بين الماضي والحاضر: حول مظاهرات يافا عام 1934

 

د. نهى خلف

اليوم والجميع بصدد  القيام بتحقيقات  تاريخية بمناسبة  ذكري مرور سبعين عاما على النكبة الفلسطينية،  أرى من الضروري التذكير  بأهمية العلاقة بين ‘الذاتي’ و’ الموضوعي’ في البحث التاريخي كما  نبهنا عنها الفيلسوف الفرنسي الشهير الراحل، بول ريكور، في كتابه المهم ‘الذاكرة والتاريخ و النسيان‘  قائلا: “إن أية دراسة تاريخية تضع المؤرخ في مأزق ما  بين ‘الموضوعية’ من جهة  و ‘الذاتية’ من جهة أخر ى و خاصة  عندما يحاول التوصل الى ‘موضوعية علمية’،   لأن عملية بناء ‘الموضوعية التاريخية ‘ من أجل التمكن من استيعاب الأدوات الذهنية و السلوكية ‘لرجال الماضي’ هي ليست إلا الوجه الآخر  من ‘النظرة الذاتيه‘، حيث أن التاريخ  نتاجا  ‘لإبستمولوجية’ مزدوجة  تتكون من تداخل بين الموضوعية و الذاتية،  ومن الجدلية بين الأحد المعاصر و الآخر الأبعد زمنا ، و من المواجهة بين اللغة العصرية و الحالة الفائتة ، مما يعني أن اللغة التاريخية  قد تكون غامضة.”

وبسبب صعوبة التوصل إلى ‘موضوعية تاريخية‘ يضيف الفيلسوف الفرنسي : “سأظل مضطربا  بسبب المشهد المرتبك الناتج عن ‘ فائض من الذاكرة ‘  هنا و’ فائض من بالنسيان ‘هناك، و من  استغلال الذاكرة لأهداف سياسية بينما هناك قضايا تزول بالنسيان،  فإن ‘ مشروعي الأساسي يهدف الى البحث عن ‘الذاكرة العادلة’.”

فبالنسبة للبحث في التاريخ الفلسطيني بشكل خاص يبدو ان هناك صعوبة كبيرة في التوصل الى ‘ ذاكرة عادلة’لعدة اسباب

ومن اهمها مسألة الاستمرارية في التاريح الفلسطيني ووجه الشبه بين الماضي و الحاضر كما عبر عنه المفكر الراحل ادوارد سعيد: “إن إحدى الاستراتيجيات الأكثر رواجا   تكمن في محاولة تفسير الحاضر عبر الإشارة إلى الماضي، ليس فقط لأننا قد نكون على اختلاف مع ألماضي و مع ما حدث ، و لكن لأننا نتساءل إن كان الماضي قد مضى و مات و دفن ، أو أنه  لا يزال مستمرا ربما بشكل آخر: هذه من خصوصيات الحوارات المتعددة حول الأسباب  و الأحكام والاتهامات، وحول  الحاضر  و المستقبل”.

وبمناسبة ذكرى يوم الأرض و التظاهرات الهائلة التي قام بها الشعب الفلسطيني في يوم 30 آذار 2018،  أرى من الأهمية الإشارة الى المظاهرات التي اندلعت في  يافا، قبل خمسة و ثمانون عاما  ، حيث نشرت  جريدة فلسطين اليافية في العدد الأول من  آذار 1934 معلومإت  عن ‘مظاهرات  يافا’، و ما تبع ذلك من حملة اعتقالات، بما في ذلك شهادة محمد عزت دروزة حول هذه الحوادث، و هوأحد القياديين البارزين المتهمين في مظاهرات يافا.

ثم نشرت جريدة  فلسطين في  الرابع من آذار 1934 مقابلة مع عوني عبد الهادي، رئيس  حزب الاستقلال الذي قارن ما بين   مظاهرات عام 1934 واضطرابات  أخرى قد سبقتها في عام 1929، و التي اعتبر إنها كانت تعكس فقط العداء بين اليهود والعرب، مما أدى إلى توظيفها ضد العرب ومصالحهم و عدم اعتبارها نضالا وطنيا منظما له مطالب مشروعة من قبل البريطانيين. وفي المقابل اعتبر إن “النهضة” التي أطلقها حزب الاستقلال في البلاد قد عبرت عن شرف النضال وأهدافه، في الوقت الذي كشفت فيه عن ‘تخلف وفساد السياسة’التي سادت من قبل.

