تحديات التغيير في الجزائر

 

د. لبنى شطاب

عاد الجزائريون إلى الساحة السياسية واقعيا و افتراضيا بعد اعتزالها لسنوات طويلة عبر انتفاضة سلمية فجرها رفض ترشح الرئيس السابق  عبد العزيز بوتفليقة للإنتخابات الرئاسية، و استمر حراك الشارع لأسابيع و لايزال، ارتفع خلالها سقف مطالبه ولكن هدفه الرئيسي  يبقى التغيير.

لقد كشف لنا الحراك و تفاعلاته المختلفة، عن عدد من التحديات التي ستواجه الجزائر في مراحلها المقبلة، حيث يمكن تسجيل الملاحظات الأولية التالية التي يمكن البناء عليها في استشراف بعض هذه التحديات:

أولا : جدل الهوية يعود من جديد:

 إن الحديث حول الهوية في الجزائر لا ينتهي أبدا و تزداد شدته بشكل واضح أوقات الأزمات، و نظرا لحساسية الموضوع فإنه يعتبر أحد الطابوهات التي يصعب تناولها.  فالبعض ينفي تماما وجود ” مسألة  الهوية”، و يعتبر طرحها في حد ذاته مثيرا للنعرات القومية و لجدال يضر و لا ينفع، لذلك سيكون تجنبها هو الأفضل. أما البعض الآخر فيرى الهروب إلى الأمام ليس حلا، و أن المسألة ملحة و لا يمكن تجاهلها.

لقد كشف الحراك الشعبي في بعض مظاهره عن هذه القضية، و فجر نقاشات مجتمعية عميقة عبر صفحات الفيس بوك  و غيرها من الوسائط.

من الافكار التي  طرحت فكرة الإنتقال إلى جمهورية ثانية ، و فهم لدى الكثيرين أن المراد منها هو بناء دولة علمانية  لائكية، و هي مفاهيم سيئة السمعة لدى الكثير من الجزائريين، حيث تعني لهم الإنسلاخ عن الهوية  العربية الإسلامية، و يعتقد أن من يقف وراءها هو التيار الفرنكفوني ، وقد تم تصنيف الداعين إليها على أساس قومي أيضا.

في مقابل ذلك طرحت فكرة التمسك بدولة مبنية على مبادئ نوفمبرية، تلك المبادئ التي جمعت الجزائريين في ثورتهم، و كانت بوصلتهم التي حمت وحدة  صفهم رغم اختلافاتهم  في مواجهة استعمار مارس أبشع أشكال الفرقة و التقسيم  ولكنه  لم ينجح  في ذلك، و كللت الثورة باستقلال الجزائر واحدة موحدة.

إن مفهوم الهوية  في الجزائر يثير العديد من الأسئلة من قبيل : هل الهوية في الجزائر قائمة على التنوع و التعدد ؟ أم أنها هوية الأغلبية العددية؟ أم هوية الأقلية المؤثرة ؟ أم أنها هوية السكان الأصليين لشمال أفريقيا دون غيرهم؟ وهل الهوية الإسلامية هي البوتقة التي تذوب فيها كافة الهويات الثقافية و الإجتماعية كما يعتقد؟ أم أنها ليست كذلك، فالإنتماء الديني لا يذيب أبدا الإنتماءات القومية الفرعية؟

يبدو أن بروز مسألة الدين و اللغة و الهوية  قد تجاوزت كونها مسألة تاريخية  ثقافية ، بل ستكون من أهم الإشكاليات و التحديات السياسية المقبلة، فالصراع البارد في هذه المرحلة التاريخية الصعبة بين مختلف القوى الليبرالية و اليسارية والقومية و غيرها، يوحي بأن الهوية الجزائرية الجامعة ستتآكل لسمح الله، ليس لأنها في جوهرها كذلك، ولكن لأنها أصبحت موضوعا للصراع عندما تم إصباغها  إيديولوجيا ، مما قد يعني أن أدلجة الهوية الجزائرية قد يعني أيضا أدلجة الدولة الجزائرية وهنا مكمن الخطر.

