بين “التفنيص الثوري” و”الاستسلام”: هل لا يزال منطق “جيل الأنتلجنسيا العربية الثالث” يهيمن على المسار السياسي العربي؟؟؟

 nouha-khalaf.jpg66

 

د.نهى خلف

لقد استخدم المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ مصطلح “جيل الانتلجنتسيا العربية الثالث” منذ السبعينيات ،  و يمكننا عبر تحليله لهذه الظاهرة وشرحه لها،  أن نستخلص أن التناقضات  والهزائم  المستمرة حتى الآن،  أكانت على الساحة الفلسطينية بشكل خاص  أوالعربية  بشكل عام،  تجد جذورها في إخفاقات هذا الجيل وفي  التناقضات الفكرية الكامنة في منطقه  حيث كان ولا يزال يتأرجح بين “الرومانسية الثورية” و”الواقعية المحافظة” و”الاستسلام” .

يقول ياسين الحافظ “لعل الأخفاق الأسوأ الذي مازلنا نعيش في دوامته هوإخفاق جيل الانتلجنسيا العربية الثالث، الجيل الذي أراد أن يشكل نقيضا للجيل السابق المهزوم وتجاوزه، فخلافا للجيل الثاني (الوفد في مصر، الكتلة الوطنية في سوريا، الاستقلال والأهالي في العراق، الخ) الذي كانت الخيبة الناجمة عن هزيمة الجيل الأول (محمد عبده، عرابي، عبد الله نديم، مصطفى كامل، الخ) تدفعه إلى مصالحة-تسوية مع الاستعمار تقبل باستقلال ما، والذي تجرع ليبرالية ما (جاءت بها أوفرضتها الكولونيالية) تصالحت سياسيا مع التقليد، والذي جندلته إسرائيل، ذات الستمائة ألف نسمة آينذاك، بهزيمة شنعاء عام 1948. خلافا للجيل الثاني ذاك، جاء الجيل الثالث، مستفيدا من سياق دولي موات تمثل أساسا في بروز المعسكر الاشتراكي كقوة وازنة على المسرح الدولي، ليعبر، على الصعيد السياسي، عن نزوع راديكالي وغير متصالح مع الاستعمار. لكن، لأنه كان محافظا على الأصعدة الإيديولوجية والثقافية والاجتماعية، كانت قدرته على تحديث بنى المجتمع العربي، بما في ذلك الاقتصادية، محدودة جدا تارة،ومعدومة تارة أخرى، وهذا ما جعل راديكاليته السياسية المستمدة إلى بنى مفوتة، في تصديها للهيمنة الإمبريالية وإسرائيل، تأخذ طابع رومانسية ثورية، كانت تتحول مع تأكد العجز والتآكل، كما تجلى في هزيمة حزيران ، إلى تفنيص ثوري (أومنفخة ثورية). ومن طبيعة الأشياء أن يتحول التفنيص الثوري بعد ارتطامه بالواقع، إلى استسلام. “

كما انتقد المفكر اللبناني جورج  قرم ما يسمى ‘بالفكر العربي الثوري المبسط’ الذي انتجه نفس  هذا الجيل حيث اعتبر ان إسرائيل هي نتاج مبسط للامبريالية. فظهور هذا  الفكر منذ الخمسينيات والستينيات، قد أدى إلى  تفصيل نظريات خاصة  ترى  ان فشل العرب في مواجهة الصهيونية ناتجا فقط عن مؤامرة الغرب الإستعماري،  الذي هووحده مسؤول عن نشأة  دولة إسرائيل  كإمتداد للسياسات الإستعمارية التقليدية التي كانت الأمة العربية دائما ضحية لها. وقد تجاهلت هذه النظرة الأسباب الأخرى الكامنة في الضعف العربي الذي تسبب في سلسلة من الهزائم كما تجاهلت أيضا  الأسباب المختلفة لدعم البلدان الغربية للمشروع الصهيوني الذي كان قد سبق العرب في تطوير نظرياته “الثورية”  المفبركة والمغرية للفكر الغربي .

