بيت العنكبوت وتطور القدرات الأمنية للمقاومة الفلسطينية

 

 

د. عبد الستار قاسم

بثت قناة الميادين وثائقي بيت العنكبوت الصادر عن حركة الجهاد الإسلامي/فلسطين، والذي يشرح حول اختراق الحركة للأجهزة الأمنية الصهيونية وتجنيد عملاء مزدوجين تمت الاستفادة منهم في مواجهة العدو وإحباط مخططاته. وقد شعر كل فلسطيني شاهد الحلقة الوثائقية بالكثير من الطمأنينة والارتياح لهذا الإنجاز الكبير، والذي سيتمدد وسيكون أكثر دقة واتساعا في المستقبل. شعر الفلسطيني بنوع من القوة، وارتفع منسوب الثقة بالذات، وتفاءل بمستقبل يحمل تطورات تثلج صدره. أما الجانب الصهيوني فلاذ بالصمت، ولم ينبس ببنت شفة حول الموضوع حتى الآن، والإعلام الصهيوني لم يتجرأ بعد على التعليق على ما تم بثه. ربما ينتظر الإعلام الصهيوني توضيحا أو إذنا من أجهزة الأمن الصهيونية لكي يتناول الحلقة بالتحليل والتمحيص.

على مدى سنوات والمخابرات الصهيونية تصنع نسيجا مرعبا في عقول الفلسطينيين وغيرهم من العرب. تمكنت عبر سنوات الهيمنة والبطش والبأس الشديد من إقناع الناس بأن أجهزة الأمن الصهيونية تعرف كل شيء عن الفلسطينيين أفرادا وتنظيمات وأحزابا ومقاومين وموجودات وقدرات. لقد غرست في أذهان الشعب الفلسطيني فكرة عدم إخفاء أي شيء لأن الصهاينة يعرفون كل شيء، وغرست في أذهانهم أن لا يقوموا بأي عمل معاد لأنهم  سيعلمون ما سيقوم به كل فرد قبل أن يقوم بها. صنعت أجهزة الأمن الصهيونية من نفسها أسطورة مرعبة لا يخفى عليها أي شيء، ولا يتمكن أي شخص أو جهة من اختراقها. وعززت كل هذا باختراقها للأجهزة الأمنية العربية والجيوش العربية والقصور الجمهورية والملكية. وكانت مهماتها دائما سهلة لأنها كانت تتمكن من تجنيد العملاء والجواسيس والمخبرين بسهولة، وكان الثمن ضئيلا ويتناسب مع ميزانية أجهزة الأمن الصهيونية. لم يكن العربي محصنا ضد التجنيد من قبل الأجانب، وللأسف ما زال هذا الوضع قائما، ولم تكن القيادات العربية والحكومات والأحزاب مهتمة بتثقيف الناس حول الأمر، ولم تكن حتى مهتمة بملاحقة الذين يتعاونون مع الصهاينة. ووصل الأمر بأحد القادة الفلسطينيين  أن قال عندما سأله أحدهم عن عدم مساءلته للجواسيس والعملاء أنهم الوسيلة التي يوصلون بها للصهاينة ما يريد وما يفكر به.

نخرت أجهزة الأمن الصهيوني العظام الفلسطينية على مستوى الأفراد والجماعات والفصائل والتنظيمات، ولم نكن نتمكن من الاحتفاظ بأسرار أو نشكل لأنفسنا تحصينا أمنيا. وقد عملت المخابرات الصهيونية ما أوقعنا في فشل تلو فشل، وهزيمة تلو هزيمة إلى أن وصلنا إلى اتفاق أوسلو الذي اعترفنا فيه أنه لا حق لنا بملاحقة عملاء الكيان الصهيوني. الاختراقات الأمنية أفشلت اعمال الفصائل العسكرية، وأحبطت المقاومين الفلسطينيين وقضت على الخيرة من شبابنا الذين كانوا يتطلعون إلى المساهمة في تحرير فلسطين. كنا عبر السنوات كفا مفتوحا أمام أجهزة الأمن الصهيونية ودفعنا ثمنا بالغا لقاء ذلك. وهنا وقع الفلسطينيون في خطأ جسيم مفاده أن المقاومة لا تجدي نفعا والأفضل أن نتوجه نحو التفاهم مع أمريكا والكيان الصهيوني. وكان أوسلو هو النتيجة الخائبة. والصحيح أن المقاومة ليست فاشلة ، وإنما كان أداؤنا الأمني مخيبا جدا.

