرى وتعتبر ظاهريا أعمال حرب ، ولكنها من الناحية القانونية ليست أعمالا حربية.

وتناول تقرير  نشره معهد جيتستون الأمريكي للكولونيل ريتشارد كيمب القائد العسكري البريطاني السابق، سلوك الدول الديمقراطية فيما يتعلق بالعمليات التي تقوم بها الدول السلطوية والمنظمات الإرهابية في المنطقة الرمادية، وكيف يمكن أن تزاجهها الديمقراطيات.

وقال كيمب الذي عمل رئيسا لفريق مكافحة الإرهاب الدولي في مكتب مجلس الوزراء البريطاني، إنه في شهر نيسان/أبريل الجاري، أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن توجيهاته الاستراتيجية المؤقتة للأمن القومي. وعبر المحيط الأطلسي، قدم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون المراجعة المتكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية إلى البرلمان. وأعرب القائدان عن قلقهما إزاء التحديات المتزايدة في المنطقة الرمادية ووعدا بإجراءات للاستجابة بشكل أكثر فعالية.

وأوضح التقرير أن المنطقة الرمادية هي المسافة الواقعة بين السلام والحرب والتي تنطوي على أعمال قسرية تقع خارج المنافسة الجيوسياسية العادية بين الدول ولكنها لا تصل إلى مستوى الصراع المسلح. ويتم تنفيذ الأعمال في المنطقة الرمادية من قبل الدول في كثير من الأحيان باستخدام وكلاء بما في ذلك الإرهابيين، وكذلك من قبل المنظمات الإرهابية في حد ذاتها.وغالبا ما تكون إجراءات المنطقة الرمادية عدوانية غامضة ويمكن إنكارها ومبهمة. وهي تهدف إلى إلحاق الضرر أو الإكراه أو التأثير أو زعزعة استقرار الدول المستهدفة أو تقويض الوضع الدولي الراهن. وعادة ما تسعى إلى تجنب رد عسكري كبير، على الرغم من أنها غالبا ما تكون مصممة لترهيب وردع دولة مستهدفة من خلال التهديد بمزيد من التصعيد.

وأضاف كيمب أن إجراءات المنطقة الرمادية ليست جديدة وهي الشكل السائد للصراع في جميع أنحاء العالم. ولكن كما تدرك كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، تعمل العولمة والتكنولوجيا على زيادة وتيرة وفعالية مثل هذه الأنشطة، والسرعة التي تتكشف بها. وينخرط المزيد من الجهات الفاعلة، باستخدام وسائل قوية بشكل متزايد “للحرب الرمادية”، بما في ذلك المجال السيبراني والفضاء والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والدعاية الرقمية والطائرات المسيّرة.

 ويمكن أن تشمل أساليب المنطقة الرمادية الهجمات الإرهابية، والاغتيال، والابتزاز، واحتجاز الرهائن، والتجسس، والتخريب مثل تمويل الجماعات السياسية والتلاعب بها في بلد مستهدف، والهجمات الإلكترونية،  والحرب السياسية بما في ذلك الحرب القانونية، والتضليل والدعاية والتأثير الانتخابي، و الإكراه الاقتصادي. وهي تنطوي في بعض الأحيان على ترهيب عسكري وعمليات عسكرية تقليدية وغير تقليدية.

وتشمل الأمثلة محاولة اغتيال روسيا لأحد مواطنيها بغاز الأعصاب عام 2018 في المملكة المتحدة، وضم شبه جزيرة القرم والجهود المبذولة للتأثير على الانتخابات البرلمانية الأوروبية وتكتيكات وأعمال التعدي الصينية حول الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي والشرقي، فضلا عن العدوان العسكري على الهند في منطقة لاداخ والضغط الشديد على هونج كونج والهجمات الإرهابية المتكررة الإيرانية بالوكالة في الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية والولايات المتحدة وأوروبا وأماكن أخرى، والاستيلاء على الشحن الدولي والهجوم عليه، والهجمات الصاروخية بالوكالة ضد المنشآت الأمريكية في العراق.

ولدى الدول الغربية خيارات استباقية وتفاعلية عديدة للرد على إجراءات المنطقة الرمادية الموجهة ضدها أو ضد حلفائها، والتي تنطوي بصورة أكثر فعالية على تنسيق متعدد الأطراف. ويجب أن يكون الهدف هو الإحباط أو الردع، وتجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى صراع شامل. وبشكل عام، تنقسم الخيارات إلى أربع فئات: الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية.

