تحقيق: كاردينال إيطالي يتبنى مفهوم “الرأسمالية باسم الرب” ويتجه إلى الفئات المهمشة بالمجتمع

روما- (د ب ا) – يتذكر الكثيرون في ألمانيا قصة الأسقف الكاثوليكي “عاشق الأبهة”، الذي أنفق 31 مليون يورو (5ر33 مليون دولار) على تجديد مقر إقامته، بما فيها إقامة حوض للسباحة تكلف 15 ألف يورو.

واستقال الأسقف ويدعى فرانز بيتر تيبارتز فان إلست من منصبه عام 2014، كأسقف لمدينة ليمبورج الكائنة شمالي فرانكفورت، وكانت هذه الحماقات التي ارتكبها لا تتناسب مع الرؤية التي أعلنها البابا فرنسيس وتتمثل في ضرورة وجود “كنيسة فقيرة من أجل الفقراء”.

وفي مدينة بولونيا الكائنة في الشمال الإيطالي، يقود الكاردينال ماتيو زوبي عملية مختلفة تماما عن الأسقف المستقيل، على الرغم من أنه يترأس واحدة من أغنى الإبراشيات في إيطاليا.

وقال الكاردينال زوبي الذي يبلغ من العمر 64 عاما في لقاء مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.ا)، “يجب أن تكون حذرا وحصيفا للغاية عند إنفاق المال، وأن تضع أهدافا محددة وقيودا، ذلك لأن قدرة المال على الإفساد هائلة”.

وتمتلك الكنيسة الكاثوليكية في بولونيا ثروة كبيرة، لأنها في عام 2012 ورثت السيطرة على شركة “فاك”، وهي شركة متعددة الجنسية مقرها بولونيا تشتهر بصناعة الحواجز والبوابات التي تدار إليكترونيا.

وازدهرت أنشطة الشركة تحت رعاية الكنيسة ولكن مع مراعاة قيود أخلاقية صارمة، بحيث لا يمكن استخدام أرباحها إلا في مجال البحث العلمي والتطوير، وتقديم الرعاية الاجتماعية للعمال، أو منحها للكنيسة لإنفاقها في الأغراض الخيرية.

وأطلقت وسائل الإعلام الإيطالية على هذه الممارسات وصف “الرأسمالية باسم الرب”.

وخلال الأعوام ما بين 2012 إلى 2018 زادت إيرادات شركة “فاك” بأكثر من 50%، لتصل إلى 430 مليون يورو، كما تضاعف عدد العاملين ليصل إلى نحو ثلاثة آلاف، كما قفز مؤشر أداء الشركة من 48 مليون يورو إلى 80 مليونا.

وتعد “فاك” إحدى الشركات القليلة في إيطاليا التي ظلت تمارس نشاطها، خلال جائحة فيروس كورونا المستجد الحالية، على الرغم من أنها تعمل بما نسبته 30% فقط من طاقتها.

وقال رئيسها أندريا موسشيتي لـــ (د.ب.ا) إنه تم إعفاء الشركة من حالة إغلاق الأنشطة الإقتصادية في عموم إيطاليا، نظرا لأنها تزود المستشفيات ومتاجر السوبر ماركت بالأبواب والحواجز التي يتم تشغيلها إليكترونيا، إلى جانب قطع الغيار اللازمة وخدمات الصيانة.

وتضاعفت قيمة الحصص التي تقدمها الشركة للكنيسة الكاثوليكية، من خمسة ملايين يورو عام 2015 إلى عشرة ملايين يورو في عامي 2019 و 2020، غير أنه من المتوقع أن تتراجع قيمة الحصة العام المقبل بسبب الأزمة الصحية الحالية.

ويتم توزيع العائدات على الأغراض الخيرية، مثل مساعدة الأسر المحتاجة وتعليم الأطفال وبرامج محلية لمساندة الساعين للحصول على وظائف، وأيضا الإنفاق على مشروعات بوسع أي فرد أن يقترحها على الإبراشية حيث تم اختيار 32 مشروعا العام الماضي.

