تامر حجازي : عن رِوايَة ‏فردقان ليوسف زيدان هل يجوز تحويِل الرِّوايَة الى مِقصلة لِذِبْحِ المُخالِفين؟

تامر حجازي

… أوقفتِني هذِه الرِّوايَة في مُفترق عِدّة طُرُق مُحيّرة مُلتبِسة ‎..‎

… هل هي رِوايَة رائِعة أم مُجرّد سيرة ذاتيّة لِلشّيْخ الرّئيس ؟‏

… هل هي أفكار اِبن سيِنا أم هو اِنعِكاسُها في مِرآة الأُستاذ ‏؟ ‏

… نفس السُّؤال السّابِق ولكِن عن الشّخصيّات التّاريخيةّ والأحداث ‏ في الرِّوايَة هل هي كما حدّثت حقّا أم هي فرِز ‏ واِنتِقاء يوسف زيْدان لمَا ‏ يُنَاسِب مكنون نَفَسِهِ مِن التّفسيرات ‏ المُختلِف عليها ‏‏؟

… وأخيرا السُّؤال الّذي طالما حيّرني مع الأستاذ وغيْره، هل ‏ يجوز أنّ ‏ نُحوِّل الرِّوايَة الى مِقصلة لِذِبْحِ المُخالِفين، وساحة ‏ لِرجمِهم قبل صلبِهم ‏ بِأقلامِنا، وحسب أيديولوجيّتِنا المُسبقة؟ إنْ كان ذلِك كذلِك فهل ‏ يجوز لِلكاتِب أن يحِزن عندما ‏ يقرأُها القارِئ ويَنقُدُها النّاقِد تبِعا ‏ لِأفكارِهُم وأيدولوجيتيهم ‏ الخاصّة ‎؟

… وهل يجوز في الأصل الحُكم على الشّخصيّات التّاريخيّة خارِج ‏ سياق ‏ عَصْرهمْ فنحاسبهم بِمُقتضيات ثقافة ما بعد الحداثة؟ ‏

… أُحاوِل أن أُجيب على تِلك الأسئِلة معكُم في الأسطُر القادِمة ‏ علَّنا نعرف أكثر عن ذلك العالم الروائي المعقد. ‏‏

…. في البِدايَة أُعلِن أنّ ظُهور يوسف زيْدان في السّاحة الأدبية ‏ مع ‏ اِنطِلاق رِوايَتِه عزازيل كان بِمثابة نقلة نوْعيّة في الرِّوايَة ‏ العربيّة ‏ الى آفاق أعمُق وأَرحَب وإلى عوالم خصِبة قلّما ‏ يطرُقُها أحدٌ غيْره. ‏‏

… لكِن ومِن يوْمِها لم يُنتِج الأُستاذ رِوايَة لها مِثل تِلك الكاريزما ‏‏ السّاحِقة، وكُنت أنتظر ذلِك مع الإعلان عن رِوايَتِه “فردقان” ‏‏ فسارعت الى اِقتِنائِها وحُضور حفل اِنطِلاقِها الرّاقي جِدّا الّذي ‏‏ أقامته دار الشُّروق في مكتبة القاهِرة الكُبرى بِحيّ الزّمالِك ‏ الّذي لا ‏ يقِلّ رُقيّا. ‏‏

… ولكِنّني فوجِئت أننا أمام سيرة ذاتيّة لابِن سيِنا خاليَة مِن ‏ مُقوِّمات ‏ الرِّوايَة الّتي أنتظرهُا مِن كاتِب مُخضرم اُقُر له ‏ بالأستاذية،

… تِلك ‏ السّيرة الّتي كاد يغلِب عليها الملل الى حدّ ما، ‏ لوْلا أنّ طعمها موّلانا بِعلاّقات ‏ اِبن سيِنا الخياليّة (سندُسّ، ‏ روان، ماهتاب)، ولوْلا تِلك المباحِث الفلسفيّة ‏ الّتي أحُبّ ‏ الغوْص فيها، ولو أنّها في كثير مِن الأماكِن جاءتني ‏ بلسان ‏ الأُستاذ الكاتِب نفسُه لا لِسان الشّخصيّات. ‏