إن أخطر الصراعات في المرحلة االمقبلة هو الصراع على الدولة من خلال محاولات صياغتها وفقا لرؤى و توجهات سياسوية إيديولوجية تتصارع على الهوية، و التي يتم الحشد و التعبئة لها على أساس الإنتماء القومي لا سيما أثناء الإنتخابات الرئاسية أو البرلمانية المقبلة ، وهذا الصراع إن لم يهدأ و يتعقل سيؤدي إلى تشظي الحد الأدنى من الترابط الوطني.

ثانيا : موقع المؤسسة العسكرية مستقبلا

على الرغم من الدور الوطني الذي لعبته المؤسسة العسكرية و لا تزال خلال هذه الأزمة التي تمر بها الجزائر، و التطمينات التي تضمنتها بياناتها طوال الحراك، و وعدها بحمايته وتلبية مطالبه و مرافقة عملية التغيير، إلا أن دورها في المرحلة المقبلة بلا شك سيكون مطروحا بقوة، فهل ستحتفظ المؤسسة العسكرية بنفس موقعها أم ستعيد النظر فيه بعد تحقيق الإستقرار السياسي المنشود ؟ وهل سنشهد تغييرا نوعيا في  طبيعة العلاقة ما بين العسكري و المدني  في النظام السياسي الجديد؟ خصوصا و أنها علاقة إشكالية منذ تأسيس الدولة الجزائرية بعد الاستقلال إلى يومنا هذا.

بلا شك ستتضح معالم حدود الدور المستقبلي للمؤسسة العسكرية عندما يصاغ دستور جديد للبلاد، و لدينا الكثير من التجارب التي نجحت في ضبط العلاقة بين المؤسسة العسكرية و باقي المؤسسات الدستورية بعد عمليات تغيير و انتقال طالت هذه الدول، و يمكن دراستها و الإستفادة منها ، ويمكن الإشارة هنا إلى التجربة التركية أو التجربة الأندونيسية على سبيل المثال.

يبقى المؤشر المطمئن باعتقادنا هو تمسك الجيش بالدستور رغم مساوئه، و هي نقطة قد يختلف غيرنا معنا عليها، لأن الدستور الحالي لا يحل الأزمة القائمة في بعض أبعادها، و هو أمر صحيح، و لكنه ليس من صلاحيات الجيش أيضا تقديم الحلول السياسية و إلا انغمس فيها ، و هي نقطة يجب تفهمها من الطبقة السياسية ، حتى تبادر و تطرح حلولا واقعية تأخذ بعين الإعتبار عامل الوقت وحساسية الظرف الذي تمر به الجزائر و تساهم في حل الأزمة و ليس في تعقيدها .

ثالثا : رفع سقف المطالب و مآلاته الواقعية

إن لحظات الشعور بالإنتصار و القوة عادة ما يرتفع معها سقف التوقعات ، كتوقع تحقيق مطلب التغيير و الإنتقال الديمقراطي بشكل سريع.

وهنا علينا الإنتباه إلى أن المبالغة في ذلك قد تسوقنا إلى نوع من الوهم ، الذي سيصطدم بواقع الثقافة السياسية والموروثات الثقافية  و التعقيدات الإدارية و الممارسات البيروقراطية ، و الإقتصاد المتأزم، و هي كلها عوامل جوهرية في أي عملية تغيير حقيقي، ونعلم جميعا أنها من العوامل المثبطة للتغيير في الجزائر و سنكون بحاجة الى وقت طويل لتهيئتها لهذه العملية.

إن إمكانية التغيير السريع للواقع السياسي و القانونى والأخلاقى و الإقتصادي لا يحدث بين ليلة و ضحاها، بل يتطلب صياغة توقعاتنا بشكل واقعي و موضوعي، حتى لا يصيبنا الإحباط الجماعي فيشلنا عن فعل التغيير للواقع المعقد مستقبلا.

فليس لدى النظام ولا المعارضة عصا موسى لمعالجة اختلالات عميقة في الدولة الجزائرية استوطنت فيها لعقود, كما أن التغيير السلس المنشود لن يكون إلا عبر مسار طويل و شاق وبكل تأكيد سيمر بمطبات و مراحل عديدة، و يجب التأسيس له عبر مشاركة الجميع سلطة و معارضة و ناشطين و مثقفين وعلماء و غيرهم.