ومن بين المشروعات المنفذة مشروع لإتاحة المأوى للأشخاص الذين لا يجدون مكانا للإقامة بعد الطلاق، أو بعد التعرض بشكل فجائي لحالة من الفقر، بينما ساعدت مشروعات أخرى مساجين وعاملين في صناعة الفخار والزجاج، وساعد أحد المشروعات في حفر بئر في دولة بوركينا فاسو.

ويدير شركة “فاك” ثلاثة أمناء من بينهم موسشيتي الذي يصر على أن ملكية الكنيسة للشركة، والقيود النسبية على أعمالها لا تعوق نجاح أنشطتها التجارية. ويقول “إنني أتحدث مع الكاردينال من آن لآخر، وهو لا يتدخل في مسائل الإدارة، ولكنه مهتم بكيفية سير الأنشطة التجارية للشركة”.

ويعد زوبي من أبناء روما حيث تكشف لهجته الملحوظة عن جذوره التي تنتمي للمدينة، كما ينتمي إلى حركة “سانت إيجيدو” الكاثوليكية التقدمية والمعنية بتقديم الخدمات الاجتماعية، ويماثل البابا فرنسيس كثيرا في أنه يعرف بلقب “قس الشارع” كناية عن تواضعه وارتباطه بالشرائح الفقيرة في المجتمع.

وثمة وجه آخر للشبه مع البابا فرنسيس وهو أنه يتجنب البروتوكول ومظاهر الأبهة، وهو معروف بمجرد اسم “الأب ماتيو” وغالبا ما يتجول في أنحاء مدينة بولونيا راكبا دراجة، واعتاد أن يقيم داخل بيت للاعتكاف مخصص للقساوسة

ويتحدث البابا فرنسيس مرارا عن ضرورة أن تكون “الكنيسة منفتحة”، وبحيث لا تركز كثيرا على إنفاذ تعاليم العقيدة بل على أن تصل إلى الفئات المهمشة والفقيرة والتي تعاني من الوحدة

وينتمي زوبي إلى نفس الاتجاه، ويقول إنه يجب على جميع المسيحيين وليس القساوسة فقط أن “يتجهوا إلى الفئات التي تعيش على هامش المجتمع ويتواصلوا معها”.

ولا يتمتع كل من زوبي وفرنسيس بالشعبية لدى التيار المحافظ، وفي تشرين أول/أكتوبر الماضي أثار الكاردينال زوبي زوبعة، عندما سمح بتقديم فطيرة تورتيليني خالية من لحم الخنزير، أثناء الاحتفال بعيد القديس الراعي لمدينة بولونيا.

واعتبر أنصار التيار اليميني أن تقديم الفطيرة بالدجاج المتماشية مع التعاليم الإسلامية، يمثل نوعا من الخيانة للمطبخ البولوني، ونوعا من الاستسلام المخزي من جانب الكنيسة لوجهة النظر السياسية لتيار اليسار

وأعرب زوبي للمرة الأولى خلال المقابلة الصحفية عن مشاعر الضيق عندما أثير ذلك الاتهام من جانب اليمينيين، ونفي ما يشاع عنه بأنه “القس الأحمر” في إشارة إلى اليسار، وقال “ليست لدي اتجاهات حزبية، والكنيسة ليست حزبية، ولم تكن كذلك في يوم من الأيام”.

وبالنسبة لواقعة الفطيرة قال “إنها كانت تعبيرا عن التعقل التام، ووفقا لمعلوماتي ثبت أن فطيرة الدجاج أصبحت أكثر انتشارا من فطيرة الخنزير، وأضاف ضاحكا “أعتقد أن السبب في ذلك أنها كانت مبتكرة”.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. فليتعلموا شيوخ الصف الأول في وطننا العربي من هذه المسيره الطيبيه ‘لل كاردينال زوبي’ والتي تركز على الاهتمام بالشرائح المجتمعيه الفقيرة.
    بدلا من تزلفهم المعتاد للأغنياء وأصحاب النفوذ والسلطة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here