بين تمرد الابن الروحي و اهواء الابن الطبيعي.. الباجي قائد السبسي يعلن القطيعة مع حركة النهضة.. نهاية صفقة باريس أم تضارب للمصالح المستقبلية؟

اسيا العتروس

 بعيدا عن لغة العاطفة و ما تخفيه النوايا فان الحقيقة أنه كان من الاجحاف أن يهيمن الصراع الدائر بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والسبسي الابن على الحوار الذي انتظره التونسيون و تطلعوا الى حلول ومواقف ترتقي الى حجم تحديات المرحلة و ما تواجهه تونس من أزمات تفاقمت على وقع الطوفان الذي أغرق ولاية نابل المنكوبة…

الرئيس التونسي تحدث نحو ساعة , ومع أنه  لا جديد يمكن توثيقه في الحوار الذي أعلن معه القطيعة مع حركة النهضة و أكد خلاله المضي قدما في تنظيم الانتخابات التشريعية و الرئاسية في موعدها ,فقد أثار جدلا لا نخاله يتوقف قريبا  في مختلف الاوساط السياسية و الاعلامية التي اختلفت في قراءة الحوار بين من اعتبره الاسوا منذ عودة الباجي قائد السبسي الى المشهد السياسي بعد 2011 و بين من وجد بين السطور اشارات و رسائل و ألغام تترصد المشهد السياسي و المسار الانتقالي الهش في تونس …و لعل الملاحظة الاولى التي لا يمكن أن تخفى على عين مراقب ظهور الباجي قائد السبسي منهكا الى درجة الارتباك في كثير من الاحيان .و رغم محاولاته التأكيد على أنه لا وجود لخلاف شخصي بينه و بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد فان حديثه لم يخل من المرارة و ربما الاحساس بالتنكر للجميل من جانب من كان سببا في وصوله الى السلطة …

الباجي قايد السبسي الذي يجد نفسه اليوم ضحية تمرد “ابنه اروحي”رئيس الحكومة الشاب يوسف الشاهد الذي لا يجاهر بطموحاته السياسية المستقبلية على الاقل في المرحلة الراهنة و بين أهواء ابنه الطبيعي حافظ قايد السبسي الذي تلاحقه الاتهامات بتفكيك و تشتيت صفوف الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية و الرئاسية حتى غرق اعضاؤه في السياحة الحزبية انتهى به المسار الى انهاء مرحلة التوافق مع حركة النهضة بعد خمس سنوات كاملة  واعلان الانفصال أو الطلاق الذي لم يتضح بعد ما اذا سيكون مؤقتا أو نهائيا …

رسائل الى الداخل و اخرى الى الخارج أيضا …

الواقع أنه  وبرغم حالة الانهاك الواضح والحزن الذي بدا على ملامحه فقد تمكن الرئيس الباجي قائد السبسي من تمرير أكثر من رسالة لاكثر من طرف في الداخل و الخارج من خلال الحوار التلفزي التي استمر لنحو ساعة على قناة الحوار التونسي و التي عكست موقف رئيس الجمهورية من الاعلام العمومي الذي يعتبره مؤيدا لرئيس الحكومة …وأول تلك الرسائل و أهمها أن الانتخابات التشريعية والرئاسية ستكون في موعدها “للضرر” بعد خمس سنوات من “التوافق المزيف”الذي تم بمقتضى صفقة باريس في 13 اوت 2013 والتي خيبت ظن الكثيرين ممن منحوا أصواتهم لحركة نداء تونس ولكنها اعتبرت من جانب شريحة لا يستهان بها أيضا بمثابة الجسر الذي جنب تونس السقوط الى الهاوية والغرق في صراعات الحرب الاهلية التي أنهكت أغلب دول الربيع العربي …

ولاشك أن في تعجيل قيادات من حركة النهضة لنفي القطيعة و التمسك بدور و مكانة رئيس الجمهورية ما يمكن أن يؤكد أن لعبة المصالح قد تكون تغيرت و لكن الجاحة للتوافق لا تزال مطلوبة على الاقل في هذه المرحلة …والحقيقة أن اقرار الرئيس بنهاية مرحلة التوافق أو “بنفض حركة النهضة يدها منه” ليس بالامر الجديد فقد كان واضحا و منذ انطلاق قرطاج 2 “أن الطرق بين النداء والنهضة لم تعد تلتقي وأن يوسف الشاهد بات الخيارالواضح للنهضة ولكنه خيارمشروط بعدم ترشح الشاهد وفريقه للانتخابات القادمة …

فماذا يعني انهاء التوافق من جانب رئيس الجمهورية وهو الذي كان رفع شعاره الانتخابي أن النداء والنهضة خطان متوازيان لا يلتقيان قبل أن يتخلى عنه ؟

الواقعية تقتضي الاقرار بأن السياسة تعني اتقان ادارة لعبة المصالح على اعتبار أن حليف و صديق اليوم ليس بالضرورة حليف الغد والعكس صحيح أيضا .والاكيد أن البقاء سيكون للاقدرعلى فهم شروط اللعبة والاستفادة من الاخطاء والعثرات الحاصلة و ترتيب الاولويات و توحيد الصفوف ..

