بينهم السيدة فاطمة الزهراء وسيبويه والبخاري والوزير العلقمي.. الموت كمداً وأبرز من اختطفهم في التاريخ الإسلامي

لندن- متابعات: “سلام الله على قوم عاشوا تجلُّداً وماتوا كَمَداً”!! هذه العبارة ساقها الإمام ابن المحدّث عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- على لسان الفتاة الدمشقية ‘الزلفاء‘، جارية الخليفة الأمويّ سليمان بن عبد الملك (ت 99هـ). ولعلها تلخص لنا ما أكدته -في السنوات الأخيرة- دراسات علميّة تحدثت إحداها عن “أن الحزن الشديد على فقدان شخص عزيز يمكن أن يوهن قدرة الجسم على مكافحة الأمراض المعدية، وأنّ التوتّر العاطفي لفقدان المحبوب يمكن أن يقود إلى كبت أجزاء من جهاز المناعة”، وفق تقرير”الجزيرة”.

والعجيبُ أنّ العرب ذكروا -منذ القديم- الحُزن سببًا مباشرًا وحقيقيًّا للوفاة، بعيدًا عن المجاز والمبالغة الأدبية؛ بل إن المؤلفين من المسلمين كانوا يذكرونه -في كتب التاريخ وتراجم الأعيان وبمنتهى الثقة والجديّة- علةً لوفيات كثير ممن ترجموا لهم رجالا ونساء. ونسبوا عددا من الكبراء والقادة والعظماء والعلماء والأئمة والمشاهير إلى الموت بسبب الحُزن.

بل إنهم كان لهم في ذلك تعبيرٌ مشهور هو: “مات كَمَدًا”؛ والكمدُ في اللغة كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) في معجمه اللغوي المسمى ‘العين‘: “همُّ وحزنٌ لا يُستطاع إمضاؤه”. وسنحاول في هذا المقال أن نقدم قصصا متنوعة لمشاهير -من كل الطبقات والأمصار والأعصار- كان الحزن والغمّ سببا مباشرا في موتهم.

الموتُ عشقًا

كان العرب يزعمون أن للموت كمدًا صورًا محسوسةً تُرى وتُلمس؛ ومن أشهر ما ذكروا في ذلك الموتُ بسبب العشق، وخاصّة إذا كُتم؛ ذلك أن “المحبة إذا ظهرت افتُضح بها المُحِبُّ، وإذا كُتمت قَتلت المُحِبَّ كمداً”؛ كما نقل الإمام ابن الملقن الشافعي (ت 804هـ) -في كتابه ‘طبقات الأولياء‘- عن الرجل الصالح محمد الراسبي البغدادي (ت 367هـ). ويقول الإمام أبو بكر محمد بن داود الأصبهاني الظاهري (ت 297هـ) -في كتابه ‘الزهرة‘ الذي أكثر فيه من ذكر قصص العشاق وأحوالهم- إنه “ربما قَـتَـل العاشقُ نفسَه، وربما مات غمًّا، وربما نظر إلى معشوقه فيموت فرحا أو أسفا”!!

وأهل الأدب في كتبهم وأقاصيصهم يذكرون عجبًا في موت العُشّاق بسبب الكتم أو بسبب الحرمان من الوصال، وأشهر قتلى العشق هو عُروة بن حزام (ت 30هـ). وقد ذكره الإمام الذهبيّ (ت 748هـ) -في كتابه ‘سير أعلام النبلاء‘- فوصفه بأنه “شابٌّ عُذْرِيّ قتله الغرام”. وخبرُه مع ابنة عمّه عفراء مشهور، إذ رفض أبوها أن يزوجها إياه لفقره، وزوّجها ابنَ عمٍّ لها غنيًّا “فهلك في محبّتها عروةُ”؛ وفق تعبير الذهبيّ.

وعُروة العذريّ هذا من قوم من قبيلة قضاعة اليمنية التي كانت تسكن شمالي جزيرة العرب، ويُنسب إليهم “الحبُّ العُذْريّ” (= الحب العفيف)؛ وقال فيهم المحدث الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842هـ ) –في كتابه ‘توضيح المشتبه‘- إنهم “بنو عذرة بن سعد هذيم المشهور فيهم الهوى وقتْلاه. وقد سُئل بعضهم عن سبب [كثرة] قتلى الهوى فيهم؛ فقال: في نسائنا صباحة (= جمال)، وفي رجالنا عفة”.

وقد لحق عروةَ على طريق “الهوى العذري” جميلُ ابن معمر العُذريّ المشهور بـ”جميل بُثينة” (ت بعد 82هـ)، وكان عفيفًا هو الآخر، وترجم له الإمام الذهبيّ -في ‘السِّيَر‘- فامتدحه وأثنى على شعره؛ ثم قال: “يُحكى عنه تصوُّنٌ ودِينٌ وعفّة”، وذَكر أيضا -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه روى الحديث عن الصحابي الجليل أنس بن مالك (ت 93هـ) رضي الله عنه.