… أمّا عن بِنيَة الرِّوايَة نفسها فجاءت مُفكّكة ولكِنّه ليْس ذلِك ‏ التّفكيك المُخِلّ، بل جعلها في مرتبة وسط بيْن الأدب التّقليدي ‏ وأدب تيّار الوَعي الذّاتيّ…‏ لكِنّها جاءت تفتقِد لِعُنصُر التّشويق ‏ الرِّوائيّ لاسيّما مع كشف ‏ الأُستاذ لِلكثير مِن الأحداث قبل أوانِها ‏‎. ‎ 

… والطّابع السّردي ‏ البطيء الّذي يعتمد في تحريكِه على (الفلاش ‏ باك) لِأفكار ‏ اِبن سيِنا داخِل محبسِه المُرفّه في قلعة فردقان، ومِن ‏ خِلال ‏ علاقتُه بِالمُزدوِج آمِر القلعة، وهو شخصيّة خياليّة وظيفتها خلق ‏‏ أحِداث حقيقيّة داخِل سرد السُّيرّة الذّاتيّة -المنقول مُعظّمُها ‏ مِن كِتابات اِبن سيِنا وتلميذه “أبو عبيد الجوزاني” -مِثله مِثل شخصيات الزُّعاق ونِساء اِبن ‏ سينا الخياليات ‏. ‏‎‎‏‏

أمّا عن الشّخصيّات النِّسائيّة الثُّلاث …

… فكانت (روان) هي المِحوَر ‏ النّفسيّ ‏ لابِن سيِنا والّتي أَضْفت عليه طابع إنساني أخرجه مِن ‏ سطحيّة ‏ الشّخصيّة التّاريخيّة وسيرتها المُسترسِلة، ومِن خِلالها ‏ وصف ‏ الأُستاذ حياة اِبن سيِنا الشّخصيّة ومشاعِره ومعيشته ‏ ومجالِس عِلمِه الخاصّة ‏ داخِل دارِه، وضَياعُه بعد فقدِها، ‏‎‎ فخلقت حياة حقيقيّة داخل الرِّوايَة وكانت عمودُها ‏ الفقريّ، ‏‎‎ وكان غيابُها في نظر الأُستاذ تبريرا لما قيل عن اِبن سيِنا ‏ مِن ‏ ولّعه بِالنِّساء وإفراطه في الجِماع بحثا عن السّلوَى بعد ‏‏ اِختِطافُها ‏‎.

‎‎‎… بيْنما جاءت (سندُسّ) العشيقة الأوْلى لِلمُساعَدَة في سرد ‏ حياتُه ‏ الأوْلى وإشراق نجمِه، ونشأة أُسطورتِه، ‎‎ لكِنّ الأُستاذ لم ‏ يُضيع ‏ الفُرصة لِإدخال تِلك التّصرُّفات الجِنسيّة الشّاذّة كالجِنس ‏ الثُّلاثيّ ‏ مِثلا وباقي التّصرُّفات -بِمِثل ما فعلّ موّلانا في عزازيل ‏ مِن قبل-‏ وله مُطلق الحُرّيّة بِالتّأكيد وان كُنت أجِدها مُقحمة ‏‏… رُبّما لِتفسير اِمتِناع اِبن ‏ سيِنا عن النِّساء الى أنّ قابَل رَوان ‏ لِإغراء القارِئ بِالاِستِمرار. ورُبّما لِأسباب تسويقيّة بحَْتة. ‏‏

… أمّا ماهتاب تِلك النّجمة، فجاءت المُرادِف الإسلاميّ ل (هيبا)‏ عزازيل، الّتي ‏ يبدوا أنّها تسيْطُر على عقل المُؤلِّف الى الأن، ‏ وجاءت لِإخراج الجانِب ‏ الفلسفيّ المُناهِض لِلعقائِد السّائِدة في ‏ مُحيطُه الزّمني لا سيما بعد ‏ أنّ جعلها الأُستاذ هي المقصود ‏ والمُخاطِب بِالصُّحبة في مُقدّمة ‏ كِتاب حيّ بن يقظان … «فإنّ ‏ إصرارُكُم معشر صَحبي، على ‏ اِقتِصاص قِصّة الرّجُل ‏‏ المُسمّى ” حيّ ” هزم لجاجى وإصراري ‏ على الاِمتِناع» …

