بيوت شهداء ومعتقلين فلسطينيين ترفع رايات النجاح الدراسي

غزة-رام الله/ الأناضول-

لم يمنعها غياب والدها خلف قضبان السجون الإسرائيلية منذ قرابة الـ 15 عاما، من تحقيق حلمها بالتفوق في الثانوية العامة، رغم جملة الصعاب والضغوط النفسية التي واجهتها طوال السنوات الماضية، وكأنها تبعث برسالة “صمود”.

الطالبة توحيد مؤيد حماد، من بلدة سلواد قرب رام الله، اعتقل الجيش الإسرائيلي والدها وهي ابنة عامين ونصف، وحكم عليه بالسجن سبع مؤبدات.

كبرت توحيد وترعرعت في غياب والدها، إلا أن ذلك لم يثنها عن تحقيق طموحاتها، لتحصل الخميس على معدل 97.7 % في امتحانات الثانوية العامة الفرع العلمي.

**

الغياب دافع إبداع

وتصف ابنة المعتقل الفلسطيني، التي تطمح بدراسة الطب، نجاحها في ظل غياب والدها قائلة: “دراستي ونجاحي كان تحديا لأثبت أن لا شيء يمنعنا من الوصول لأحلامنا”.

وتضيف لوكالة الأناضول: “غياب والدي كان محفزا لي، ونجاحي بهذا المستوى كان الطريقة المثلى لأهديه الفرح وهو في سجنه”.

وتتابع توحيد: “كنت أصل في بعض الأوقات للحظات تعب وإرهاق أو ملل من ساعات الدراسة الطويلة، لكن أعود وأقول لنفسي لأجل أبي سأواصل الدراسة وأحقق حلمي”.

ولم تتمكن الطالبة الفلسطينية من زيارة والدها منذ آذار/ مارس 2018، بسبب رفض الجيش الإسرائيلي منحها تصريحا لزيارته.

**

تفوقي حق لوالدي الشهيد

وتشاركها المشاعر ذاتها، حلا ابنة الشهيد جعفر المصري من مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، والتي رحل والدها عن الحياة وهي بعمر ثلاث سنوات.

وحصلت الطالبة الفلسطينية على معدل 88.3٪ وتطمح لدراسة اللغة العربية في الجامعة.

تقول حلا لوكالة الأناضول: “لا أذكر أي شيء عن والدي، لكني أفتخر به كثيرا، وواجبي ومن حقه علينا أن أجتهد وأدرس لأحصل على نتيجة مميزة، وأواصل تعليمي”.

وتضيف: “قبل أن يستشهد والدي أوصى أمي أن تعتني بنا وبدراستنا، (…) عندما كنت أشعر بالتوتر والضغط من الدراسة وأفكر بترك الدراسة أحيانا، كنت أتذكر والدي، ووصيته لنا ولأمي، أعود وأجتهد بالمذاكرة، فكان هو الدافع لي للاستمرار والنجاح”.

وأشارت حلا إلى دور أمها التي سعت ولا زالت لتعويضهم عن غياب الأب، وهي التي أصرت على دراسة الثانوية العامة والجامعة أيضا، بعد استشهاد زوجها.

**

ليس الأبناء فقط

ليس الأبناء فقط من كسروا حاجز الحزن على فقدان الأب في بيوتهم، فالفلسطينية حنان حرارة (38 عاما) زوجة المعتقل في السجون الإسرائيلية هشام حرارة، خاضت هذا العام تجربة شهادة الثانوية العامة.

وحصلت حنان على معدل 78.8٪ وهو ما مثل نجاحا كبيرا لها مقارنة بظروفها، فهي عادت للدراسة بعد 22 عاما من تركها إضافة إلى أنها أم لـ 7 أبناء.

