بين التطبيع الديني وحملات المقاطعة في العالم، ما مستقبل فلسطين؟

أنطوان شاربنتييه

تعددت طرق ومجالات التطبيع العربية وغير العربية مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية، مما أدى إلى تناسي البعض للمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وأطيافه. وأصبح في أيامنا هذه، التطبيع وخاصة الديني منه سواء أكان مسيحيا أو إسلاميا حالة طبيعية للبعض، يبررها بالحجج اللاهوتية والفقهية، والعمل الرعوي، أو تحت عنوان الحج وزيارة الأماكن المقدسة.

في ظل حالة التطبيع الديني القائمة في أيامنا هذه، نلاحظ أن هناك العديد من حركات المقاطعة التي ترفع لوائها عدة مؤسسات دينية إسلامية ومسيحية. وازدادت هذه الحركات زخما منذ انطلاقها في عام 2005 وحتى الآن وهي تشمل العديد من المنظمات الدينية واللادينية العربية والغربية وحتى بعض الدول والحكومات خاصة غير العربية.

يعاني المسيحيون في العالم وفي الشرق الأوسط خصوصا كما كل المكونات الاجتماعية والدينية من الاختلاف و بالتالي الانقسام بخصوص القضية الفلسطينية، فترى منهم المؤيد المتساهل، و الديبلوماسي و المطبع، و المقاوم المتمسك بفلسطين.

أما بالنسبة للفاتيكان فهو لم يعترف بدولة فلسطين إلا في سنة 2015 مما أتى متأخراً جداً إذا أخذنا بعين الإعتبار اعتراف الفاتيكان بإسرائيل سنة 1993. وما يزال الفاتيكان ولعدة اعتبارات يعتمد الخطاب الديبلوماسي في مواقفه من القضية الفلسطينية وهي مواقف كلاسيكية وروتينية وديبلوماسية. ربما لدى الفاتيكان مبرراته على غرار العديد من الدول الأوروبية. لكن في الحقيقة يشدد الفاتيكان بوضوح على ضرورة الحوار ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لكن لا شك أن الجميع يعلم مَنْ يرفض الحوار، و مَنْ يمارس الاحتلال و التمييز العنصري، ومن يفرض كل سبل الحصار وطرق التنكيل والتضييق والمضايقات إضافة إلى قضم الأراضي الفلسطينية و تدمير المنازل و بناء المستوطنات الصهيونية وتجريف الأراضي الزراعية خصوصا كروم الزيتون التي تعتبر الدخل الوحيد للكثير من الفلسطينيين.  

قد لا نستطيع لوم الفاتيكان لتبنيه موقفا دبلوماسيا، فكما قلنا ربما لديه مبرراته، لكن هناك بعض الأمور التي لا تستطيع الشريعة المسيحية التغاضي عنها، خصوصا إذا اخذنا بعين الاعتبار انجيل متى 25, 35~45: ” يقول الملك للذين عن يمينه : تعالوا يا مباركي أبي، الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم

.

إني جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فأسقيتموني. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فعلتم ف «ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ، لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تزوروني.

كلمات السيد المسيح، واضحة وضوح النهار و هي تحث على نصرة الحق، المظلوم، الفقير والمستضعف.

إن مواقف الفاتيكان الديبلوماسية عموماً تؤدي إلى رد فعل قاسٍ بعض الشيء من قبل الكنائس الفلسطينية التي نشطت بوقفات عدة ضد الاحتلال الإسرائيلي والتطبيع، ففي عام 2009 كان هناك وقفة حق من أجل فلسطين, وفي عام 2018 التقى 300 من ممثلي الكنائس المسيحية الفلسطينية في وقفة حق ثانية من أجل العدالة في فلسطين.

ونذكر هنا موقف مجمع الكنائس الشرقية المؤيد بشكل كلي للقضية الفلسطينية، وحق الفلسطينيين بقيام دولة لهم، والعيش بحرية وكرامة، كما شدد مجمع الكنائس الشرقية على حق العودة في اجتماعه الذي جرى في بغداد في عام 2018.

ونذكّر هنا أيضا بمواقف بابا الأقباط شنودة المناهض لإسرائيل والداعي إلى مقاطعتها، وعدم الحج إلى الأراضي المقدسة ، لكن يأتي موقف البابا تواضروس معاكسا تماما له, إذ زار القدس في عام ٢٠١٥. أما البطريرك الماروني الحالي بشارة الراعي فقد ذهب لزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة بذريعة مرافقة البابا عام 2014 ، وهنا يجب التنويه أن البابا لم يفرض هذه الزيارة على البطريرك، بل أن هذا الأخير وضعها من تلقاء نفسه في سياق العمل الرعوي.

وهكذا نلاحظ أن هناك تباينا حادا بين مواقف الحكومات، ورجال الدين وبين مواقف الشعوب العربية من قضية فلسطين، والتي تبقى بغالبيتها مؤيدة بشكل كلي وفعلي للقضية الفلسطينية. ونتساءل هنا إن كان أحد أهداف الكنيسة هو الإصغاء إلى شعب الله فلماذا نرى في هذه الأيام، التطبيع، والتساهل والخطاب الدبلوماسي وزيادة في أعداد الحجاج؟

يظهر التقرير الرسمي لوزارة السياحة الاسرائيلية، أن عدد الحجاج المسيحيين زاد في سنة 2019 بمعدل 10.6% وأن العدد الإجمالي يقارب حوالي ٤،٦ مليون شخص، ناهيك عن عدد الحجاج من الديانات الأخرى. إننا لا نطالب الكنائس بقطع زيارتها إلى الأراضي المقدسة ولو أن ذلك ممكن ان يكون ورقة ضغط على الحكومة الإسرائيلية للعودة إلى طاولة المفاوضات، ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، ولكن نطالب بتمسك الكنائس بحق تقرير المصير للفلسطينيين وحق العودة.

كثرهم الذين يؤكدون أن الحج الديني وخصوصا المسيحي هو لدعم أهل فلسطين، هنا يجب أن نطرح عدة أسئلة : الأول ما هو المردود المعنوي و المادي من رحلات الحج هذه على الفلسطينيين عموما و المسيحيين منهم خاصة ؟ وما مصير المئات من المسيحيين المحاصرين في غزة الذين لا يتحدث عنهم أحد ولا يزورهم أحد إلا فيما ندر؟؟ ما هي الأوراق التي بيد الديبلوماسية الكنسية الغربية لإيجاد حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية؟ وما هي الأسباب التي أدت فعلاً لتدني نسبة الوجود المسيحي في فلسطين مهد المسيحية، من حوالي 30 بالمئة عام  1948 إلى حوالي 2% فقط في أيامنا هذه؟

 

كاتب لبناني

 

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here