وبالمقابل فقد نشأ في مواجهة هذا ‘الفكر الثوري المبسط ‘ ما سماه جورج قرم ‘ الفكر العربي المعتدل’  والذي رأى على عكس الفكر الثوري ان الولايات المتحدة أسيرة اللوبي الصهيوني، وركز بالتالي على  محاولة التأثير على الرأي العام الغربي، وخاصة الرأي العام الأميركي، مما أدى به الى  اعتماد استراتيجية تطالب  بعدم محاربة المصالح الأميركية في المنطقة بل التعامل معها، حتى وقع في فخ التبعية المفرطة للمخططات والمصالح الأمريكية، معتبرا ان ذلك قد يؤدي بالولايات المتحدة الى تفضيل العرب على الصهاينة ، بينما أدى هذا الانزلاق في الواقع  الى  صراعات بين الأنظمة العربية  المتنافسة على  التقارب مع الولايات المتحدة ولم يغير  شيئا من انحياز الولايات المتحدة  تجاه اسرائيل ، وبالتالي فقد فشل هذا التيار أيضا في فهم طبيعة العلاقات الدولية السائدة مما أثر سلبا  على قضية فلسطين.

 ويرى قرم إن فشل التيارات الفكرية السابقة قد أدى الى تقوية  الحركات الاسلامية  التي ساهمت في تشكيل جوهر الفكر السياسي لما يمكن أن نعرفه  اليوم “بجيل الانتلجنسيا العربية الرابع” والذي تبلور كرد فعل على  العجز السياسي للجيل السابق.  وبينما تشعبت وتكاثرت التيارات المؤمنة بأن ‘الاسلام هوالحل’ ،  طورت البعض منها  مفاهيم حول أهمية  ‘المقاومة الاسلامية’ كاستراتيجية للدفاع  عن الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني في وجه الصهيونية  إلا أن التركيز  على   الحقوق “الإسلامية”  قد ادى الى تذويب  “الحقوق الفلسطينية” مما  أدى الى انزلاق هذا الفكر نحوالتطرف وخاصة في معالجة القضايا الاجتماعية،

ورغم ادعائها بالعكس، فقد دعمت هذه التيارات الايدولوجيا الصهيونية التي تهدف الى  إنشاء قوميات دينية وطائفية في الشرق العربي على شكل كيانها،  حتى يصبح وجود الدولة الإسرائيلية كدولة عنصرية ودينية  مسألة شرعية ودائمة .

وقد ساهمت السياسة الأمريكية  منذ البداية في بلورة هذا التيار عبر تحريضه على معاداة الشيوعية ومحاربة “الإلحاد والإنحراف”  مما شجعه أيضا على محاربة الفكر القومي العربي . وبالتالي اعتبر جورج قرم أن الفكر العربي قد “تنازل” أمام الظاهرة الصهيونية.،وأشار انه يستخدم مصطلح  “تنازل”  بدلا من مصطلح “فشل” بشكل واع ليفسر عجز الفكر العربي  في مواجهة  الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية، كما ان  عدم قيام المثقفين العرب إلا نادرا  بأي نقد ذاتي لتفسير عجز الفكر العربي في نقضه للمنطق الصهيوني قد أدى الى  فشل الأنظمة العربية في تطويرإستراتيجية للدفاع والحفاظ على النفس في وجه توسع الكيان الصهيوني ، ولوضع حد للإنزلاق التدريجي نحوتفاقم الهوية الدينية والطائفية التي تكرس الهزيمة العربية والإنتصار الصهيوني.

.

إن الثورة الفلسطينية المعاصرة والتي تجسدت مؤسساتتها  في منظمة التحرير الفلسطينية منذ الستينات, لم تولد إذن في الفراغ ولكنها ولدت من رحم “جيل الانتلجنسيا العربية الثالث”. وبالتالي فإن ما تمخض  واستمر حتى اليوم من صراع فكري ما بين المثقفين والسياسيين الفلسطينيين والعرب الذين يعارضون المسار السلمي من جهة, ومواقف القوى التي وافقت  وشجعت هذا المسار من جهة أخرى, ليس الا انعكاسا للتناقضات الكامنة في فكر هذا الجيل منذ البداية.