وأخبارُ العشاق الذين لقوا حتفهم في العشق تطول، ومن أراد الاستزادة منها فليراجع مثلا الجزء الأول من كتاب ‘الزهرة‘ للأصفهاني الظاهري، أو ‘طوق الحمامة‘ لابن حزم الأندلسي (ت 456هـ)، أو “باب في العشق ومن بلي به والافتخار بالعفاف وأخبار من مات بالعشق” من كتاب ‘المستطرف في كل فن مستظرف‘ لشهاب الدين الأُبشيهي (ت 850هـ).

فقد الأحبة

ولعلّ أكثر من ذلك ذكرًا وأهميّةً وأبعد من المبالغة؛ ذكرُ من ماتوا كمدًا لفقد عزيزٍ غالٍ، فكتبُ التراجم والتواريخ بقصص هؤلاء حافلة. وأوّلُ من يُذكر في هذا الباب: فاطمة بنت رسول الله عليهما السلام، فإنها ماتت بعده بستة أشهر وعمرها أربعٌ وعشرون سنة؛ وفق ما اختاره الذهبيّ في ‘تاريخ الإسلام‘.

وقد قال ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- إنها “لم تضحك في مدة بقائها بعده -عليه الصلاة والسلام- وإنها كادت تذوب من حزنها عليه”. فلم تكن وفاتُها –وهي لا تزال في ريعان شبابها وبعد مدّةٍ وجيزةٍ من وفاة أبيها عليه الصلاة والسلام- إلا بسبب الحُزن عليه.

على أن الموت حزنا على رسول الله أصاب بعض رجال الصحابة أيضا؛ فالعلامة المحدّث مرتضى الزبيدي (ت 1205هـ) يقول -في كتابه ‘تخريج أحاديث إحياء علوم الدين‘- إنه “لما مات [الرسول] صلّى الله عليه وسلم طاشت العقول؛ فمنهم مَن خبل، ومنهم من أقعِد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرِس فلم يطق النطق بالكلام، ومنهم من أضنى (= مرِض)…؛ وأضنى عبدُ الله بن أُنَيْسٍ فمات كمداً”.

ومن نماذج الموت بسبب فقد الأحبة؛ الربابُ بنت امرئ القيس الكلبية زوج الحسين بن علي عليه السلام (ت 61هـ)، قال الحافظ ابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘: “ولما توفي الحسين خُطبت الرباب وألحّ عليها، فقالت: ما كنت لأتخذ حَمْواً بعد رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فلم تزوج. وعاشت بعده سنة لم يُظلّها سقف بيت حتى بَلِيت وماتت كمدًا، وكانت من أجمل النساء وأعقلهن”!

وفي هذا المقام تُذكر أيضا الشاعرة الأمويّة ريّا بنت الغطريف السلمي، و”كانت ذات جمال باهر وأدب ظاهر ولها معرفة بأشعار العرب، وكانت تقول الشعر الجيد؛ عشقها عتبة بن الحباب بن المنذر الأنصاري (نجلُ الصحابيّ المشهور) فخطبها من أبيها، فلم يرغب أن يزوّجه لمّا علم أنّه عشقها –على عادة العرب حينئذ- فأغلى عليه المهر غلاءً شديدًا. لكن عتبة

لم يثنه غلاء المهر عن الإلحاح في طلب حسنائه فأعطى والدها ما أراده، “ثم أخذها ومضى، فلما قارب المدينة خرج عليه خيل كثيرة (= قُطّاع طرق) فقاتل عتبة حتى قُـتل، فحين علمت ريا بموته جاءت وبكت بكاء مُرًّا حتى أبكت عليه من كان حاضرا، وأنشدت شعرًا ترثيه، ثم شهقت شهقة فماتت”. وقد استوفت خبرها -الذي اختصرناه هنا- زينبُ بنت عليّ العامليّ (ت 1332هـ) في كتابها البديع ‘الدر المنثور في طبقات ربات الخدور‘.

رقة رجالية

ولئن اشتهر الموتُ لفقد الأحباب في النساء فإن للرجال فيه نصيبا أيضًا؛ ومن أقدم من ذُكر في هذا المضمار الأمير الماجد أبو حفص عُمر بن عبيد الله بن معمر، من صالحي التابعين و”أحد أجواد العرب وأنجادها”، مشهورٌ بالبطولة والكرم وخصال الخير، وكان “يُضربُ بشجاعته المثل”.