وهذه الواقعية تفترض أيضا قراءة المشهد قراءة صحيحة بعيدة عن التأويلات فقد كانت الارضية مهيأة لتصدع النداء الفائزالاول بانتخابات 2014 وانفراط عقده و تحوله الى دكاكين حزبية فهمت النهضة بسرعة أنه لن يكون لها وزن طالما ظلت على انقساماتها و صراعاتها و حسابات الزعامة الوهمية التي أنهكت ظهر النداء حتى ركبه كل انتهازي …

ولاشك أن ظهورالائتلاف الوطني المؤيد ليوسف الشاهد بات العنوان الجديد الذي سيؤثث للمشهد الجديد و الخارطة السياسية القادمة في البلاد و ربما يكون الحزام السياسي الذي لم يجده الشاهد المتمرد على حزب نداء تونس الذي قدم له السلطة على طبق من ذهب بعد أن كان مغمورا …

ومن هنا الخطأ الذي وقع فيه الرئيس الباجي قائد السبسي عندما اعتبر أن نداء تونس شأنه شأنه بقية الاحزاب التي تعيش على وقع أزمات لا تنتهي .و الحقيقة أنه جانب الصواب لسبب بسيط لا نخاله يغيب عن مؤسس نداء تونس و هو أن الحركات والاحزاب التي اعتمدها للمقارنة بما يحدث في نداء تونس لم تحظى في أي مرحلة كانت بما حظي به نداء تونس من دعم أكثر من مليون ناخب ليس من الواضح لمن سيمنحون أصواتهم مستقبلا …

حتى الان, يبدو جليا أن النهضة تبدو ظاهريا المستفيد الابرز من حالة الانهاك التي يعيش على وقعها النداء والاحزاب الحداثية ليس لغياب الانقسامات والازمات في صفوفها ولكن بسبب الانضباط داخل حركة النهضة والانصياع لقرارات القيادات التي لا تخفي أهدافها و طموحاتها في استعادة مقاليد السلطة والعودة الى المشهد بقوة .وقد لا يكون من المبالغة في شيئ الاقرار بأن مصيرأغلب الاحزاب التي تحالفت مع النهضة حتى الان كان الاندثاروالتفكك حيث لم يبقى من حزبي المؤتمر والتكتل شيئ يذكر …والامر ذاته تتجه اليه حركة نداء تونس التي تفككت بمجرد انسحاب مؤسسها لتتحول الى مجرد رقم مفرغ لا تأثير له في المشهد..

وبالعودة الى اعلان رئيس الجمهورية الطلاق بين النداء والنهضة بكل ما يعنيه من احتمال العودة الى صراع الايديولوجيات الذي عاشت على وقعه البلاد بعد الثورة والغرق في فخ البحث عن جنس الملائكة على حساب البلاد والعباد لا سيما وأن تجربة و مناخ فترة الترويكا ومفاوضات السنوات الثلاث التي استوجبت وضع الدستور ليس ببعيد, فان الاكيد ايضا أن فيه ا أيضا اشارات لاطراف اقليمية ودولية راهنت على النموذج التونسي ودعمت تحالف العلمانيين والاسلاميين في تجربة فريدة بين كل دول المنطقة برغم كل اهتزازاتها وعيوبها و لا يمكن لكل من راهن و دعم هذه التجربة أن يقبل بانهيارها …في انتظار ما قد تحمله قادم الايام بات الشاهد أمام اختبار مصيري و هو الذي يبدو اليوم في موضع حمال الاسية أو ربما الجسر الذي ستحتاجه النهضة للعودة الى السلطة قبل أن تنفضه من حساباتها كما نفضت من سبقه …

تصريح قائد السبسي صراحة  ان غياب السبسي الابن و الشاهد من المشهد لن يؤثر على تونس في شيئ في بلد يعج بالكفاءات  يمكن  اعتباره دعوة مقنعه لكل من حافظ قايد السبسي و يوسف الشاهد بالاستقالة و لكن لا يبدو حتى الان أنه بلغ أسماع المعنيين بدعوته غير المباشرة لتحرير الساحة السياسية من كل الازمات و الاخفاقات التي تسببوا فيها ..وفيما يستمر الشاهد في سياسة الهروب الى الامام و التمسك بمنصبه و الاستعداد لعرض قانون المالية يواصل السبسي الابن  الذي يفتقر للكاريزما و لا يعرف عنه ما يؤهله لاي دور سياسي مستقبلا تفكيك ما بقي من نداء تونس الذي يوشك ألا يبقى في صفوفه أكثر من عدد أصابع اليد الواحدة اذا كتب له البقاء …

الى اين تسير تونس تلك المعضلة التي يتعين على المجتمع المدني الانتباه لها و عدم التعويل على النخب السياسية التي خذلت التونسيين حتى الان …

اعلامية تونسية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ومن كان يتوقع من هذه الخلطة غير المتجانسة غير ذلك !!!؟؟؟.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here