وتقول زوجة المعتقل الفلسطيني لوكالة الأناضول: “زوجي اعتقل عام 2015 وحكم عليه بالسجن 9 سنوات ومنذ ذلك الوقت أصبحت بمثابة أم وأب وصديقة لأطفالي السبعة”.

وتضيف: “بعد مضي 3 سنوات على اعتقال زوجي فكرت في أن أدرس الثانوية العامة حتى أشغل نفسي عن التفكير بألم غياب زوجي”.

وتابعت: “ترددت قليلا في اتخاذ قرار الدراسة ولكن عندما أخبرت زوجي عبر رسالة نقلها إليه الصليب الأحمر، شجعني كثيرا ودعمني”.

وتكمل حنان: “كان الأمر مسألة تحد بالنسبة لي، فأنا سألتحق بالثانوية العامة بعد 22 عاما من ترك الدراسة وأحمل مسؤولية كبيرة في تربية أبنائي خاصة في ظل غياب زوجي، ولكني قررت خوض هذا التحدي بكل قوة”.

وواجهت المرأة الفلسطينية عقبات كبيرة خلال العام الدراسي، فهي كانت ملزمة بتلبية متطلبات أسرتها التي لا تنتهي، ومتابعة شؤون زوجها المعتقل فخلال الأشهر الماضية، قطعت الحكومة الفلسطينية راتبه.

وفي فبراير/ شباط الماضي، أعلنت لجنة القوى الوطنية والإسلامية (تجمع للفصائل الفلسطينية) بقطاع غزة، أن الحكومة برام الله قطعت رواتب المئات من المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية، وأخرى لمعتقلين محررين، وهو ما لم تعقب عليه الحكومة الفلسطينية.

وتقول: “كنت أذهب إلى السوق لشراء احتياجات المنزل وإلى الصليب الأحمر للمشاركة بفعاليات التضامن مع المعتقلين بالسجون الإسرائيلية، وأتابع في المؤسسات المختصة قضية قطع راتب زوجي، وأعود لأعد الطعام لأبنائي، وأتابع دراستهم، (…) كل ذلك شكل تحديا كبيرا لي ولكني تمكنت من التغلب عليه”.

وراودت حنان كثيرا فكرة ترك الدراسة جراء الضغوط الحياتية المتراكمة عليها، إلا أن أبنائها لم يتوقفوا عن تشجيعها لمواصلة مشوارها ومساعدتها في بعض أعمال المنزل.

وتضيف زوجة المعتقل الفلسطيني: “قبل وأثناء فترة الامتحانات شعرت بحاجة ماسة لوجود زوجي إلى جواري، فلو كان موجودا لشجعني وساعدني بكل ما يملك”.

وعندما أعلنت النتائج وعلمت حنان بنجاحها، لم تكتمل فرحتها فقد كانت تتمنى أن يكون زوجها موجودا ويشاركها الفرحة.

وتتمنى حنان مواصلة مشوارها ودراسة التمريض في إحدى جامعات قطاع غزة وأن يشاركها زوجها فرحة تخرجها من الجامعة بعد 4أعوام.

**

ثلاثة دوافع

وحول العوامل التي تساهم في تفوق أبناء وزوجات الشهداء والمعتقلين في حياتهم العلمية، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة النجاح الوطنية بنابلس (غير حكومية)، مصطفى الشنار، إن “هناك ثلاثة عوامل تساهم في ذلك”.

ويضيف الشنار للأناضول: “غياب أحد الوالدين ينعكس سلبا على الأبناء وبناء شخصيتهم، فالأب يشكل النموذج والأم تعد مصدر العاطفة، لكن الكثير من هؤلاء الأبناء، إن كانوا أيتاما أو أبناء المعتقلين، يسعون لتحدي الواقع والإبداع”.