وفي 24  آذار- مارس 1934، خصصت كلمة رئيس تحرير جريدة “فلسطين” للحديث عن الحالة الصحية لموسى كاظم الحسيني الذي كان  يحظى بمنصب رئيس اللجنة التنفيذية الفلسطينية الأولى و الذي  كان طريح الفراش منذ مشاركته في مظاهرات أكتوبر – تشرين أول 1933 في يافا، ثم أعلنت صحيفة “فلسطين” في 27  آذار  خبر وفاته، وتحضيرات دفنه، وقد خصصت ذلك العدد لنشر الأثر الذي تركه فقدانه على المستوى الوطني والإقليمي، مع إطلالة مختصرة على مسيرة حياته، كما خُصص كل من العددين 29، 30 مارس – آذار لنشر كلمات التأبين  للشخصيات الفلسطينية  مثل يعقوب فراج نائبه، وأمين بك التميمي عضو المجلس الإسلامي الأعلى، والشيخ عبد القادر المظفر الذي أبنه بخطبة مؤثرة في مسجد الصخرة.

وفي العدد 31 مارس – آذار 1934، ذكرت صحيفة فلسطين في صفحتها الأولى أسماء أولئك الذين توقعت الصحافة اليهودية، أن يخلفوا موسى كاظم الحسني، من بينهم عمر البيطار وتوفيق حماد، ويعقوب فراج، وجمال الحسيني وعوني بعد الهادي، وقد أعربت صحيفة “فلسطين” عن استغرابها من انشغال الصحف اليهودية باختيار الرئيس القادم للجنة التنفيذية العربية قبل أن تتحدث الأوساط العربية بهذا الخصوص!

ومن الجدير بالذكر إن بعض المؤرخين قد قاموا بالمقارنة بين الأساليب التي استخدمتها الحركة الصهيونية للاستيلاء على يافا قبل عام 1948 والأساليب التي تستخدمها اليوم للاستيلاء على القدس!!

ويبدو واضحا عبر هذا التعليق الصحفي المختصر أن الأمور لم تتغير كثيرا، رغم مرور أربعة و ثمانون عاما على  هذه الحوادث،  حيث أن أكثرية الشعب الفلسطيني تستمر في التظاهر،كما يستشهد  في كل تظاهرة من أبناء شعبها الأبرياء و يجرح الكثيرون منهم، و تقوم السلطات الصهيونية باعتقال وتصفية القيادات الوطنية، بينما تستمرسلطة الاحتلال بالانشغال في إختيار القيادات المقبلة  !!

فهل هناك عبر يمكن استنباطها في وجه هذه السياسات العدوانية المستمرة و هذا العطاء الشعبي المتواصل من أجل الدفاع عن القدس والأراضي الفلسطينية المتبقية؟؟؟ أم  هل هناك ربما حلقة ناقصة  لم تسمح بالاستفادة من  هذه الخبرات التاريخية الغنية و باستثمار كل هذا العطاء من أجل مزيد من الانتصارات؟

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. أجدت يادكتورة نهى في تذكيرنا بالماضى القريب، وما حل بالشعب العربى الفلسطيني على أيدى محتليه سواء كانوا إنجليز أو يهود. ورفض أهل البلاد ألأصليين الفلسطينيون الوجود اليهودى بين ظهرانيهم، وألأساليب ألتى مارستها ألحركة الصهيونية للإستيلاء على ألأراضى وبالأخص منطقة يافا حيث أقامت هناك مدينة تل أبيب. لقد قرأت كتاب المؤرخ الليبى صالح مسعود بويصير تحت عنوان “جهاد شعب فلسطين” خلال نصف قرن، ألذى سلط فيه الضوء على جهاد الشعب الفلسطيني وإضراباتهم وأهمها إضراب العام 1936، وتآمر بريطانيا لتهويد فلسطين تنفيذا لوعد بلفور، وقيامها بإضطهاد ألشعب الفلسطيني وسن القوانين الجائرة عليه وفرض الضرائب عليه لإجباره على بيع أراضيه لليهود. بريطانيا هي عدوة الشعوب العربية كلها. هي بريطانيا ألتى قسمت ألبلاد العربية وأوجدت ألمشاكل الحدودية بين العرب حتى يستمروا في عدائهم لبعضهم بعضا وينسوا عدوهم ألأكبر ألصهيونية ومن خلقها بريطانيا ألتى كانت عظمى وأصبحت اليوم حقيرة. ما أشبه ألليلة بالبارحة. لقد إبتلى الشعب الفلسطيني بقادة من أمثال عبدالرؤوف القدوة (ياسر عرفات) ومحمود رضا عباس ميرزا ألمجهولان ألأصل، واللذان بسياساتهما التآمرية قضيا على ألأمل ألباقى للفلسطينيين بإسترجاع وطنهم المغتصب من عدو ألإنسانية إسرائيل.. من المؤكد أنك يادكتورة سمعت عن المسيرات ألتى قامت في غزة والضفة. وحيث أن غزة ليست تحت قبضة عباس ورجاله رجال ألتنسيق ألأمنى ألذين أدوا ولاءهم لإسرائيل، غزة هي التي قدمت الشهداء ومئات الجرحى. وبسبب حقده عباس على غزة فإنه لم يقدم يد العون لغزة على ألأقل لمستشفياتها ألتى بحاجة لكل شيء إبتداء من الطبيب وألدواء وحتى الكهرباء والماء. لا أدرى والله لماذا حل ويحل بالشعب الفلسطيني كل هذا الظلم والإضطهاد؟ ماذا عمل شعب فلسطين حتى يحل عليه كل هذا الغضب من الله؟!

