تحقيق الحرب على الغاز.. هل تزال أمريكا قادرة على وقف مشروع نورد ستريم 2؟

 

 

واشنطن ـ من كان ميري و أندرياس هونيج و أولف ماودر:

 

 

قلما اتفق الجمهوريون بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الديمقراطيين المعارضين بشأن إحدى القضايا.

ولكن هناك حاليا توافق واسع بين الحزبين والرئيس أيضا في قضية بعينها، ألا وهي رفض إنشاء خط غاز نورد ستريم 2 عبر بحر البلطيق، والذي ينتظر أن يتم من خلاله نقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، متجنبا أوكرانيا، بمجرد الانتهاء من المشروع أواخر العام الجاري.

تهدد الولايات المتحدة منذ فترة بفرض عقوبات بسبب هذا الخط، وازداد احتمال فرض هذه العقوبات الآن.

وافقت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكية بأغلبية كاسحة، الأسبوع الماضي، على مسودة قانون لفرض عقوبات، حيث نالت هذه المسودة القبول لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ومن المنتظر الآن أن يصوت مجلسا الشيوخ والنواب على المسودة، ولكن البرلمان في عطلته الصيفية حاليا.

يحتاج مشروع القانون لتوقيع ترامب ليصبح ساريا.

إذا كان التصويت داخل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يعكس نسبة الأغلبية في أمريكا إجمالا فمن المتوقع أن تكون هناك فرص جيدة لتمرير المسودة، حيث صوت 20 عضوا بمجلس الشيوخ لصالح المسودة ورفضها عضوان فقط.

كان السناتور الجمهوري تيد كروز والسناتورة الديمقراطية جان شاهين، هما من تقدما باقتراح القانون، حيث قال كروز: “أطالب زملائي في مجلس الشيوخ وبشكل ملح بالمسارعة في اعتماد قانوننا والعمل على وقف مشروع نورد ستريم 2”.

وترى شاهين في خط الغاز “وسيلة أخرى توسع بها روسيا تأثيرها الضار، من خلال استغلال اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية”.

ترفض السياسة الروسية الاعتراض الأمريكي على إنشاء الخط، كما ترفض في الوقت ذاته اعتراض بعض دول الاتحاد الأوروبي مثل بولندا، واعتراض دول البلطيق، معتبرة هذا الاعتراض محاولات واضحة لإجبار أوروبا على شراء الغاز الأمريكي المسال و الغاز الذي تستخرجه الولايات المتحدة بطريقة التصديع الهيدروليكي، بأسعار مرتفعة، بسبب المسافات الطويلة التي سيقطعها هذا الغاز.

وترى روسيا أن سياسة العقوبات التي تنتهجها الولايات المتحدة لا تخدم سوى مصالحها الاقتصادية وتركيع روسيا.

وتنفي روسيا استخدام سلطة الغاز كوسيلة ضغط.

ولكن السناتور كروز يؤكد أنه لا يرى أن العقوبات المنتظرة موجهة ضد حلفاء للولايات المتحدة، بل على العكس من ذلك. يحمل مشروع القانون العنوان المريب: “قانون حماية أمن الطاقة الأوروبي”.

تعتبر السناتورة شاهين مسودة القانون “ردا من مجلس الشيوخ على أصحاب التحفظات الأمنية المشروعة في أوروبا، ومن بينهم كثيرون في ألمانيا يتعرضون للتجاهل”.

تمتلك شركة جازبروم الروسية العملاقة، من الناحية الشكلية، جميع أسهم شركة نورد ستريم 2 المساهمة، ولكن هناك شركات ألمانية أيضا مشاركة في خط الغاز، من بينها شركة فينتر شال، والتي تفضل عدم التحدث كثيرا عن التفاصيل، “حيث إننا نرفض مبدئيا التكهن بشأن أي عقوبات محتملة، أو أي آثار يمكن أن تترتب على هذه العقوبات”، حسب متحدث باسم الشركة.

كما التزمت شركة نورد ستريم 2 هي الأخرى التحفظ في تصريحاتها، حيث اكتفى متحدث باسم الشركة بالقول معلقا على مشروع القانون الأمريكي: “نراقب الخطوات التشريعية في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ومبادرات قانونية سابقة، ونقيم هذه الخطوات والمبادرات، ولكن لا يمكننا التعليق عليها”، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن شركات طاقة من أوروبا الغربية، من النمسا وألمانيا وفرنسا وهولندا، تشارك في المشروع بنحو مليار يورو لكل منها.