… وجاءَت علاّقة الحُبّ والجِنس بيْنهُما، كسيمفونية ‏ أجاد ‏ الأُستاذ عزفُها بِحرفيّة ‎.‎ تكفيه تِلك الجُملة الّتي حُفِظتِها مِن طول ‏‏ تكرارُها طربا … (فما هام وهوَى. إلّا الّذي اِلتَذَّ حين اِكتوَى)… وغيْرها ‏‎‎ مِن وصف لِتُطوِّر العلاّقة , وشقاوَة المراودة , وحلاوى الصد والرد ، بما يقِف أمامه ‏ جهابِذة القلم عاجِزين … ‎‎ حتّى في وصفِه لِلفِعل ‏ الجِنسيّ الّذي ‏ جاء راقيا لِدرجة القُدسيّة…

‏‏… أمّا عن الوَصف و تركيب العالِم الرِّوائيّ: فمِن درجة الإجادة ظننت ‏ أنّ ‏ الأُستاذ اِستعار الآلة الزمنيّة مِن رِوايَة “ويلز”، وأنطلق بِها الى ‏‏ الماضي في زمن اِبن سيِنا، فعايَن الأماكِن والطُّرُق والبُلدان ‏‏ والملابِس والأطعِمة والرّوائح، ونقلها بِدِقّة مِن عاش فيها !! فوَصفه ‏ لِلقلعة مِثلا في بِدايَة الأحداث يجعلُك واحِد مِن ‏ ساكِنيها فتعيُّش في ‏ أُلفَتها بقيّة الرِّوايَة …‏‏

… أما اللُّغة فحدث ولا حرج … فرصانتُها تُعزِّز نظريّة اِنتِقال ‏ الأُستاذ في الزّمن، فهو ‏ يكتُب بلغة مُعاصِرة لِلأحداث، وبِنفس ‏ الفاظ وتراكيب العصر العبّاسيّ ‏ الثّاني، بِإتقان لا أَعتقد أَنه يتوَفّر ‏ لِغيْره كعالم ٍمُتبحِّرٍ في عِلم ‏ المخطوطات …‏‏

…لكِنّ ذلِك نفسُه صنع نُقطة ضَعف خطيرة .. بِحيْث أنّ كثير مِن ‏ الجمل ‏ والألفاظ والأسماء تحتاج الى مُتخصِّص في التّاريخ لِفّك ‏ شِفرتِها، ‏ أنا نفسي وبِما أدعيَه مِن وفرة قراءاتي التّاريخيّة ‏ اِحتجت الى ‏ الاِستِعانة مِرارا بِالعمّ (جوجل) لِلتّفسير ‏ ولِلمراجِع اللُّغويّة لديَّ، وبِالطّبع أَثَّر ذلِك على سلاسة السّرد. ‏‏

… ونُقطة الضِّعف الثّانيَة في موْضوع اللُّغة – -قبل أنّ تركه -–‏ كانت ‏ في كوْن اللُّغة ثابِتة سواء في سرد الكاتِب بلسان ‏ الرّاوي العليم أو ‏ على لِسان اِبن سيِنا بِضمير المُتكلِّم حين ‏ يستعيد ذِكرياتُه أَحيّانا، ‏ وهو ما صنع بعض اللّبس. ‏‏

… وهذا ينقُلُنا مُباشرة لِلرّاوي وضمائِره. فضمير الرّاوي العليم ‏ كان المُسيْطِر على ‏ الرِّوايَة ولا أعتقد أنّ أيّ ضمير أخِرّ كان ‏ يفي بِالأغراض الوَصفيّة فيها ‏‎…‎ لكِنّ الأُستاذ كسر ذلِك ‏ بِاِنتِقالات سِلسلة لِضمير المُتكلِّم ‏ على لِسان اِبن سيِنا وبعض ‏ الشّخصيّات مِن خِلال تفكيرهُم الدّاخِليّ أو سيّال ووَعي ‏ الشّخصيّة. ‏‏