رابعا : محاسبة الفاسدين امام القضاء الوطني :

بلغ الفساد في الجزائر مراتب متقدمة على المستوى العالمي ، و كان من بين أهم أسباب الهبة الشعبية،  فلا يعقل أن يعيش شعب بلد غني كالجزائر مثل شعوب الدول الفقيرة المتخلفة التي لا تملك من الثروات شيئا.

لقد كانت المطالبة برحيل الفاسدين و الناهبين للمال العام و محاسبتهم هي أول الشعارات المرفوعة و أهم الهتافات التي دوت الحناجر. تزامن ذلك مع بروز الكثير من الشهادات التي طالت الكثير من السياسيين ورجال الأعمال المقربين من السلطة ، و هنا تجب محاسبتهم أمام العدالة ككل الدول الديمقراطية التي تحترم مؤسساتها القضائية، لأن المحاكمات الإعلامية و الشعبية وفقا لمنطق الأهواء يضر صورة الدولة الجزائرية و مؤسساتها الرسمية أمام العالم، و على كل من يمتلك أدلة على فساد هؤلاء و غيرهم أن يقدمها للقضاء حتى يخضع المتهمون لمحاكمات رسمية عادلة، و على الجهات القضائية المختصة تحريك الدعاوي بسرعة ضد المشتبه بهم، و الإستجابة لمطلب الشعب و الجيش معا، الأخير الذي وصفهم بالعصابة التي نهبت المال العام، مما سيعيد للجزائريين الأمل في بناء اقتصاد جديد مبني على تكافؤ الفرص بين الجميع، و مما سيردع كل من له النية في النهب اعتقادا أن لا حسيب و لارقيب عليه.

لكن  وجب الانتباه إلى أننا مقبلون على أزمة  اقتصادية حقيقية حسب الخبراء، وسنكون بحاجة لبناء الثقة بين رجال الأعمال والمواطنين ، فوضعهم جميعا في سلة واحدة و الخلط  بينهم سينعكس سلبا على مناخ الإستثمار والإقتصاد الوطني عموما، لذلك وجب التمييز بين العناصر الفاسدة منهم و بين أولئك الذين لديهم إلتزام  قانوني و أخلاقي في أنشطتهم.

إعلامية و باحثة في العلوم السياسية.

Print Friendly, PDF & Email

16 تعليقات

  1. ابراهيمي

    لا يجب ان تقرا كلمة وتحكم عليها خارج سياقها. أنا لا استعمل مطلقاً عبارة أصل السكان، كلمة أصل التي اقحمتها في تعقيبك لم أقلها ولا استخدمها مطلقا في ما اكتب ولي كتب منشورة ومعروفة ومتداولة.وانا متخصص فيما اكتب واعرف ما اقول ولا تعتقد اني من العوام..لكن في المقابل استعمل عبارة قدماء السكان وهذا وفقاً لما هو مسجل في كتب التاريخ..انا لم اتعرض في تعليقي لأماكن هجرات قدماء سكان شمال أفريقيا،
    فهذا ليس من اختصاصي..أنا اتكلم عن الهوية في العالم المعاصر، عن الدولة، عن النظم السياسية…وأرى ان الهوية هي حاصل تفاعل الإنسان مع بيئته يعني تفاعل عناصر اللغة والدين والتاريخ والثقافة التي تستعملها الجماعات المتساكنة في رقعة جغرافية محددة هي الوطن…ومن محصلة التفاعل التاريخي الطويل نسبيا تبرز هوية تلك الجماعات. .هنا انا لا اقر بالعرقية وحدها كعامل تتشكل منه الهوية المعاصرة لكن ربما كان هذا الأمر مقبولا في العصور الوسطى…وعليه انا لم اتكلم عن اصل الأمازيغ ولا عن اماكن هجراتهم ولا عن جرمانيتهم او يمنيتهم، هذا ليس موضوع نقاشي لأنه مجال المؤرخين وانا لست مؤرخا ولا مختصا في الانتروبولوجيا…..