ذكره ابن عبد البر -في كتابه ‘الاستيعاب‘- في ترجمة والده الذي عدّه بعضهم في صغار الصحابة؛ فقال: “كان سبب موت عُمَر هَذَا أن ابن أخيه عُمَر بْن مُوسَى خرج مع ابن الأَشْعَث (ت 85هـ) [في الثورة على الحجاج الثقفي (ت 95هـ)] فأخذه الْحَجَّاج، فبلغ ذَلِكَ عُمَر وَهُوَ بالمدينة، فخرج يطلب فيه إلى [الخليفة الأموي] عبد المَلِكِ (ت 86هـ)، فلما بلغ موضعًا يقال لَهُ ضمير -على خمسة عشر ميلًا من دمشق- (يبعد عنها اليوم حوالي 45 كم) بلغه أن الحجَّاج ضرب عنقه؛ فمات كمدًا عليه”.

ومنهم الخليفةُ سليمان بن عبد الملك الذي عهد بالخلافة إلى عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ)؛ فقد مات حسرةً على ابنه أيّوب الذي تُوفي وعمره 14 سنة، وقال المؤرخ ابن أيبك الصفدي (ت 764هـ) -في ‘الوافي بالوفيات‘- إنه “كان بين أيوب وأبيه اثنان وأربعون يومًا”.

على أن الموت لفرط الحزن على الأحبة الراحلين قد يمتدّ زمنًا أطول من ذلك؛ فقد روى الحاكمُ النيسابوري (ت 405هـ) -في ‘المستدرك‘ وغيره بسند ضعيف- أن أبا بكر الصديق مات كمدًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم. ونقله عبد الملك المكّي (ت 1111هـ) -في ‘سمط النجوم العوالي‘- فقال إنه “ما زال يذيبه [الحزن] حتى مات”.

وجديرٌ بفقد الأحباب أن يكون مُمِيتًا، ولعلّ كثيرًا ممن يتجلّدون بعد أحبابهم فعاشوا إنّما يعيشون وهم دوما على أمل اللقاء بهم حيث هم؛ فقد روى أبو نعيم الأصفهاني (ت 430هـ) -في ‘حلية الأولياء‘- أن عُبيد بن عُمير الليثي المكي (ت 68هـ) –وكان من علماء التابعين ومفسريهم ووعاظهم- قال: “لو كنتُ آيسًا من لقاء من مضى من أهلي لمتُّ كمدًا”!!

وقد يرى الإنسانُ محبوبَه في حالٍ تسوؤه فلا يحتملُ أن يراه على تلك الحال مع عجزٍ عن نصرته وإنقاذه؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره كمال الدين ابن العديم (ت 660هـ) -في ‘بغية الطلب من تاريخ حلب‘- من أن “الديماس (= سجن بناه الحجّاج الثقفي في مدينته “واسط”، والديماس لغةً: الحفرة المظلمة في باطن الأرض) كان في زمن الحجاج حائطًا لا سقف عليه.

وكان الأحراس (= الحُرّاس) يجلسون على الحائط، فإذا تنحى المسجونون إلى الظل رماهم الأحراس بالحجارة حتى يرجعوا إلى الشمس، وكان يطعمهم خبز الشعير قد خلط فيه الرماد والملح بالزيت فلا يلبث الرجل أن يتغير. فجاءت امرأة تسأل عن ابنها فنُودِي به فخرج إليها، فلما رأته قالت: ليس هذا ابني! ابني أشقر أحمر وهذا زنجي، فقال: بلى يا أمّهْ! أنا ابنك وأختي فلانة وأخي فلان! ومنزلنا بموضع كذا وكذا! فلما علمت أنه ابنها شهقت فوقعت ميتة”!!

الاغتيال المعنوي

وقد يقعُ الموتُ كمدًا لما يصنعه الحاسدون والمبغضون من تشويه ظالمٍ أو تآمرٍ مُؤْذٍ؛ ولعلّ أشهر الأمثلة لذلك في التاريخ الإسلاميّ هو المحنة التي نالت الإمام البخاريّ (ت 256هـ) بسبب “مسألة اللفظ”. وخلاصة هذه المسألة أن أهل السنة -بعد فتنة خلق القرآن- تشددوا في المسألة؛ فلم يجوّزوا قول من قال: “القرآن غير مخلوق وألفاظ العباد مخلوقة”.

فكتب البخاريّ كتابه ‘خلقُ أفعال العباد‘ لتحرير هذه المسألة، فشغب عليه حاسدوه بها وآذوه أشدّ الأذى، وكان ابتداء تلك المحنة بعد قدومه إلى مدينة نيسابور (تقع اليوم شمال شرقي إيران). وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) -في مقدمة ‘فتح الباري‘- إن البخاريّ لما دخل نيسابور “قال محمد بن يحيى الذُّهْلي (ت 258هـ): اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى..، فتكلم فيه بعد ذلك”.

وقال الحافظ ابن عديّ الجرجاني (ت 365هـ) في كتابه ‘ترجمة من روى عنهم البخاري‘: “ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل البخاري لما ورد نيسابور واجتمع الناس وعقد به المجلس حسده من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه واجتماعهم عليه فقيل يا أصحاب الحديث إن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق…”، فهيّجوا عليه العامّة.