… بِالنِّسبة لِلعُنوان سواء كان ” فردقان ” كما جاءت على ‏ الغِلاف أو ” فرديجان ” كما ينطِقها الأُستاذ، فجاء موَفّقا بِذِكر ‏ محلّ الأحداث، فالمكان هُنا كان بطلا حقيقيّا، بِما له مِن زخم ‏ وثقُل وتأثير فاعِل طوال رِحلة الرِّوايَة. ‏

… بيْنما جاء العُنوان الفرعيّ ككوميديّا مُضحِكا مخادعا بِالنِّسبة لي، ‏‏ (اِعتِقال الشّيْخ الرّئيس) أيّ مُعتقل هذا الّذي يحظى صاحِبُه ‏ بِأطايب الطّعام والشّراب وأجود الخُمور وأشهى النِّساء بل ‏ ومُمارسة عملِه الّذي يُحِبُّه وكتاباته الّتي يعيش مِن أجلِها؟ 

‏… الغِلاف لم يُعجِبني فهو رسم قديم لابِن سيِنا , مع بعض ‏ التّهويمات الهندسيّة واِعتقد أن دار في حجم الشُّروق كان ‏ بِإمكانِها اُكثُر مِن ذلِك بِكثير ‏…

… أمّا عن متن الرِّوايَة فيَدور بِالكامِل حوْل ” أبو عليّ بن عبد ‏ الله بن الحَسن بن علِيِّ بن سيِنا ” ذلِك العبقريّ المُتمرِّد ‏ والمُختلف عليه ‎، ‎ والّذي تجلّت عبقريّتُه في ‏ عُلوم الطِّبّ ‏ والمنطِق والإنسانيّات والفيزياء والشِّعر والفلك واللّاهوت ‏ والفلسفة والصّيْدلة وغيْرها ‎…‎ فكان ‏ سابقا لِعصره.

… حتّى ‏ أنّ كِتاب القانون في الطِّبّ ظلّ هو المرجِع ‏ الطِّبّيّ الأوّل في ‏ اوربا لما يزيد عن خمسمِئة عام , وكان الأساس الصّلب ‏ الّذي ‏ بُنيت عليه قواعِد الطِّبّ المُعاصِر ,حتّى أنّ بعض التّشخيصات ‏‏ السّريريّة الّتي اِحتواها لا يُمكِن لِطبيب مُعاصِر أن يُضيف شيئا ‏‏ اليِها، حتّى اِسماه عُلماء الغرب صِدْقا أبو الطِّبّ الحديث …‏‎

… ولكِنّه هو نفسُه ” اِبن سيِنا ” صاحِب الأفكار المُخالِفة ‏ لِلعقائِد ‏ الإسلاميّة الرّاسِخة، والّتي بِسببِها اتَّهَمه كثير مِن الفقهاء ‏ بِالكفر والإلحاد. ‏‏ ولمّا صادف أنّ لِهذِه الأفكار هوَى في نفس الأُستاذ. فوَجدها ‏ فُرصة ‏ سعيدة لِتحميل فلسفتِه الذّاتيّة والمُعلنة في لِقاءاتِه ‏ وتدويناتُه. ‏‎‎ فعمِل ‏ على بروزتِها وتطعيمها بِمكنونِه وإخراجها كأنّها ‏ حقائِق ثابِتُه لا ‏ خِلاف عليها فهل ذلِك مِن اِختِصاص الأعمال ‏ الرِّوائيّة؟ ‏ حقا لا ‏ أدرى.

…‎‏‏ لاسيّما ما تجلى مِن اِنتِقائيّة الأُستاذ لِلآراء الّتي تناسُب هواه في ‏‏ الشّخصيّات التّاريخيّة دون النّظر الى ما يُخالِف ذلِك ، في ‏ تدليس ‏ واضِح على القارِئ.‏

… فمحمود اِبن سبكتكين الغزنوي عِند الأُستاذ ‏ وفي عالم الرِّوايَة ‏ هو ذلِك السّفّاح القاتِل البشِع الّذي يهوَى مواقعة الغِلمان ‏‏ وإذلال العُلماء، في أوْقات فراغِه مِن حرق وتقطيع أطراف ‏ الهنود وسحِق الشّيعة المساكين.