  2. Taboukar

    انا لا اتقن فن الرقص، لا أمارس سياسة النعامة ولا ادفن رأسي في الرمال…فلا أمارس الخداع بوصفي متخصصا في العلوم السياسية وليس في فن التنجيم..
    مشكل الجزائر الحقيقي منذ الثلاثينات هو مشكل الهوية…وهذه للأسف تركة استعمارية فرنسية..لكن لا حل لهذا المشكل إلا بضرورة الاعتراف بان العرب هم جزء اصيل من سكان الجزائر، ليسوا دخلاء وليسوا مستعمرين وليسوا مجرد أقلية ذابت ولم يعد لها وجود..بالأمس فقط صرحت المسماة حنون بأن الجزائريين هم أمازيغ ولا علاقة لهم بالعرب والعروبة، هذا الطرح العرقي المعادي لكل ما هو عربي لا فرق بينه وبين رؤية الصهاينة للوجود العربي في فلسطين. بالمقابل يجب الإقرار ، وحتى اليوم، بأن أقدم من عرف من السكان في الجزائر هم البربر او كما يقال اليوم الأمازيغ. ونكون بهذا التصور قد التزمنا بالرأي الذي يقول به الدكتور عميمور والذي يرتكز على البعد التاريخي الأمازيغي والانتماء الحضاري العربي الإسلامي. ..لما نكتف بفكرة الانتماء فقط يعني ذلك أننا لا نركز بالنسبة للعروبة على الجانب العرقي ولكن نكتفي بالجانب اللغوي والثقافي استناداً للمفهوم الإسلامي الذي يقر بأن العروبة باللسان.

  3. الى السيد مراد تحية واحتراماً : تقول ان الامازيغ (اصل السكان )،لكن في التاريخ يجب تقديم الدليل الحقيقي الثابت مثل نقش او مخطوطة ، فأين هو دليلك ؟ هل تعلم أن رسوم الحيوانات في كهوف الهقار في طاسيلي في الصحراء الجزائرية هي صورة طبق الاصل عن نقوش لحيوانات في كهوف الهجار ( ج=ق= غ =G) في مديرية جيشان في سفح جبل النابرة في محافظة أبين في اليمن ، لاحظ انها تحمل نفس الاسم ( هقار = هجار ) فهل هذا صدفة ؟ سبحان الله . من جهة ثانية فإن من بحثوا عن الآثار هم علماء غربيون ليس بينهم جزائري واحد ، وكانوا يزورونها في القراءة او في الترجمة او يزيدون مفردات من عندهم او يقرأون كلمات متآكلة بعض الحروف حسب رغباتهم ، وهذه الرغبات تتجسد في جعل اصل الامازيغ بعيداً عن المشرق العربي . كذلك : كيف يكونون اصل السكان ولغتهم وحروفهم يمنيةمثلما ذكرت في تعليقي السابق ، مع تشابه العادات والعمران والفنون ؟ هذا القول الذي تعتقده من اقوال المستعمرين ، ارجع الى الكتابين اللذين ذكرتهما فهما موجودان على الشبكة . وإلى الاخ فاتح الذي يعتبر الامازيغ من الجنس الآري الوندال : هؤلاء كانوا محتلين كغيرهم من المحتلين في العالم والذين يختفون في وقت ما ، يطول او يقصر . فأين الرومان .؟ وأين العثمانيين والفرنسيين ؟ ووجود كلمات وندالية في اللهجة الامازيغية لا يعني ان الامازيغ اصبحوا وندالاً وإلا لقلنا اليوم إن الامازيغ فرنسيون لكثرة المفردات الفرنسية في الكلام الامازيغي والجزائري عامة . آمل ان تعيدوا النظر في تاريخكم في الجزائر الجديدة .

  4. ادا كثر الجواب فقد الصواب .
    الداب راكب موﻻه .
    هده البداية و مازال مازال .

  5. دون تحيز او تاجيج هل لو ارادت الدكتورة نشر هذا الراي والتحليل في جرائد المفرنسين ستعرف القبول بالنشر عسى ان تكون مساهمة وخدمة للشعب والوطن ابدا ،فالى اليوم لا يمكن للروسي ان ان يسمح له الكتابة في التايم او النيويورك تايمز،والعكس لا يمكن لغربي ان تقبل طروحاته بالبرافدا، لكن غرابة الوضع بالوطن اليوم ان صار عندنا دولتي او مجتمعي الشرق والغرب ،مع الاشارة الى ان عقدة الاقلية بلاء للامم ،فكيف تصبح الاقلية ساحقة للاغلبية المسحوقة ،التفاصيل متوفرة بالمعاينة والمعايشة وغيرها