فمنذاتفاقيات كامب ديفيد في عام 1979 تفاقمت هذه التناقضات على الساحة العربية ، بعد أن كانت قد بدأت بعض  الخلافات  تتبلورعلى الصعيد الفلسطيني منذ عام 1974 بسبب ما يسمى  برنامج ‘النقاط العشر’ وبدء  التفكير بمنطق الدولتين مع التخلي التدريجي عن البرنامج الاساسي الأول للثورة الذي كان يطمح الى دولة فلسطينية ديمقراطية وعلمانية على كل التراب الفلسطيني ولكن    اتفاقيات أوسلوالتي أبرمت في عام 1993 وكل ما تلاها من تنازلات قد عمق  وفجرهذه التناقضات على الساحة الفلسطينية ، بعد أن كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد تمكنت  من احتوائها عبر ثلاث عقود من الزمن ضمن شعار “الوحدة الوطنية”  والنضال من اجل تحرير  الأرض الفلسطينية.  وقد أدى هذا المسار الى المزيد من التعنت والوقاحة الاسرائيلية التي بدأت منذ عام 1996 المطالبة بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني وبالتالي إعادة النظر بتاريخ الشعب الفلسطيني حتى وصلت موجة  الوقاحة الى أوجها عبرمطالبة  الفلسطينيين اليوم  بالاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية  . هذا في الوقت نفسه الذي   كانت الدولة الصهيونية قد قامت بالضغط على الدول العربية لتغيير منظورها التاريخي  للقضية العربية والتخلي عن قضية فلسطين كقضية مركزية في وجدان الشعوب العربية.

ورغم المعارضة والانتقادات الفردية أوالتنظيمية المحدودة لهذا المسار إلا انه أصبح واضحا  عدم تمخض   أوتبلور أي تيار فكري – سياسي عربي  أوفلسطيني حديث قادرا  على مواجهة المد الصهيوني السياسي والإيديولوجي،  مما يجعلنا نتساءل ان لم نكن نزال  نتخبط  بين ‘الرومانسية الثورية والتفنيص الثوري’ من جهة مقابل’الفكر التنازلي والمحافظ  والاستسلام’ من جهة أخرى .

فكلما جاء موعد ذكرى’ النكبة’ انهالت المداخلات والمقالات والتجمعات والتظاهرات التي تتسارع لتسجيل ذكرى هذا الحدث غير العادي في تاريخ الشعوب  العربية، مما يجعل من الضروري التعمق في مغزى كل مقال وكل مداخلة وكل تجمع عبر المصطلحات والمفاهيم المستخدمة  لاعادة تشكيل التصورات الكامنة والتفكير الاستراتيجى المنبثق من تلك التظاهرات وتحديد طبيعة  الفكر السياسي الفلسطيني الشائع عبرها :  فهل هوفكرا مثاليا أم ماديا؟ فكرا متحركا وجدليا ام فكرا جامدا متحجرا؟ وهل هناك تكرارا أم ابداعا؟ وهل هناك تراكما وإضافات أم هل أصبحت هذه الذكرى مسألة  شبه فولكلورية أوشبه دينية حيث أصبح مصطلح ‘النكبة’ نفسه يبدووكأنه يشير في بعض الأحيان الى حدث  محدود في الزمن مثل زلزال أوعاصفة أوكارثة طبيعية أحلت بالشعب الفلسطيني، لتشبه الى حد ما ‘المحرقة’ التي تستخدمها  الحركة الصهيونية وتخزنها  في معلبات جاهزة  للتوزيع  عبر الاجيال؟ مع الفرق الشاسع ان الحركة الصهيونية بأدواتها الاعلامية تمكنت من تضخيم الحدث  وادخال  ‘المحرقة’ في وجدان وضمير الدول الاوروبية التي تشعر بالذنب تجاه  الدولة الصهيونية  بينما لم يتمكن المفكرون والمثقفون العرب والدعاية الثورية العربية من ادخال ‘النكبة’ كحدث حتى  في ثقافة ووجدان  الدول العربية ، ناهيك عن ثقافة الدول الغربية.

 ويبدواليوم انه من  المشاكل الاساسية  التي تواجهنا  كامنة في اسلوب ومنهجية معالجة ‘النكبة’ ليس فقط كحدث  محدود في الزمان بل أيضا في المكان،  وكأنه كارثة وقعت فقط على رؤوس الشعب الفلسطيني وليس على تاريخ وشعوب المنطقة العربية ككل . وكأن هذا الحدث يخص الفلسطينيين وحدهم وكأنه غير مرتبط بإتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت عام 1916والتي قسمت المنطقة العربية الى عدة مناطق لكي تسمح بالتخلي فيما بعد عن الأرض الفلسطينية وتفتح المجال  لنصب الدولة الصهيونية بشكل قصري في قلب البلاد العربية التي كانت قد بدأت تعبر  عن وجودها السياسي  كأمة واحدة ذات تاريخ ولغة وجغرافية وثقافة وديانات مشتركة منذ نهاية القرن التاسع عشرفي ظل استمرار الهيمنة العثمانية.