تهدف العقوبات بشكل خاص على مشغلي السفن التي تمد أنابيب الغاز في بحر البلطيق، وهما في الوقت الحالي شركة سويسرية وشركة إيطالية، حيث من الممكن أن تقوم الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بحظر مديري هاتين الشركتين وكبار المسؤولين بهما من دخول أراضيها، وتجميد أي أرصدة محتملة لهم في أمريكا.

ومن الممكن استبعاد الشركات ذات الصلة بخط نورد ستريم 2، من أسواق المال الأمريكية، تماما.

إذا حدث ذلك فستتضرر شركات أخرى تؤمن على السفن العاملة في المشروع. لا تمتلك روسيا مثل هذه السفن ذات التقنية الفائقة، المشاركة حاليا في مد أنابيب خط نورد ستريم 2، حيث إن عددا محدودا جدا من الشركات ذات المستوى العالي هي التي تمتلك هذه التقنية.

ربما كانت العقوبات الأمريكية المنتظرة ذات طبيعة جراحية، ومع ذلك فإن هذه العقوبات كفيلة بالإضرار بالعقوبات الأمريكية الألمانية، المتضررة بالفعل.

دأبت الحكومة الألمانية على الدفاع عن خط غاز نورد ستريم 2، بل إن معارضين للخط في ألمانيا يرفضون تدخل أمريكا في هذا الشأن، حيث قال أوميد نوريبور، خبير حزب الخضر في الشؤون الخارجية، في تصريح لصحيفة “هاندلز بلات” الألمانية، إنه على الرغم من أن حزبه يعتبر مشروع نورد ستريم 2 خطأ، إلا أنه من غير المقبول أن تتجاهل الولايات المتحدة “سيادة دول أخرى، مثل ألمانيا” حرصا منها على مصالحها الاقتصادية.

لا يرى الخبراء المعنيون إمكانية الحيلولة دون إتمام خط نورد ستريم 2، حيث حذر اوجن رومر، من مركز أبحاث كارنيجي اندومنت للسلام الدولي، في تصريح نشره موقع “بوليتيكو” الإخباري، من أن مشروع القانون “لن يغير شركة جازبروم ولا حلفاءها الألمان أو الأوروبيين، ولن يغير مناكفات الكرملين، ولن يوقف إنشاء خط الغاز الذي يتوفر له التمويل المالي الضروري، وانتهى العمل في أكثر من ثلثيه”.

تتابع روسيا هي الأخرى بهدوء واضح النقاش بشأن نورد ستريم 2، حيث تنشر شركة جازبروم، التي تحتكر الغاز الروسي، بشكل منتظم أخبارا تهلل للإنجازات التي تتم يوما بعد يوم في إنشاء الخط العملاق. وذكرت الشركة مؤخرا أنه تم إنجاز أكثر من 1700 كيلومتر من خط الأنابيب، أو ما يعادل 70% من الخط المزدوج. وليس هناك من يحاول أن يقنع روسيا بشكل جاد أنه من الممكن أن تغرق كل هذه المليارات في بحر البلطيق بسبب العقوبات الأمريكية.

ولكن الحقيقة هي أن ألمانيا ستحتاج المزيد من الغاز خلال السنوات المقبلة، وذلك بسبب عزم ألمانيا التخلي عن الطاقة النووية بحلول عام 2022، وعزمها الاستغناء تماما عن الكهرباء المولدة باستخدام الفحم في موقع أقصاه عام .2038

من جانبه يؤكد شارلي ريدل، المدير التنفيذي لمركز (CLNG) الأمريكي للغاز المسال، والذي يدعم تصدير هذا الغاز، تزايد الطلب على الغاز، وقال إن ألمانيا مثال جيد على أن سوق الطاقة يمر بمرحلة تحول.

وتوقع ريدل أن تحتاج ألمانيا مستقبلا لكل من الغاز الذي سيصلها عبر خط الأنابيب القادم من روسيا، والغاز المسال. (د ب ا)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here