على مدى سنوات، والعديد من الفلسطينيين يتحدثون عن ضرورة اعتماد معايير أمنية صارمة من أجل تحقيق التحصين الأمني الفلسطيني، ولا مهادنة مع المتعاملين والمتعاونين مع الصهاينة. لم يكن هؤلاء يجدون آذانا صاغية.

إنما في السنين الأخيرة وبعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، أخذت المقاومة الفلسطينية تتنفس وتنتعش، وقد تجاوبت فصائل المقاومة هنا مع دعوات التحصين الأمني. حماس تجاوبت بقوة، وأصبح لديها استراتيجية لمواجهة الاختراقات الصهيونية، وكذلك فعلت حركة الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية وكل فصائل المقاومة. أخذت الاختراقات الصهيونية تتقلص رويدا رويدا في قطاع غزة، . الاختراقات ما زالت موجودة حتى الآن، لكنها تتضاءل مع الأيام، وقطاع غزة يتعافى تدر يجيا من دنس العملاء والجواسيس.

وقد أثبتت الأيام أن المقاومة الفلسطينية تمكنت من صناعة أسلحة خاصة بها، وقدراتها التصنيعية تتطور مع الزمن. تمكنت من الحصول على المعارف العلمية التي تمت ترجمتها إلى تقنية عسكرية. ورغم كل المقاومة الصهيونية والعربية والغربية للمقاومة الفلسطينية في غزة، إلا أن الإرادة الفلسطينية تغلبت. وفي هذا درس قوي يقول إنها إذا توفرت القيادة المخلصة فإن الإبداعات الفلسطينية تنطلق لتحقق ما لم يكن على بال. من كان يفكر أن مقاومة غزة ستطور صواريخ يصل مداها إلى حوالي 100 كم والتي كان يصفها فلسطينيون معادون للمقاومة بأنها مواسير تنك؟ (يعني خردة). ومن كان يفكر أن تنظيما فلسطينيا سيحتفظ بأسير صهيوني عدة سنوات دون أن تكشف أجهزة أمن الصهاينة مكانه ولا تستطيع تحريره؟ حماس فعلت ذلك.

لم يكن أحد يقنع نفسه أن مقاومة فلسطينية ستخترق أجهزة أمن صهيونية. حركة الجهاد الإسلامي فعلت ذلك. وكل الفصائل الفلسطينية، حسبما أتتبع، تملك عقولا قادرة على خوض معارك الأدمغة. لدينا عقول كانت معطلة ومحرومة من النور، والآن هي تنطلق وتمخر عالم الفضاء والإليكترونيات وتبدع، وتوفر للفلسطينيين أمنا وسلامة. وفي هذا درس كبير آخر يفيد بأن القائلين بضرورة عدم المقاومة خشية من قيام الصهاينة بقتل الفلسطينيين سيخيبون من حيث أن ما تقوم به المقاومة سيشكل رادعا قويا يحول دون قتل الفلسطينيين.  مرحلة تطوير الردع صعبة ومكلفة، لكن الردع في النهاية يوفر علينا الدماء والدمار.

كاتب واكاديمي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. كانت القبائل العربية متحاربة فيما بينها على ربطة عشب او حفنة ماء ،وهذا شغلها الشاغل ، ولكن حين تشربت بالفكر الاسلامي فقد وصلت هي نفسها الى حدود الصين شرقا والى شمال فرنسا غرباً ، انه الاسلام الذي جعل فيها قوة نووية مذهلة ، واليوم فإن هذا الفكر قادر على تحقيق المعجزات . ولا يمكن لحماس ان تشذ عن هذه القاعدة ، لكن ربما ان الحصار الشديد من طرف الاخوة العرب اولا ،ومسؤوليتها عن حياة يومية معاشية لمليوني مواطن في غزة قد اربكها الى حد ما ، لكنها لن تحيد عن الثوابت ، تذكرون الشهيد احمد جرار رحمه الله : مَن كشف مخبأه للعدو ؟ لذا على حركات المقاومة ان تجعل قسما من توجيهها السياسي تثقيف المجاهد كيفية كتمان السر والتعتيم عليه حتى من اقرب المقربين . كل الثورات في العالم انتصرت وهكذا ستنتصر المقاومة الفلسطينية رغم اوسلو والتنسيق الامني ، ولكن اقول ولكن ( لابد ان يظهر في فلسطين القايد صالح هل تذكرونه ؟) .