.. ‎. ‎ وهي النّظرة الشّيعيّة التّاريخيّة لِلرّجُل الّذي أزاح ‏ سيْطرة ‏ الممالك الشّيعيّة كالبُوهيِّيَن وخِلافه ….. ‎ بِعكس النّظرة السُّنّيّة ‏‏ الّتي تعتبِره بطلا إسلاميّا فاتِحا عاقِل خيِّر ، ومُجدّدا لِلدّين ‏, ومُحِبّا لِلعِلم والعُلماء وموَقّرا لِهُم ، أعادّ لِأهل السُّنّة مكانتهُم ‏… بعد أن كادت تندثِر وبعد عُقود مِن بطش الشّيعة بِهُم ‏‎.

…‎ فعلى أيّ أساس ‏ اِختار الأُستاذ ذلِك المنظور وأهمل الأخر ‏ إلّا لما يوافِق هوَى نفسُه ‏؟‏‏

… اِلم يُكن أجدى أنّ تكون الرِّوايَة أكثر حياديّة وأقل إثارة ‏ لِلنّعرات ‏ الطّائِفيّة في زمن نبحث فيه عن أرضيّة مُشتركة ‏ لِلعيْش في سلام؟ ‏‏

… ومِن له المصلحة في النّفخ في كير فِتنة تاريخيّة عُمرِها مِن عُمر ‏‏ الإسلام نفسُه إلّا قليلا. ولِماذا نحافظ بِشِدّة على تِلك النياران ‏‏ مُتأجِّجة في الصُّدور .. والى متى؟

…‏ والغريب أنه نفس المنظور الشّيعيّ ‏ الّذي يُحاكِم بِه الأُستاذ شخصيات مثل ” صلاّح ‏ الدّين الأيوبي ” وغيْره مِن ‏ أعلام الدّوْلة السُّنّيّة. ‏‏

… أعلم بِالطّبع أنّ هذا وهؤُلاء لم يكونوا ملائِكة كما ‏ تصورُهُم ‏ المراجِع السُّنّيّة، ولكِنّهُم كذلِك ليْسوا أولئِك ‏ الشّياطين في المراجِع ‏ الشّيعيّة.

.. ‎. ‎ فعلى أيّ أساس ننحاز لِمرجِع ‏ دون أخر؟ ‏ اِلم تُكن روْح ‏ العصر حريّة بِالحياديّة والدِّقّة العِلميّة في ‏ السّرد, على الأقل عرض جميع الأقوال بِحيلة فنيّة داخِل ‏ الرِّوايَة؟ ‏

… لاسيّما أنّ عالم ‏ الرِّوايَة المُبهِر أسهَل في الاِلتِصاق بِعُقول فِئات ‏ مِن الشّباب تُعاني ‏ مِن قِلّة الثّقافة عُموما والثّقافة التّاريخيّة ‏ على وجه الخُصوص. ‎

…‎ وسُرعان ما ستكون أحداث الرِّوايَة ‏ المركبة بِعِنايَة ‏ وإغراء ، مُسلِمات لا فكّاك مِنها. ورأيْنا ذلِك بِأعيُنِنا مِرارا.

‏‏… واِعتقد أنّ هذا هو السّبب المُباشِر الّذي دُفع بمولانا لِاِتِّخاذ ‏ الرِّوايَة ‏ سِتارا لِأفكارِه بدلا مِن كِتابتِها في كِتاب عِلمي أو حتّى ‏ سيرة ذاتيّة ‏ عِلميّة لابِن سيِنا.

… فهو يعلم وقتها كمّيّة الاِتِّهامات ‏ والمواجهات بِعدم ‏ العِلميّة والحياديّة ‎. ‎‎‎ لكِنّ الرِّوايَة قمّاشة رحبة فضفاضة يُسهِّل ‏ التّملُّص فيها ‏ بِحُجّة أنّها مُجرّد رِوايَة خياليّة وليْس كِتاب عِلمي.