ويتابع: “الدوافع الذاتية لتحقيق أعلى النتائج عند هذه الشريحة من الطلاب، هي أولى العوامل التي تساهم في تفوقهم، فهم يسعون للحفاظ على مكانة الأب أو الزوج وسمعته ورمزيته، فالمعتقل أو الشهيد يحظى بمكانة عالية في المجتمع الفلسطيني، وله رمزية خاصة، لذلك يسعون للحفاظ عليها وعدم زعزعتها”.

أما الدافع الثاني بحسب الشنار، “فهو الأمهات، اللواتي يلعبن الدور الأبرز في نجاح أبنائهن بتحدي الواقع في ظل غياب الأب، فتتعالى الأم عن آلامها وظروفها القاسية، وتبدأ بالتماسك لتعويض أبنائها وزرع الأمل والثقة بالنفس والتحدي في نفوسهم”.

ويرى أستاذ علم الاجتماع أن المعتقلين والشهداء الفلسطينيين، هم في كثير من الأحيان من المتفوقين في حياتهم ودراستهم، وعندما يتزوجون فهم يبحثون عن زوجات مماثلات لهم في المستوى التعليمي والأكاديمي، ما يعني ترسيخ صفات بيولوجية وتكوين أسر نوعية تحمل صفات الذكاء والإبداع، وهذا يعد مكملا للعاملين السابقين، على حد قوله.

وبلغ عدد الطلبة الفلسطينيين الذين تقدموا للامتحان في كافة فروعه (75150)، نجح منهم (52108) مشتركاً، أي بنسبة نجاح بلغت (69.34)%، بحسب وزارة التربية والتعليم.

وحصل الأول على مستوى فلسطين بالفرع الأدبي على معدل 99.6، أما الأول بالفرع العلمي فحصل على معدل 99.7.‎

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. هذا تعليق كتبته تعقيبا على مقال لسيدة في هذه الصحيفة الرائعة… أجد من المناسب ان اعيد نشره هنا..

    كلامك سيدتي يوجع القلب ويدمي الفكر … اهكذا هوالشعب الفلسطيني صاحب أطول مقاومة في التاريخ ….اهكذا اصبح الفلسطيني عدوا لاخيه الذي يقتسم معه ما بقي من ارض الوطن …اهكذا هو الفلسطيني ينتظر المعونة من هنا اوهناك …..
    لاسيدتي …
    انت نظرت الى الجانب المظلم في تصريحات السياسيين ولم تقرأي همس الشعب وصخبه وعنفوانه …
    لم تقرأي ان بنات الاسرى والشهداء ترفرف اعلام النجاح في الثانوية العامة فوق اسطح منازلهم …والدي شهيد … والدي اسير .. ولكن روح نضاله جعلتني من المبدعين الذين يحققون النجاح رغم غياب الاب شهيدا او اسيرا …
    سيدتي ….
    هذه هي الام الفلسطينية … هذه هي المرأة الفلسطينية التي صنعت من شظف العيش وفقدان النصير عنوان نصر لا عنوان هزيمة …
    ان شعبا هذه امه وهذه زوجته ستصنع النصر القادم باذن الله … وليقل السياسيون ما يقولون … فهو استهلاك محلي لايسمن ولا يغني من جوع …
    سيدتي …
    اسألي أي طفل فلسطين في اصقاع الأرض كلها ولد خارج فلسطين ولم يعرف ترابها ولم يحفظ الا انه فلسطيني تحاصره كل الدنيا وتعاقبه كل الأطراف انتصارا لإسرائيل … اسأليه من اين انت .. سيقول لك دون تردد انا فلسطيني .فمن انتم …
    لم يعرف فلسطين ولكنه رضع هذا الاسم مع حليب ثدي امه الصابرة المرابطة .. وهذا سيكون عنوان نصر للقضية عاجلا ام اجلا ..فكم طوى التاريخ من اسسماء مرت مرور الريح او العواصف الهوجاء … وبقي الشعب وسيبقى الوطن …
    الف تحية … فانا عربي اؤمن بان القدس والاقصى هما قضيتي …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here