ولذلك يبدوان السؤال الأساسي  الذي يجب أن يطرح  دائما  عندما نتذكر النكبة وتتسارع  في اذهاننا الصور(الحروب والاحتلال) والمشاهد(المجازروالمعتقلات) والذكريات (اللجوءوالتشرد والحصار ) هو:هل كانت ولا تزال ‘ النكبة’ ‘نكبة فلسطينية’ بامتياز  ام ‘نكبة عربية شاملة’؟؟

فإن كانت النكبة ‘فلسطينية’  فقط، ولا تشمل الدول العربية، فقد يصبح الاستنتاج المنطقي خطيرا حيث يمكننا  بناء على ذلك، ادراج مفهوم’ العروبة’ تحت عنوان ‘التفنيص الثوري’ و’الرومانسية’ ووضع كل أفكار ونظريات المفكرين الأوائل حول ركائز الأمة العربية في مزبلة التاريخ، مما يجعل بالمقابل افكار مثل التي يروجها مارتين كريمر، المفكر الصهيوني، الذي يعتبر ان فكرة القومية العربية خاطئة بالأساس في مقال بعنوان’الهوية المغلوطة’، الأكثر رواجا.

أما بالنسبة لانتفاضات وثورات  الربيع العربي،والتي كان من المفترض أن تساهم في بلورة ‘جيل جديد من الانتليجنسيا العربية’ قد نعرفه “بالجيل الخامس” حسب التصنيف  السابق، فقد فشلت  في خلق الأجواء المواتية  لنشأة هذا الجيل حيث ان التصورات السائدة  والمنطق السياسي المهيمن على هذه التحركات كانت تبدووكأنها خليط ما بين أفكار “جيل الانتلجنسيا االثالث” المتمثل بالرومانسية الثورية وأفكار “الجيل الرابع” المتمثل بالتيارات الاسلامية، كما إن إدخال وسائل الاتصال الالكتروني الحديث في الدفع من أجل الإنتفاضات الشعبية قد أدى الى مزيد من الخلط بين ايديولوجيات ومنهجيات متناقضة، فلم تتمكن حتى الآن من بلورة  وابراز جيل جديد من الانتليجنسيا العربية التي ستتمكن من بناء مستقبل أرقى للعالم العربي ، وخاصة  بعد أن أصبح واضحا يوما بعد يوم ان هذه الثورات تجاهلت قضية فلسطين كقضية مركزية  في مسار الثورات  العربية، بل ساهمت في خلق مشاكل وكوارث جديدة أصبحت تطغي على  جوهر المشكلة في العالم العربي وهي مشكلة الاحتلال والتوسع الصهيوني،  وإلا فكيف يمكننا ان نفسر غياب هذه المعادلة  البسيطة من مصطلحات ثورات الربيع العربي؟؟ فهل كان مستحيلا مثلا  اضافة  مفهوم ‘فلسطين عربية’ بعد ‘عيش حرية عدالة اجتماعية’ ام هل كان شعار  العيش والحرية والعدالة محصورا في  حدود الدول المرسومة منذ عام  1916

والتي عزلت فلسطين وبالتالي غيبت موضوع الاحتلال؟؟ فهل كان من الاستحالة أيضا إضافة مصطلح ‘انهاء الاحتلال’ بعد مصطلح ‘اسقاط النظام’؟؟؟ مع العلم ان معظم المفكرين العرب يعلمون جيدا ان الأنظمة العربية التي طالبت الجماهير باسقاطها كانت متحالفة  اومتصالحة مع الاحتلال بشكل علني أوضمني وان هذه التحالفات قد أدت الى مزيد من الفساد والتخريب على الصعيد الاقتصادي. ان موضوع ‘النكبة’ و’الربيع العربي’  يرجعنا الى البحث  عن جزور ومعنى العروبة: هل هي اسطورة أم اكذوبة ؟؟ أم هل هي شيء كان وانتهى؟؟ وهل هي حلم  أم نفاق أم ‘تفنيص ثوري’ ؟؟؟