وصبر البخاريّ على ذلك الأذى صبرًا مُرًّا، ثم ارتحل إلى بخارى فامتُحن هناك أيضًا؛ فذكر الذهبيّ -في ‘سير أعلام النبلاء‘- أن أمير بُخارى –من قِبل الدولة الطاهرية- خالد بن أحمد الذهلي (ت 270هـ) سخط عليه بسبب رفضه أن يخصّه هو وأولاده بمجلس تحديث لقراءة ‘صحيح البخاري‘، وكان الأمير من أصحاب الحديث؛ فاستعان عليه ببعض الحُسّاد فتكلموا في مذهبه العقدي ونفاه الأمير من البلد!

وهكذا ضاقت الدنيا على الإمام البخاريّ، حتى استقرّ به المقام عند أقربائه بسمرقند، فسُمع –كما روى ابن عديّ بإسناده- ليلةً من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول في دعائه: “اللهم إنه قد ضاقت عليّ الأرضُ -بما رحُبتْ- فاقبضني إليك”! قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله “ليلة عيد الفطر…، وكان في بيت وحده”؛ كما ذكر الذهبيّ في ‘السير‘.

ومثل البخاريّ فيما جرى له من الموت غما من حسد الخصوم وتآمرهم؛ ما جرى للطبيب والمترجم المسيحي حُنين بن إسحق العِـبَادي (ت 260هـ) الذي كان مقربا من الخليفة العباسي المتوكل (ت 247هـ)، وهو ما أثار حسد منافسيه فـ”عمِل عليه أعداؤه حتى مات غما في ليلة واحدة”؛ حسبما أورده ابن فضل الله العمري (ت 749هـ) في كتابه ‘مسالك الأبصار في ممالك الأمصار‘.

صدمة الهزيمة

وقد يكون الموت بسبب قهر وصدمة تقع لصاحبه بعد هزيمة عسكرية، ولا قاتل كالهزيمة في الحرب وما تجرّه من شماتة الأعداء؛ وقد عبّر عن ذلك الأمير الأندلسي والشاعر المعتمد بن عبّاد (ت 488هـ) حين توعّد نظيره المسيحي ألفونسو السادس (ت 502هـ) بأنه “إن لم يصبح تحت السيوف فسيموت لا محالة كمدا”؛ على ما رواه الوزير الأديب لسان الدين ابن الخطيب (ت 776هـ) في كتابه ‘الإحاطة في أخبار غرناطة‘.

ومن أقدم الذين ماتوا من القهر إثر هزيمة عسكرية في تاريخنا: عبيد الله بن أبي بكرة، وكان كما وصفه الذهبيّ في ‘السير‘: “جوادًا ممدّحًا شجاعًا عظيم القدر”، وكان من رواة الحديث النبوي. مات عبيد الله سنة (ت 79هـ) بعد هزيمته على يد ملك الترك رُتبيل الذي أعدّ له ولجيشه كمينًا محكمًا في مضيق، “وقاتل الناس فأفلتوا وهم مجهودون، وسلكوا مفازة بُسْتْ (= منطقة تقع الآن في أفغانستان) فهلك كثير منَ الناس عطشًا وجوعًا، ومات عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة كمدًا لما نال الناس وأصابهم”؛ كما جاء في ‘فتوح البلدان‘ للبلاذريّ (ت 279هـ).

وممن مات كمدًا بعد هزيمته في الميدان الحربي أميرُ دمشق محمد بن أحمد الواسطي الكاتب (ت 271هـ)، وكان مع اشتغاله بشؤون الحكم يروي الحديث ويتعاطى العلم. وقد ذكر ابن عساكر -في ‘تاريخ دمشق‘- أن هذا الأمير “هرب من دمشق -بعد ‘وقعة الطواحين‘- إلى أنطاكية، فأقام بها مُدَيدةً وماتَ كمدًا”. ومعركة الطواحين هذه وقعت عند مدينة الرملة بفلسطين سنة 271هـ، وكانت بين الواسطي وسلطان مصر خمارويه ابن طولون (ت 281هـ) الذي انتصر فيها.

ومن أيضا موت ملوك الأعداء حزنا وكمداً بعد هزيمتهم أمام جيوش المسلمين؛ فالذهبي يروي -في ‘تاريخ الإسلام‘- أن أحد ملوك المسيحيين بالأندلس يُعرف بـ”ابن رُدمير” خاض سنة 528هـ معركةً مع جيش المرابطين في مدينة إفراغة (تتبع اليوم سرقسطة بشمال شرقي إسبانيا) “فانهزم الطّاغية ولم يفلت من جيشه إلا القليل، ولحق بسَرَقُسْطة فبقي يسأل عن كبار أصحابه، فيقال له: قُتِلَ فُلان، قُتِلَ فُلان؛ فمات غمًّا بعد عشرين يومًا، وكان بليَّة على المسلمين”.