  2. الدكتور عبد الستار قاسم المحترم
    مما لاشك فيه أن وجود محيط أمني غير مخترق يعمل به المقاوم الفلسطيني مهم للغايه وساعده على الكثير ومما لاشك فيه أن سيطرة حماس على غزه عام 2007 كانت في صالح المقاومه وتطور قدراتها على كافة الأصعده لأننا اليوم نرى فصائل المقاومه بغزه مسلحه ولديها كتائبها وتراسانتها وإستخباراتها وتقارع مخابرات صهيون بكل كفأه ونديه وهذا يرجع سبب جعل قطاع غزه بيئه أمنيه ممتازه غير مخترقه هو طرد فرق الموت وفروع التنسيق الأمني من غزه بينما فصائل الضفه ومع الأسف الشديد لانسمع صوتها حتى ولانقرأ بيان شجب لمايقوم به الجيش الصهيوني من تجريف أراضي وهدم منازل وإعتقالات بالجمله وعصابات الإستطيان التلمودي تعتدي على أهلنا بالضفه وعلى الأقصى وعلى مساجدهم طبعا فصائل الضفه سقطت من المعادله نهائيا ولم يعد لها أي تأثير لاكن الرهان على شعبنا في الضفه الذي به أحرار وشرفاء بدأو بقول لا في وجه منظومة رأس المال الصهيوفلسطيني الذي يحرك فروع أمن السلطه والذي هو وكيل تل أبيب والخليج لتحطيم الضفه وطنيا وثوريا لذالك رأينا إعتقالات ومطاردات نشطاء مناهضة الفساد ومن ثما الإفراج عن قسم منهم وملاحقة من لم يستطيعوا إعتقاله في تخبط واضح ومأزوم أنا أعتقد أنه لولا سيطرة حماس “رغم أخطائها” على غزه لما تمكن أي فصيل بغزه من تحقيق هذا التقدم الأمني والعسكري أما رافضين المقاومه “صواريخ عبثيه – مواسير – يجب سحب سلاح عصابات غزه” بلسان قادة فتح والسلطه هذا الكلام ليس إفتراء على أحد الأن هم أقصد السلطه براملله بأزمه وراهاناتهم فشلت تماما كأزمة نتنياهو وكانتس بتل أبيب وأزمة ترمب في البيت الأبيض وأزمة محميات البترودولار ونزاع كراسي الحكم المرتقب المقاومه تحمي وتصون المجتمع أما الإنبطاح يفكك ويشرذم المجتمع صهيون هزمت العقل السياسي العربي بشكل عام وإستوطنت العقل السياسي الخليجي والأوسلوي براملله بشكل خاص وهزمت أمام أحرار وشرفاء المقاومه بغزه ولبنان هذا الفرق الرجاء النشر .

  3. واضح الان انه العرب هم بيت العنكبوت والا لم تكن تجرو اسرائيل على التمدد والتوسع واختراق معظم الانظمة العربية

  4. لا أعتقد أن الدكتور عبدالستار قاسم لا يعرف أن المقاوم الفلسطيني له أكثر من عدو. في المقام ألأول تأتى سلطة عباس على رأس القائمة السوداء بواسطة أجهزة أمنها التي تقدس التنسيق ألأمنى. عندما حاولنا معرفة لماذا كل هذه القدسية للتنسيق، عرفنا أن التنسيق هو الذى جعل منهم جنرالات ومن أصحاب الملايين. على كل الجهاد ألإسلامى بقيت على نقاءها الثورى، ولم تجلس يوما مع العدو أو جماعة السلطة وبقيت تعمل بسرية تامه. ألمؤسف هذه ألأيام هي أن حماس إنقادت وراء سراب الحل السياسى الذى سيعيد للقلسطينى ذرة من وطنه.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here