 وإلى جانب الاستعراض الرمزي للقوة مثل نشر قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليتوانيا ضد العدوان الروسي، ودوريات المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات البريطانية الخاصة بحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، تشمل فئة الردود العسكرية القتال التقليدي المحدود، والعمليات السرية، والهجمات الإلكترونية والتجسس. ويمكن أن يكون لكل من هذه العناصر أهمية حيوية في مواجهة إجراءات المنطقة الرمادية ولكنها مصحوبة بمخاطر سياسية كبيرة.

ومن الأمثلة الحديثة البارزة الضربة الصاروخية الأمريكية في عام 2020 ضد قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، وهو نفسه من الشخصيات البارزة في المنطقة الرمادية، والذي شارك – من بين أنشطة خبيثة أخرى – لسنوات عديدة في تنظيم هجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها. وكان مقتل سليماني خارج حدود العمليات الأمريكية في المنطقة الرمادية وأدانه في ذلك الوقت الرئيس الحالي بايدن الذي شبهه بـ “إلقاء قطعة من الديناميت في صندوق بارود”، وتوقع “صراعا كبيرا في جميع أنحاء الشرق الأوسط”.

ويمثل خوف الدول الديمقراطية من التصعيد قيدا كبيرا أمام استخدام الخيارات العسكرية العنيفة في المنطقة الرمادية، وهذا ما تستغله بالضبط الدول الاستبدادية مثل إيران. وطالما كان الرد محسوبا بعناية، من غير المرجح حدوث تصعيد يصل إلى ذلك النوع من الاشتعال الذي حذر منه الرئيس بايدن. وفي الواقع، تتمثل نقطة عمليات المنطقة الرمادية في تجنب التصعيد إلى صراع شامل مع الولايات المتحدة وحلفائها.

ويرى كيمب أنه يجب أن تنفذ جميع العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الغربية وفقا للقانون المحلي والدولي، بما في ذلك في المنطقة الرمادية، مع تحديد واضح من قبل الحكومات بشأن ما إذا كان سير الأعمال العسكرية أو معايير إنفاذ القانون تنطبق في عمليات محددة. غير أن الالتزام بالقانون ليس ضمانة بأن العمل الذي يكشف عنه لن يكون ضارا سياسيا، خاصة إذا حدث خطأ، وهو أمر يمثل دائما مخاطرة كبيرة. والأمر معقد بسبب الحاجة في بعض الظروف إلى تبني نهج غير مباشر – القيام بعمل عسكري في المنطقة الرمادية ضد خصم في دولة مختلفة وضد قضية مختلفة عن تلك التي دفعت إليه.

 وإذا كانت المخاطر السياسية عالية جدا، فهل من الضروري الرد بالمثل على العمل العسكري في المنطقة الرمادية؟. تقول المراجعة المتكاملة لبريطانيا: “سنسعى إلى ردع الدول عن القيام بأعمال عدوانية، من خلال احتمالية تعرضها للعقاب، ومن خلال كشف هذه الاعمال والاعلان عن القائم بها والرد وفقا لذلك”.

ولا يعني الردع الخيار العسكري وحده. فكلما كان ممكنا ، يفضل اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية في إنزال العقوبات. لكن في بعض الأحيان يكون من الضروري الرد بالمثل، ويجب أيضا أن يواجه خصوم المنطقة الرمادية المستعدين لاستخدام العمل العسكري خطرا عسكريا حقيقيا.

ويتساءل كيمب: ما هو مدى ثقتنا في أن الديمقراطيات الليبرالية تعني العمل في المنطقة الرمادية؟. عندما تعرضت القوات البريطانية (وكذلك الأمريكية) للقتل والتشويه بأعداد كبيرة في العراق على يد وكلاء إيران الذين يستخدمون الذخائر الإيرانية منذ أكثر من عقد من الزمان، لم تفكر حكومة المملكة المتحدة حتى في أي شكل من أشكال العمل العسكري بالمنطقة الرمادية، حتى غير الفتاك، ضد إيران، على الرغم من القدرة الواضحة على القيام بذلك.

 وبدلا من ذلك، اعتمدت على المساعي الدبلوماسية، واستمرت عمليات القتل. ولا تزال عواقب هذا الضعف تتجلى في عدوان المنطقة الرمادية المستمر والواسع النطاق من جانب إيران. وإذا كان خوف القادة السياسيين من التصعيد والتداعيات السياسية في ذلك الوقت – في مواجهة قتل قواتهم – قد تسبب في هذا الشلل، فما مدى احتمال أن يفكروا بجدية في عمليات المنطقة الرمادية العنيفة اليوم، خاصة إذا لم تكن المخاطر عالية بدرجة كبيرة؟.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here