ومثل ذلك ما وقع لملك التتار أبغا بن هولاكو حين انهزم جيشه في معركة حمص سنة 680هـ، فأصابته من ذلك صدمة نفسية كبيرة “فمات غمًّا وكمداً”؛ على ما يحكيه أبو الفتح اليونيني (ت 726هـ) في كتابه ‘ذيل مرآة الزمان‘.

ولعله أن يكون ممن قتلتهم الهزيمة العسكرية بغير سلاح أبو لهب بن عبد المطلب (ت 2هـ)، عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ فقد ذكر أصحابُ السير أنه مات بعد موقعة بدر بسبع ليال فقط، لكنّ الروايات اضطربت في سبب وفاته المباشر؛ وإن كان أبو الحسن ابن سعيد المغربي الأندلسي (ت 685هـ) يؤكد –في كتابه ‘نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب‘- أن أبا لهب “لما بلغه تأييد (= انتصار) النبي صلى الله عليه حسده، ومات غماً عقب ذلك”.

قهر الانحياز

ولعل أشهر من مات بعد منازلةٍ علمية في تاريخنا الثقافي: إمام النحو المشهور سيبويه (ت 180هـ)، مات في ريعان شبابه قهرًا وظُلمًا بعد مناظرةٍ مجحفة جرت بينه وبين الكسائيّ (ت 189هـ).

فقد اختلف الرجلان في مسألة نحويّة في مجلس الوزير العباسي جعفر بن يحيى البرمكي (ت 187هـ)، فكان الذين حكموا بينهما أصحابًا للكسائيّ فحكموا لصالحه، “وانصرم المجلس على أنَّ سيبويه قد أخطأ…، فيقال: إنه ما لبث إلا يسيرًا ثم مات كمدًا”!! وقد ذكر كثيرٌ من النحاة أن الحقّ كان مع سيبويه، وأن الحكم للكسائيّ كان انحيازًا لقربه من الوزير البرمكي؛ والقصة بطولها في ‘طبقات النحويين واللغويين‘ لأبي بكر الزبيدي الإشبيلي (ت 379هـ).

ويبدو أن الموت عقب الهزيمة في المناظرة لا يقلُّ شُهرةً وكثرةً عن الموت بعد الهزيمة في المعركة، والأخبار في ذلك متظاهرة، فمنهم الأديب المشهور أبو بكر الخوارزميّ (ت 383هـ)، وكان ذا صلةٍ كبيرةٍ بملوك عصره وأمرائهم، ومرّت به أحوالٌ من التعرض لرضاهم وسخطهم، ودخل في ذلك السجن غير مرّة، لكن وفاته لم تكن إلا بعد مناظرةٍ لم يحتمل قلبُه الهزيمة فيها.

وقد ذكر أبو منصور الثعالبيّ (ت 429هـ) -في كتابه ‘يتيمة الدهر‘- طرفًا غير يسير من أخباره إلى أن بلغ محطته الأخير؛ قال الثعالبي: “نظر إليه وُلاة الأمر بنيسابور بعين… الإكرام والإعظام، فارتفع مقداره وطاب عيشه، إلى أن رُمِي في آخر أيامه بحجر من الهمذاني الحافظ البديع (= بديع الزمان الهمذاني صاحب ‘المقامات‘ المتوفى 395هـ)، وبُلِي بمساجلته ومناظرته ومناضلته، وأعان الهمذاني.. عليه قوم من الوجوه (= الأعيان) كانوا مستوحشين منه جدًّا، فلاقى ما لم يكن في حسابه…، وأَنِفَ من تلك الحال وانخزل انخزالا شديدا، وكُسِف بالُه وانخفض طرفه، ولم يَحُلْ عليه الحول حتى خانه عمرُه ونفذ قضاء الله تعالى فيه”.

وثمة مشتركٌ مهمٌّ بين قصة الخوارمي وحادثة سيبويه؛ وهو أن الحُكّام في المناظرتين لم يكونوا من أهل النزاهة والموضوعية، بل أثّرت أهواؤهم الشخصية في حكمهم لصالح أحد الطرفين. ومن الطريف أن بديع الزمان الهمذاني أظهر الأسف والحُزن على خصمه الخوارزمي بعد موته، ورثاه بقصيدةٍ مطلعُها:

يقولون: أنت به شامتٌ! *** فقلتُ: الثرى بفم الشامتِ!!

إلى أن قال فيها: وعزّت عليّ معاداتُه *** ولا مُتداركَ للفائتِ!!