… ‏‏ وبيْنما كُلّ ما سبق قد نختلِف أو نتّفِق حوْله, لِكنّني لا أستطيع ‏ اِبتِلاع جُزئيّة, تبني أفكار اِبن سيِنا المُثيرة لِلجدل تندرِج تحت ‏ عُنوان الفِكر الباطِنيّ …

… وصِراع الفِكر الباطِنيّ والفِكر ‏ الظّاهِري قديم قدم ظُهور الرِّسالات السّماويّة. فالنّصّ المُقدّس ‏ له تفسير ظاهِر واضِح واحِد، ولكِنّه يحتمِل ملايين التأويلات ‏ الباطِنة تختلِف بِعدد اِختِلافات عُقول مُحلِّليِه.

…وطالما أنّ النّصّ المُقدّس لا يُمَسّ فلنَعْبر إذًا فوْق ألفاظِه ‏ الواضحة ولُغتُه المُحدّدة المقاصِد، بِتهويمات خياليّة باطِنيّة ثُمّ ‏ ندّعي أنّ تِلك التّفسيرات لا يفهمها إلّا الصّفوَة وتخفى على ‏ العوّام،

… فنخلُق طبقيّة عِلميّة وأنبياء جدد ولو لم يدعوا النُّبوّة. ‏ 

وكان هذا سبب تشرذم اُمه الإسلام، واِنقِسام طوائِف المسيحة ‏ واليَهوديّة.

… ونجِدُه واضِحا اليَوْم في أفكار بعض طوائِف ‏ الشّيعة والمُتصوِّفة وأفكار المُعتزِلة قديما. ‏‎‎ دون الدُّخول في ‏ تفاصيل.

.‏.. فبيْنما يتبيّن لنا كُلّ يوْم مُدى عبثيّة وهدميِه تِلك الأفكار ‏ الباطِنيّة الّتي أدخلتنا في صِراعات لا حصر لها ‎…. ‎ نجِد أنّ ‏ موّلانا لا يكتفي بِذِكرِها مِرارا في لِقاءاتِه وتدويناتُه المُعلنة ‏ والخاصّة ولكِنّه يُنشِئ عمل أدبي خِصّيصا ليُحبِّب ويَقرُب تِلك ‏ الأفكار الى قلوب مُريديِه. ‏ 

…فقُرِّر الأُستاذ أن يجلُبها جلبا مِن أُفُق التّنظير الدّينيّ والصِّراعات ‏ الخفيّة بيْن العُلماء والّتي اُعفي مِنها شبابنا، ‎‎ ليَجعلها قالِبا رِوائيّا ‏ شيِّقا مُطعّما بِما يجعلُه لذّة لِلشّارِبين. 

ولتسقُط أجيالا جديدة في ‏ أتون لُعبة قاتِلة قديمة. ‏‏

… وأخيرا لو اِستطردت في تحليل تِلك الرِّوايَة المحيرة بِمثالِبِها ومناقِبها ‏‏ فلسفاتها لِاِحتجت الى صفحات وتحليلات يضيق الحال عنها ‎.

… ورغم ‏ كُلّ نِقاط الضِّعف والقوّة في الرِّوايَة يُثبِت زيدان أنه ‏ أُستاذ حقيقي.‏‏

… ولكِن.. متى يتعلّم الأُستاذ نزِع هوَى نفسُه عن عالم رِوايَاتِه ‏‏ فيَُضَمِّنَه إنّ شاء كِتابا عِلميّا يستطيع المُتخصِّصون حِسابه ‏ عليه ‎. ‎‏ أو ينتهِج جانِب الحياديّة في الرِّوايَة .

… فنحن بِحاجة الى ‏ رِواياتٍ ‏ تاريخيّة تسبِر أعماق تاريخِنا لا تنخر في جُذورِه ‏ ليَستخرِج الخُبث مِنها. ‏

… نحتاج الى ذلِك ‏ الأدب الّذي يجمعُنا على التّجرِبة الإنسانيّة ‏ العامّة والشّديدة ‏ الخُصوصيّة في آن واحِد، لا يدفعنا دفعا لِلتّناحُر ويُشعِل نيَران ينبغي أنّ ‏ تنطفِئ الأن، بعد ما يقرُب ‏ ألف وخمسمَائة عام مِن إشعالِها ومازالت مُستعِرة بِفِعل تِلك ‏ التّصرُّفات وتِلك السّرديات المُغرِقة في الاِستِقطاب ‏‎….

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here