 أم هل أصبحت  ‘اللغة’  العربية فقط   كل ما تبقى من رابط بين العرب ؟؟ مثل ما قال محمود درويش منذ ثلاثين عاما:

“لا تَذْكُرِ الموتى، فقد ماتوا فُرادى أَو.. عواصمْ

سأراك في قلبي غداً, سأراك في قلبي

وأجهشُ يا ابن أُمِّي باللُغَهْ

لغةٍ تُفَتِّشُ عن بنيها، عن أراضيها وراويها

تموتُ ككُل مَنْ فيها وتُرمى في المعاجمْ

هي آخرُ النَّخل الهزيلِ وساعةُ الصحراءِ،

آخرُ ما يَدُلُّ على البقايا

كانوا، ولكنْ كُنْتَ وحدك

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. مقال نقدي زمتألم. لكنني شعرت بغرابة الخاتمة. فمحمود درويش هو من المثقفين المعترفين بالكيان الصهيوني . فكيف تنقد الكاتبة هزال اجيال المثقفين ثم تختم بواحد منهم كقفلة هي معجبة يها! لو كان المقال في الفن والشعر…الخ يمكن فهم اللجوء إلى درويش. اعتقد ان النقد يجب ان يذهب إلى مداه

  2. في هذا المقال الفضفاض لم تطرح الدكتورة سؤال الثورة: هل قام العرب في تاريخهم الحديث أو حتى الوسيط بأي ثورة على نظام؟ وانا اعني “ثورة” مثل الثورة الفرنسية أو البلشفية أو الايرانية، تقلب النظام رأسا على عقب وتستبدله بنظام جديد ورؤية مستقبلية جديدة. بالتأكيد لا يمكن تسمية الانقلابات العسكرية التي جاءت بالقومية العربية ثورات مع أنها لاقت في البداية تأييدا شعبيا، كما لا يمكن تسمية الحركة الفلسطينية ثورة بل هي حركة تحرر من الاستعمار مثلما حصل في الجزائر. ولا ادري من اطلق اسم “الثورة العربية الكبرى” على رعاة الجزيرة الذين قادهم الانجليز ضد الاتراك.

    بكلمات اخرى، لا يوجد في تاريخنا كعرب ثورة حقيقية يمكن ان نفتخر بها- هناك فكرة رومانسية الثورة ولكنها فكرة بدون أيدي وبدون ارجل. “الربيع العربي” – والتسمية دقيقة في نظري لأن العرب خرجوا في شبه نزهة في الشوارع- يشير الى أن العرب محافظون في سلوكهم- لا يأخذون أي مجازفة: متى قرأت عن عربي تسلق جبل افرست؟- ركاك الفكر – لم ينتج العرب فكر انساني عالمي يمكن أن تفهمه وتتملكه شعوب العالم، معظم فكرهم تقليد لافكار اخرى- قصيري النظر – اطول خطة تنموية عربية سمعت عنها لم تتجاوز السبع سنوات- منافقون – يقولون ما لا يفعلون- انانيون – لا يوجد مفهوم “المصلحة العامة” في الثقافة العربية، ولذلك يهمك الزبالة في الشارع ما دام بيتك نظيف- واهم شيء في صفات العرب الذي يمنعهم من خوض غمار الثور في نظري هو الخوف. العرب من اجبن شعوب الارض لأنهم يخافوا من اولياء الامور، ويخافوا من كلام الناس، ويخافوا من الحرام، ويخافوا من انتقاد الذات، ويخافوا من نقد التقاليد والعادات، الخ….. الخوف هو اساس طبيعتنا المحافظة وليس العكس.

    في النهاية، أعتقد من الافضل ان نتخلى عن شيء اسمه “العروبة”، لانها فكرة رومانسية لا حول لها ولا قوة، الا اذا اعتبرت دول النفط الخليجي ممثلا لها، عندها لن تجوعي ابدا!