ولم يكن الموتُ بفعل الهزيمة المعنوية/ العلمية حكرًا على أهل النحو والأدب، بل إنها امتدّت إلى علماء الشريعة أيضًا؛ فقد ذكر الشوكانيّ (ت 1255هـ) -في ‘البدر الطالع‘- أن سبب وفاة الإمام العلامة الفقيه المتكلم سعد الدين التفتازاني الشافعي (ت 792هـ) هو هزيمتُه في مناظرة بينه وبين الفقيه الفيلسوف الشريف الجُرجانيّ (ت 816هـ) في حضرة السلطان التركي الشهير تيمور لنك (ت 807هـ)، وكان موضوع المناظرة: “مسألة كون إرادة الانتقام سببًا للغضب، أو الغضب سببًا لإرادة الانتقام”؟

فكان التفتازانيّ يقول بالأول والشريف يقول بالثاني؛ قال الشيخ منصور الكازروني: والحق في جانب الشريف. وجرت أيضًا بينهما مناظرة مشهورة في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [سورة البقرة/ الآية: 7]؛ “ويقال إنه حُكم بأن الحق في ذلك مع الشريف، فاغتمَّ صاحب الترجمة ومات كمدًا”!!

مرارة الإذلال

وكان عليه الصلاة والسلام قد تعوّذ بالله تعالى من “قهر الرجال”؛ كما جاء في الصحيحين. وممن مات قهرًا لسبب عجيب خالد بن عبد الله القُرشيّ (حفيد عثمان بن عفان) “كان من نبلاء قريش ووجوهها”؛ على حد وصف الصفدي في ‘الوافي بالوفيات‘. ويروي أبو الحسن البُلاذري (ت 279هـ) -في كتابه ‘جمل من انساب الأشراف‘- أن الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك (ت 105هـ) خطب عند خالد هذا أخته فلم يزوّجه إياها، وفضّل أن يزوّجها لأحد بني عمّها، وقال ليزيد: “لأنها تكون عنده مالكة مُملّكة، وهي عندكم مملوكة مقهورة”، وأبى أن يزوجه إياها!

فأمر يزيد أن يُحمل خالد من فوره إلى المدينة “وكتب إلى ابن الضحاك بن قيس الفهري وهو عامله (= والِيه) على المدينة: أن وكّل بخالد من يأخذ بيده في كل يوم وينطلق به إلى شيبة بن نصاح المقرئ (ت 130هـ)، ليقرأ عليه القرآن فإنه من الجاهلين! فأتِي به شيبة فقيل له: يقول لك أمير المؤمنين: علّمه القرآن فإنه من الجاهلين، فقال شيبة حين قرأ عليه: ما رأيتُ أحداً قطُّ أقرأَ للقرآن منه! وإن الذي جهّله لأجهلُ منه!! وقيل: إن يزيد أمر أن يُختلف (= يُذهب) به إلى الكُتّاب مع الصبيان يعَلَّم القرآن؛ فزعموا أنه مات كمداً”.

وذكر الذهبي -في كتابه ‘العِـبَر‘ أثناء ترجمة قاضي القضاة زكي الدين الطاهر القُرشيّ الدمشقيّ (ت 617هـ)- أن هذا القاضي مات كمداً بسبب غضب سلطان دمشق المعظَّم شرف الدين الأيوبي (ت 624هـ) عليه وإيذائه له “في مجلس حُكْمه، ثم… لزم بيته ومات كمدا. [و]يقال إنه رَمَى قِطَعاً من كبده”!

ومن نماذج ذلك أيضا التي تدل على تأصل التآمر في دهاليز السلطة؛ أن الأمير مبارز الدين سُنْقُر الصَّلاحي (ت 620هـ) -وكان من كبراء أمراء الدولة الأيوبية في حلب وأبرز مساعدي مؤسسها صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ)- خشي أبناءُ الملك العادل أبي بكر (ت 615هـ) -وهو أخو صلاح الدين- من توظيفه لنفوذه في انتزاع سلطانهم.

فتآمروا للإيقاع به بأن يزيّن له أحدهم -وهو الملك المعظَّم المذكور أعلاه- القدومَ إليه في دمشق ليقطعه منطقة نابلس بفلسطين، “فسار إلى الشَّام سنة ثماني عشرة ووصل إلى دمشق، وخَرَجَ المعظَّم للقائه ولم يُنْصِفْه…، [وأقام بها] والمعظَّم مُعْرِضٌ عنه ويماطله [باليوم وغدًا] حتَّى تفرَّق عنه أصحابه…، ومات كمدًا”؛ على ما نقله المؤرخ سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) -الذي كان يجالس هذا الأمير بمقر إقامته أيام محنته- في كتابه ‘مرآة الزمان في تواريخ الأعيان‘.

ومن أشهر الذين ماتوا تجرّعًا للذلّ والمهانة: الوزيرُ مُؤيَّد الدين ابن العلقمي البغدادي (ت 656هـ) الذي مالأ التتار على المسلمين، وكان سببًا في احتلالهم بغداد. فقد ذكر الإمام بدر الدين العيني (ت 855هـ) -في تاريخه المسمّى ‘عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان‘- أنّه قد “حصل له من الإهانة في أيامهم (= المغول) والقلَّة والذَّلة وزوال ستر الله ما لا يُحَدُّ ولا يوصف. رأتًه امرأةٌ وهو راكبٌ في أيام التتار برذوناً وسائق يضرب فرسَهُ، ووقفت إلى جانبه فقالت يا ابن العلقميّ: هكذا كان بنو العباس يُعاملونك؟! فوقعت كلمتها في قلبه، وانقطع في داره إلى أن مات كمدا”!!