  6. السلام عليكم”” الهوية 1 /البربر هم من الشعوب الجرمانية الوندان النصارى الموحدين لله قاتلوا ضد الرمان الكثوليك مند سنة 450 بعد الميلاد و من ثم هربوا الي الشمال الافريقي عند الدوناتين النصارى الموحدين
    2 /الامزغ من المشعوب الافريقية و الفنيقية منهم الموحدين لله عز وجل ومنهم الوثنين ومنهم النصارى و اليهود الدوناتين
    3 /العرب المسلمين الفاتحين
    الخلاصة هي الصراع بين الايمان والشرك او الكفر ولكنه يتلون بالقومية او الثقافة في بعض الاحيان ولكن النتيجة هي واحدة دائما

  7. ____ الهوية و ما الهوية ؟ و الكلام الفارغات فرغا و نهجا و منهجا .. إنما دولة القانون ستنهي الجدل .. حرية الإختلاف و الحجة بالحجة و الفاصل القاضي .. صندوق الإنتخاب .. إنتهى العزف يا راقص .

  8. بالنسبه لمشكل الهوية حقيقة يعتبر مشكلا جوهريا في الجزائر ان لم يكن هو آب المشاكل وأمها….نحن نعاني من هذا المشكل منذ ثلاثينات القرن الماضي ومن يقرأ كتابات رائد الإصلاح الشيخ بن باديس يحس بذلك. لكن المشكل اصبح حقيقة ملموسة بعد 1949…وتوارى نوعا ما خلال الثورة التحريرية لكنه ظهر فجأة مع بدايات الاستقلال..واستمر بصورة عنيفة في بعض الأحيان….البربر او الأمازيغ كما يقال حاليا هم قدماء السكان ، هذا أمر ليس محل نقاش، لكن ما يجب عدم نفيه هو أن جماعات بشرية التحقت بهم واندمجت معهم ضمن فضاء شمال افريقيا…فقد التحق بهم الكنعانيون او الفينيقيون وتوالى بعدهم الرومان والوندال رفقة قبائل السواف ثم جاء الروم او البيزنطيين وتم تحرير المنطقة من وجودهم من طرف المسلمين. وضمن حركية الإسلام تواجد العرب في شمال أفريقيا. وجاء بعدهم الأتراك العثمانيون والاندلسيون. ومع الوجود الفرنسي ظهر الأوروبيون وهذا فضلا عن الزنوج المتواجدين اصلا بحكم الجغرافيا. ..تعاقب هذه الجماعات البشرية لا يعني ان الجزائر هي مجتمع مشكل من فسيفساء، لا ابدا فقد تكون تجانس عظيم بين مختلف هذه الجماعات البشرية والتي تولد عنها الجزائري المعاصر ، فقد انصهر الجميع ضمن الانتماء الحضاري العربي الإسلامي وهو انتماء يغلب عليه الطابع الثقافي الحضاري ولا علاقة له بالنزعة العرقية. لكن في بعض مناطق الجزائر حافظ السكان على الطابع البربري كما هو الشأن في منطقة التوارق و الشاوية والميزابيين وقبائل زواوة..لما نتكلم عن طابع نقصد غلبة الجانب الثقافي وليس العرقي. وهذا أمر عادي تماما لكن تم تضخيمة لحاحة لا مصلحة للجزائر فيها. وهنا مربط الفرس…الهوية في جوهرها هي حاصل تفاعل الإنسان مع بيئته ضمن محددات الجغرافيا وأحداث التاريخ. يعني ذلك ان الهوية هي محصلة تفاعل الاتسان واللغة والدين والثقافة في كيان سياسي هو الدولة. فهي ليست عرقا متميزا غيره، ولا تفتصر على اللغة وحدها ولا تقوم على دين بذاته الا في إسرائيل…تضخيم عنصر من هذه العناصر على حساب العناصر الأخرى هو الذي ولد مشكلة الهوية في الجزائر.