  3. تركز العديد من الطروحات التي تتناول القضية الفلسطينية في تناولها للجهات الداعمة للمشروع الصهيوني على اعتماد الجوانب الأخلاقية ( الدين ، القومية ، العرق ،البروباغاندا ) في تفسير مواقف تلك القوى . فإدا كان الدين هو المحدد الأساس لموقف الغرب ( الإمبريالية ) ، كان من الأولى دعم كيان مسيحي بفلسطين على حساب المسلمين و اليهود . أما إدا كان الدافع قومي أو عرقي فكان من المنتظر دعم عرب فلسطين على حساب اليهود على اعتبار أن العرب الدين يعيشون في الدول الداعمة للكيان الصهيوني يفوقون بكثير أعداد اليهود و بالتالي كتلة ناخبة اكبر . أما فيما يخص التعريف بالقضية و الدعاية لها فالأنظمة العربية و خاصة البترولية تمتلك إمكانيات مالية هائلة جزء منها موظف في الإعلام . إن العامل الرئيس الدي يتحكم في تحديد تلك القوى لموقفها من القضية الفلسطينية هو المصلحة المادية ، وفي هدا الإطار تلتقي مصالح الرأسمالية العالمية مع مصالح الأنظمة العربية العميلة لها . إن الأنظمة العربية المستبدة و المستفيدة من استغلال شعوب و خيرات البلدان التي يتحكمون فيها و المتآمرة على الشعب الفلسطني بحاجة إلى الحصول على الدعم و الحماية من طرف الإمبريالية مقابل حصولها على نصيب وافر من خيرات الشعوب العربية . فهل تستطيع القوى الغربية الداعمة للكيان الصهيوني أن تضحي بمئات الملايير من العملة الصعبة سنويا ، وتفقد قواعدها العسكرية الحيوية المنتشرة في بلدان العالم العربي من أجل الإستمرار في دعم الكيان الصهيوني ؟  

  4. ان هذا العرض الطويل في الحديث عن التغيرات الفكرية وإفرازاتها الواقعية في المنطقة العربية ان كان قد أصاب في بعض النقاط فقد جانبه الصواب في البعض الاخر اولا ان العرب ما زال ينتظمهم احساس شامل بأنهم أمة واحدة يجمعهم الهم والمعاناة الواحدة وما المظاهرات المليونية علي مدي الوطن بدءا من الهجوم علي العراق او تضامنا مع غزة الا دليلا قويا علي ذلك الترابط الشعوري العربي من المحيط للخليج وما الربيع العربي وانتفاضاته الا دليلا ساطعا علي ذلك حيث تجاوب العالم العربي علي طول الوطن وعرضه مع ألب وعزيزي ثانيا ان جماهير الحراك كانت من الشباب الذين لم يتشكل منهم جيل من المفكرين والمبدعين الذي لا بد ان يتشكل في قادم الأيام وخاصة ان الحراك لم يحقق أهدافه لأسباب عديدة لعل أهمها ان من تصدوا لقيادة الحراك هم من الذين نشأت وتكونت أفكارهم مشاعرهم في ظل الاستبداد والقمع وليس منهم من عاش الحرية وليس منهم من تصدي للمشاكل الحقيقية للأمة من تبعية واستبداد وقد كانوا يمارسون نفس ممارسات السلطة داخل أحزابهم ولعل من الأمور المهمة هو تهميش الكثير منهم وخاصة الإسلاميون لدور الشعوب واعتمادهم علي دور النخبة وباليتها كانت نخبة بل جسم ضخم يقوده قلة

    تعد علي أصابع اليدين ان ام تكن اليد الواحدة ثالثا اما الوجع الأكبر والهم الأكبر فلسطين فقد كانت بسبب الغرب الذي وضع سايس بيكو وزرع اسرائيل في سبيل استمرار نهبه وهيمنته علي العالم وكانت اسرائيل التي تحمي إفرازات سايس بيكو وإفرازاتها ولذا للمواجهة اسرائيل لا بد من العمل علي مواجهة التجزئة وإسرائيل اما بالنسبة لغياب شعارات فلسطين عن الربيع فليس بسبب غياب هذا الهم عن عقول ومشاعر الجماهير العربية ولكن لأنهم بتحقيق كرامتهم وحريتهم التي دعوا اليها والتي لا يمكن ان تتم بدون المواجهة مع اسرائيل ولعل ما حدث اثناء الهجوم علي السفارة الإسرائيلية لدليل علي ان الشعوب العربية تعرف طريقها

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here