وفي بعض الأحيان وقعت الإهانة من بعض السلاطين على سبيل التأديب، فأودت بحياة من أرادوا تأديبه؛ ومن ذلك ما ذكره الشوكانيّ -في ‘البدر الطالع‘ عند ترجمة الشاعر شمس الدين الخياط الدمشقي الملقب “ضفدع” (ت 756هـ)- من أنّه كان مدّاحًا هجّاءً، وأنه “أثرى من كثرة ما أخذ من الناس بسبب المديح والهجاء وكان الناس يخافون منه لبذاءة لسانه”، وأنّه لم يتوقّف عن الهجاء حتى في الحجّ، فحجّ مرّةً “فلم يترك في الركب أحدا من الأعيان إلا هجاه”، فاشتكوه إلى أمير الركب “فاستحضره وأهانه جدا وحلق لحيته وصرفه يُنادى عليه [في الأسواق والطُّرُقات]؛ فانزعج من ذلك ومات كمدا”!

حزن السجن

والموتُ في السجن حُزنًّا وهمّا وضيقًا وغمًّا أمرٌ مفهوم جدًّا، لا سيّما إذا وقع بعد هزيمة عسكريّة، فيجتمع على صاحبه مصاب الهزيمة وآلام الحبس والعجز والذل. وقد عدّ بعضُهم الموتَ حزنا وكمدًا نوعًا من أنواع القتل إذا اقترن بفعلٍ مسبِّبٍ له كالحبس؛ فقد ذكر ابن واصل الحمويّ (ت 697هـ) -في كتابه ‘مفرّج الكروب‘- أن الملوك السلاجقة كانوا إذا خرج على أحدهم خارجٌ من أخٍ أو ابن عمّ “لا يبقيه أصلا، بل إما أن يُوّسِّطَهُ (= يشقّ جسده من الوسط) بالسيف، أو يخنقه بوتر القوس، وأحسن أحواله أن يعتقله ويضيّق عليه إلى أن يموت كمدا”.

ومن أشهر من مات في الأسر بعد هزيمته: السلطان العثمانيّ بايزيد الأول (ت 805هـ)، فقد هُزم وأسِر على يد تيمور لنك ولم يُطق ذلك. قال الشوكانيّ في ‘البدر الطالع‘ يصفُ واقعة أسره وموته: “وكان شجاعًا فاستمرّ يضرب بسيفه حتى كاد يصل إلى تيمور، فرموا عليه بساطا وأمسكوه وحبسوه فمات كمدا في الأسر سنة 805هـ”.

وذكر ابن كثير -في ‘البداية والنهاية‘- أن ممّن مات في سجنه غمًّا “المحدِّث الجوّال… أبو العباس أحمد بن برنقش بن عبد الله العمادي (ت 615هـ)، كان من أمراء سنجار وكان أبوه من موالي الملك عماد الدين زنكي (ت 541هـ) صاحبها. وكان أحمد هذا أديبا شاعرا ذا مال جزيل وأملاك كثيرة، وقد احتاط على أمواله قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي (ت 565هـ)، وأودعه سجنا فنُسي فيه ومات كمداً”!

وأخبار الميتين في الحبس تطول، وقد صنّف أغلبَها أهلُ التاريخ في حوادث الموت كمدًا وغمًّا ونكدًا. ولعل مما يضاهي ذلك الموت كمدا لضياع الثروة؛ فقد أورد المؤرخ المصري أبو المكارم ابن مَمّاتي (ت 606) -في كتابه ‘لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة‘- أن الشاعر الأندلسي عبادة بن ماء السماء (ت 419هـ) “كان سبب موته أن ضاعت له مئة مثقال؛ فاغتمَّ ومات غمًّا”!!

جروح الغدر

 وممن مات كمدا وحزنا بسبب فقْد السلطة ورفاهيتها جراء غدر الأقربين ومؤامراتهم؛ ما ذكره عبد الواحد المراكشي (ت 647هـ) -في كتابه ‘المعجِب في تلخيص أخبار المغرب‘- أثناء حديثه عن أزمات قرطبة السياسية في القرن الخامس الهجري، من أن البربر خاطبوا محمد بن القاسم بن حمود الإدريسي (ت 440هـ) أمير الجزيرة الخضراء ليتولى حكم المدينة، “ووعدوه بالنصر فاستفزه الطمع وخرج إليهم، فبايعوه بالخلافة وتسمى بـ‘المهدي‘…، فأقاموا معه أياماً ثم افترقوا عنه إلى بلادهم، ورجع محمد خاسئاً إلى الجزيرة ومات لأيام؛ فقيل إنه مات غما”.