  9. الدكتورة لبنى جملة الصورة وتصوير الحراك ، ولكن ما يتعلق بالهوية ،فإن فرنسا هي المشكلة : لقد زورت التاريخ الجزائري الذي كتبه مؤرخون فرنسيون ضباط في الجيش الفرنسي ، يتبعون ويتقاضون رواتبهم من وزارة المستعمرات وليس من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، فجاءت كتاباتهم لتصب في خلق التفرقة بين مكونات الشعب الجزائري وخاصة عرب وامازيغ ، فراحت تقوي النعرات العصبية بين الطرفين معتمدة على عملائها وأذنابها ، واهتمت بإحياء اللهجة الامازيغية ، وجعلت للامازيغ اصولا بعيدة عن العرب والبلاد العربية ، فمن من الامازيغ يعرف أن لهجتهم هي لهجة قبائل في محافظة ظفار التابعة لسلطنة عُمان حالياً ولليمن سابقاً . كما أن الحروف الامازيغية ( خط التيفيناغ) هو نفس حروف ظفار ، انظر كتاب : عبد الله بن سعيدالدارودي : حول عروبة البربر . وهو من مدينة صلاة في نفس المحافظة ، من يعرف من الامازيغ أن حرف الزين الذي يضعونه على العلم الامازيغي هو حرف يمني موجود على نقش يمني قديم ، انظر : علي احمد الشحري : كتاب لغة عاد . ص 100 ، 102 . كما أن قبائلهم الرئيسية : كتامة وصنهاجة وزناتة ( زنيت) موجودة في اليمن . إذن الامازيغ يجهلون حقيقة تاريخهم ويعرفون التاريخ الذي لقنتهم إياه فرنسا التاريخ المزور .

  10. من الأسباب الجوهرية التي دفعت بالكثير من الجزائريين إلى رفض فكرة الجمهورية الثانية ، وأنا واحد من هؤلاء الجزائريين، ليس الخوف من العلمانية واللائكية ، فالكل يعلم أن تلك مجرد شعارات يستوي إزاءها من يرفعها ومن يعارضها ، إنما السبب الذي جعلني، وجعل الكثيرين نرفض فكرة الجمهورية الثانية ، هو أن البعض من المتمترسين وراء الأسوار الإيديولوجية ، كانوا يريدون إستغلال فكرة الجمهورية الثانية لتمرير طرحهم الشاذ والغريب حول ” الفيدرالية “، ولنفس الأسباب أرفض ويرفض الكثيرون فكرة الذهاب إلى “جمعية تأسيسية ” لأن المتمترسين خلف أسوار الإيديوجيا غير الوطنية ، يريدون إستغلال فرصة الجمعية التأسيسية للإنقلاب على مبادئ الدولة الوطنية…..مقالك دكتورة مهم وجدير بالقراءة كنت أتمنى لو أنك خصصت محورا تحدثت فيه عن ضرورة وأهمية الفضاء المغاربي والوحدة المغاربية للوصول إلى حلول خلاقة لمختلف المسائل والمشاكل التي تعاني منها الجزائر وسائر الدول المغاربية……

  11. مصيبتنا الكرى يا سيدتي في هؤلاء الذين كلما سنحت فرصة تغيير الى الامام اعادونا الى الوراء … انت من ومن دواعي موضوعيتك لم تتطرقي لهم الا بالاشارة وانا اقول لك هم دعاة الجهوية الذين تركبهم متلازمة مرض الدين واللغة هم اصحاب الفتنة وهم القبائل وفئة تريدنا ان نكتشف السلام على طريقتهم هؤلاء هم سبب كل فشل

  12. ____ مقال موضوعي ينقل واقع الحراك الدائر . كلنا مع التغيير على قاعدة محصنة ضد كل التجاوزات و الإخلالات و الإنزلاقات . لكن من المؤكد أن الإنطلاق في مرحلة جديدة مغايرة لا يعني العودة إلى الصفر.. و كأن الجزائر ( تأسست ) غدا .. !
    لنبني على الإيجابيات و لا نكران و لا جحود . الأزمة أزمة فساد و قد تفرع . من الجائر التعميم ، لأن فيه ( تبرءة ) لايهما نهب أكثر ؟ و هي نية خبيثة و هروب من المسؤولية .
    موضوع ( الهوية ) من مخلفات ’’ لالجيري _ فرانسيز ’’ المفروض إنتهينا منه و إلى الأبد .
    نعم للتحدي في الإطار البناء و الصحيح و لا لشعارات لا يعرف حمّاليها / منين جات ؟ .. و لوين رايحة ؟!