  2. تشكري د. نهى خلف
    “ومن الجدير بالذكر إن بعض المؤرخين قد قاموا بالمقارنة بين الأساليب التي استخدمتها الحركة الصهيونية للاستيلاء على يافا قبل عام 1948 والأساليب التي تستخدمها اليوم للاستيلاء على القدس!!
    نعم هي نفس الأساليب بين المدينتين من ناحية الاستيطان فقد بدأ الاستيطان في يافا عندما اقيمت تل ابيب وبدأت تسع على حساب يافا وةتستولي على الحيز المكاني من ناحية اراض يافية يقام عليها أحياء يهودية تحاصر يافا, وأحياء استيطانية على أراض مقدسية تخاصر القدس.
    هذا من ناحية ومن ناحية أخرى محاصرة الاقتصاد اليافي والإقتصاد المقدسي, ومن ناحية الزمن مسابقة الزمن في تهويد المدينتين واهمال يافا اعلاميا واهمال القدس اعلاميا ايضا.وتعليميا وصحيا.
    الشعب الفلسطيني مستمر في التظاهر وسيسقط الشهداء الشهيد تلو الشهيد وفي ذلك تعبير حي عن أن الفلسطيني لن ينسى وطنه المسلوب طال هذا الزمن أم قصر,
    بالتكيد أن هنالك استفادة من الماضي وخبراته في الحاضر والمستقبل مثلا: كانت الجامعة العربية قد فرضت مقاطعة على اسرائيل والشركات التي تتعامل معها عالميا وبعد كامب ديفد السادات وبيغن رفعت هذه المقاطعة , لكن بدات مقاطعة شعبية اخطر من السابقة تقودها نخبة من الناشطين الفلسطينيين والعرب في اوروبا والعالم وهي تنجح باستمرار وتضايق العدو الصهيوني كثيرا فقد قوطع اكاديميا وثقافيا ومن نواح تجارية.
    ثم هنالك الانتفاضة مازالت مستمرة وان حاول بعض الخونة المساس بها لكنها باقية وان كانت تخبوا احيانا الا انها تعود وتظهر من جديد وبصورة اقوى واكثر عنفا ورعبا
    ان مسيرات العودة جاءات لتذكر اسرائيل والفلسطينيين الذين تخلوا عن العودة والعرب المتآمرين مع ترامب بان فلسطين جميعها ليست معروضة للبيع في اسواق النخاسة وان شعب فلسطين ومعه احرار العرب والعالم مصممون على استرداد حقوقهم رغم ترامب.
    هذه محاولات مستمرة اما الحخلقة النافصة فهي عدم وجود قيادة وطنية تهدف للتحرير وتشرذم القيادات الفلسطينية وقبول انصاف الحلول من غالبيتها مما أدى الى استمرار تهويد القدس وتهويد يافا قبل النكبة اي ان العدو مستمر في التهويد.

  3. شكرا للسيده خلف على هذه المقارنه و ان دل ذلك على شيء فسوى ان المشروع الصهيوني لم يتغير و لم يتأثر بمرور السنين و يتلخص هذا المشروع في نقطتين إخراج الشعب الفلسطيني بالعنوه و إقامة كيان صهيوني مكانه. و اذا حصلوا على المزيد ما بين النيل و الفرلت فلم لا ؟ هذه هي الصهيونيه التي نحاربها و ليس لهذا علاقه بالدين او العرق و هذا ما يجب ان يفهمه الغرب و كل العالم ان كفاح الشعب الفلسطيني لاستعادة ارضه ليس له علاقه بلاساميه او ارهاب بل بالعكس الصهاينه هم الذين يمارسون العنصريه ضد الفلسطينيين و ابشع انواع الارهاب و لن تنفعهم ترساناتهم المسلحه و اموالهم و تأثيرهم على امريكا و معظم الرأي العام الغربي فهم في نهاية المطاف في قبضتنا نحيط بهم و لا يحيطون بنا و يجب ان يبقى الهدف عندنا هو اقتلاع الصهاينه من ارضنا و ان لا نرضى ابدا بأنصاف الحلول و التاريخ يكتب في كل يوم في كر و فر و هو ما يحصل و ليس ما كان او يكون ممكناو كلمة لو لا تغير مجرى التاريخ و لكن فقط اصحاب الحقيقه و حماتها فوقودهم لا ينضب على مر السنين و اما الباطل الصهيوني فهو الى زوال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here