وحين اجتاحت جيوش المرابطين حواضر الأندلس سنة 484هـ ووصلت إلى مدينة ألمرية في جنوب البلاد “كان واليها محمد بن معن بن صمادح…، فأتاه الخبر بفتح إشبيلية وأسر ابن عباد فمات غمًّا” في نفس السنة؛ كما يقول شهاب الدين النويري (ت 733هـ) في ‘نهاية الأرب في فنون الأدب‘.

ويفيدنا الذهبي -في ‘سير أعلام النبلاء‘- بأن آخر الخلفاء الفاطميين العاضد لدين الله “مات غمًّا لما سمع بقطع خطبته وإقامة الدعوة للمستضيء…، وكانت الدعوة المذكورة أقيمت في أول جمعة من المحرم” سنة 567هـ، بأمر من وزيره صلاح الدين الأيوبي.

على أن السلطان صلاح الدين نفسه لم تخلُ عائلته -بعد وفاته- ممن اكتوى بغدر ذوي القربى؛ فها هو ابنه الشاعر أبو الحسن الأفضل (ت 622هـ) مَلَكَ كلا من دمشق ومصر، ثم فقدهما بمؤامرات من أخيه العزيز عثمان (ت 595هـ) الذي انتزع منه دمشق، وعمه الملك العادل أبو بكر الذي أخذ منه مصر؛ وظل “متجرعا غصته حتى أتته منيته فمات كمداً”؛ كما يروي ابن واصل في ‘مفرج الكروب في أخبار بني أيوب‘.

وتكرر هذا الأمر في العهد العثماني؛ فقد ذكر الإمام الشوكانيّ -في ‘البدر الطالع‘- أن سبب وفاة السلطان العثمانيّ مراد الرابع بن أحمد الأول (ت 1050هـ) هو انقلاب أخيه إبراهيم الأول (ت 1058هـ) عليه واستيلاؤه على الملك من يده؛ قال: “فلما بلغه أنّ أخاه السلطان إبراهيم قد استولى على الدَّسْتِ [= العرش] مات كمدا”!!

هموم الأوطان

الانشغالُ بالشأن العامّ وحمل أعباء هموم الناس من علو الهمم ودليل على يقظة الضمير. وقد تواتر عن أطبّاء العصر منعُ الأخبار السيئة عن مرضى القلب وذوي الحسّ المُرهف والانفعال الشديد، خشيةً عليهم من وقعها.

ومن نماذج ضحايا حمل الهم العام مع العجز عن مواجهة ما يعتريه أحيانا من أزمات ومصائب؛ ما حكاه سليمان المحاسني (ت 1187هـ) -في كتابه ‘حلول التعب والآلام‘- من أنه “كان السببُ -مع [انتهاء] الأجل- في موت مفتي الشام السيد علي أفندي المرادي (ت 1184هـ) ما حل بدمشق من البلايا (= مظالم الوالي العثماني)، ولم يجسر أن يعلم الدولة العلية (= العثمانية) بالواقع خوفا من أمور يلحقه بها الضرر من بعض الأشخاص، فمات هما وغما وحزنا وخوفا”!

وترجم محمّد بن صالح الكناني (ت 1292هـ) -في كتابه ‘ذيل معالم الإيمان‘- للشيخ أبي عبد اللّه السّلمي (ت 1249هـ)، قال: “كان -رحمه اللّه- فقيها مبرزا…، وكان مقدّما في مهمات الأمور ولا يرهب من ملاقاة الملوك فيما يهمّ أهلَ المدينة (= القيروان)…، ومات رحمه اللّه كمداً بحزن أصابه لواقعـ[ـة] القيروان عام تسعة وأربعين ومئتين وألف”.

ويشير الكناني بذلك إلى أزمة فرض السلطات ضرائب باهظة على أهل القيروان “حتى باعوا في ذلك نفائس أمتعتهم وأملاكهم بأبخس الأثمان… وأرهقتهم الديون”؛ كما يخبرنا المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف (ت 1291هـ) في كتابه ‘إتحاف أهل الزمان‘.

كانت تلك جولةً تاريخية في قصص بعض من ماتوا غمًّا وكمدًا من المشاهير والأعيان، عبر قرون تاريخنا الإسلامي؛ مع محاولةٍ لتصنيف تلك الحوادث وفهم أسباب ما أدى بكل واحد من ضحاياها إلى الموت من شدة الحزن.

وقد رأينا فيهم تنوعا هائلا شمل العلماء والأدباء والأمراء والقادة، ووجدنا فيهم المقاتلين الأشداء والعشاق الرفقاء، ممن فرّقتهم أحوالهم وأشغالهم وحيواتهم، وجمعتهم رهافة قلوبهم حتى ماتوا على وصفٍ واحدٍ وإن اختلفت أسبابه؛ فكان ذلك مصداقا لمقولة الشاعر ابن نُباتة السعدي التميمي (ت 405هـ): “تعددت الأسباب والموت واحد”!!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here