  13. طرح متوازن حكيم، ينبع عن قراءة هادئة ومتعمقة للأمور،مستدهي بمنهجية علمية ، ومعطيات الثقافة والتاريخ والتغيرات المتسارعة، و كذا عن خبرة إعلامية . نأمل التكثيف من هذه التحليلات والقراءات ، من الدكتورة والأقلام الرصينة المستقلة إلا عن الحقائق، والهدف االنبيل، وهو الخروج من عنق الزجاجة الآخذ في الضيق، بأسلس وأحكم ما يمكن، خاصة والمرحلة تتناوشها سيوف بتارة لا ترحم.
    كما نأمل ان يتزامن الطرح الحكيم من الدكتورة ، وكل النزهاء المخلصين، في نشر المقالات والاعمدة في الصحف العربية المستقلة عن قوى المصالح المقاولة للقوى الكبرى المتربصة بخيرات البلد والأمة ( كما رأينا في صحف ومنابر إعلامية عربية مشهورة ، تلك التي استمرأ تمهامها القذرة بالبالتجييش والتهويل والافتراء، وتأجيج النار) . وفي الآن ذاته الحضور القوي في الممساحات الإعلامية بمثل هذه الطروحات، مرافقة للجمهور؛ وترشيدا لحركته، الطموحة نحو التغيير، من جهة، ومدافعة ما تعج به الساحة الإعلامية من هزال ووساوسات ووقاحات -أكرمكم الله – بل وتجاوزات اخلاقية، من المفروض ان يقع أصحابها تحت طائلة القانون .
    ومهمة جليلة أخرى تنتظر أصحاب البصيرة والفطنة أصحاب الأقلام النظيفة الوطنية، هي الكشف عن المغرضين الذين يوظفون مشروعاتهم الضيقة (عرقيا وثقافيا)والمترصين بهوية الجزائريين المترسخة عبر التاريخ، وفي مقدمتها (الإسلام والعربية) ؛ لأنهما المستهدفان -كما يعرف الجميع – من قبل تلك الأقليات الفكرية والعنصرية والأيديولجية. أما الأمازيغية ، فهي عندهم غطاء وذريعة، وعند عموم الشعب، عنصر الشعب الأصلي في الجزائر ، الذي التحم مع العنصر العربي الفاتح باسم الإسلام، وامتزجا في أفضل الصور، حتى ليعبر هنا في الجزائر عن المسلم بالعربي، والآمازيغي، كالعربي حين يتحدث عن مآسى الأمة العربية ( العراق وفلسطين مثلا) يقول ( نحن العرب). هذه التركيبة المتنوعة التي لطالما أثرت الحضارة في الجزائر كسائر بلاد المغرب العربي. ولم تُعرف هذه النزعات العنصرية إلا مع الاستعمار، المستفيد الأول من جهود قطعانه، خريجي الاكديمية البربرية في فرنسا .
    وفقك الله دكتورة، ووفق المخلصين ذوي البصيرة لما فيه خير البلاد والعباد ، خاصة في هذه المرحلة العصيبة .

  14. كلام سليم وتحليل معقول ، وعدم الانسياق وراء الهتافات الشعبوية وإدراك عكيق لدور الجيش
    برافو دكتورة لبنى

  15. شكراً لك سيدتي على هذه المشاركة القيمة حول الحراك الشعبي الجاري في الجزائر. ..ولعل ما يمكن تثمينه هو واقعية التحليل والدعوة لمواقف مسؤولة وتقديم حلول توافقية للخروج من الأزمة الراهنة

  16. الحل في نظري تاسيس مجلس انتقالي سريعا ووثيقة شرف يوقعها كل جنرالات الجيش ان يواكبوا الشعب للانتقال الى جمهورية مدنية ديمقراطية. ثم تحرير عهد الاستقلال الثاني يوقعه كل رموز الشعب في تياراته المختلفة يكون العهد بمثابة ديباجة تاسبسية لدستور جديد. الهوية لا يجب ان تحمل نزعة عرقية او ايديولوجية. ولكم ان تقتدوا بدستور الولايات المتحدة في هذا الصدد. من يلعب على الهوية في اتجاه عرقي او ديني انما اعداء الجزائر عسى ان بحولوها الى ما وقع في سوريا واليمن وليبيا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here