بوشعيب أمين: هل يسلّم الحكام العرب القدس لإسرائيل كما سلّم الأمير الصغير غرناطة للإسبان؟

بوشعيب أمين

أبو عبد الله محمد الثاني عشر هو آخر ملوك الأندلس المسلمين من أمراء بني الأحمر، لقبه الإسبان EL CHICO  ( أي الصغير) بينما أطلق عليه أهل غرناطة  الزغابي (أي المشؤوم أو التعيس).

حكم أبو عبد الله الصغير مملكة غرناطة بالأندلس، وعمره خمسة وعشرون عاما، وحينذاك كانت الأندلس المسلمة قد انكمشت تحت هجومات ملوك قشتالة وأراجون – الذين كانوا مصممين على طرد العرب والمسلمين من الأندلس كلِّها- فلم يبقَ منها سوى مملكتين هما مالقة وغرناطة. وعوض أن يتوجّه الأمير الصغير إلى محاربة الإسبان من أجل بعث أمل المسلمين في إرجاع كرامتهم المفقودة، انشغل بالاقتتال ضد أبيه أبي الحسن علي بن سعد وعمه أبي عبد الله محمد الزغل حاكم مالقة.

أُسِر الأمير أبو عبد الله في لوسينا عام 1483م بعد محاولة فاشلة لغزو قشتالة عاصمة الإسبان، ولم يفكّ أسرُه إلا بعد توقيعه لاتفاقٍ سريّ مع ملك إسبانيا فريدناندو وزوجته ايزابيلا بأن تصبح مملكةُ غرناطة تابعةً لنفوذ قشتالة وأراجون.

في عام 1489 استدعاه فرناندو وإيزابيلا لتسليم غرناطة، ولدى رفضه أقاما حصارا على المدينة. فقام أبوعبد الله الصغير بتوقيع اتفاق سرّي ينص على تسليم غرناطة. لكنّ المسلمين رفضوا الاتفاقية، وأعلنوا استعدادهم للخروج في جيش عظيم دفاعاً عن المدينة، ولكنّ أبا عبد لله الصغير الذي لم يُفصِح عن نيته في تسليم المدينة، قام ببث اليأس في نفوس الشعب من جهات خفية إلى أن توقفت حملاتُ الاستعداد لقتال العدو، فتمَّ توقيع اتفاقية عام 1491م تنص على تسليم المدينة، وتسريح الجيش ومصادرة السلاح.

وصفت كتب التاريخ لحظة التسليم المذلّ فنقلت لنا ” أن المسلمين وافقوا على شروط التسليم ولم يكن في مقدورهم إلاّ أن يوافقوا، وأن السّلطان أبو عبد الله تنازل عن آخر معقل للمسلمين بالأندلس، ووقف مع ثلة من فرسانه بسفح جبل الرّيحان، فلما مرّ موكب الملكين الكاثوليكيين (فيرناندو و إيزابيل) تقدّم فسلّم مفاتيح المدينة، ثم لوى عنان جواده موليا. ووقف من بعيد يودّع ملكا ذهب، ومجدا ضاع، وكان هو بسوء أعماله، وفساد رأيه سببا في التعجيل بضياعه “.

وتضيف كتب التاريخ: ” لكنّ  كلماتِ أمّه كانت خير ما يمكن أن يوجّه إليه في هذا المقام، فقد رأته يبكي فقالت له : ” ابكِ مثل النساء مُلكا مُضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال”  وما زالت الرّابية التي ألقي منها آخر نظرة على غرناطة وقصر الحمراء المعروفة باسم (زفرة العربي الأخيرة) شاهدة على تلك الزفرة الحرّى التي لم تنفع صاحبها.

تذكرت أحداث هذه القصة الفاجعة من تاريخنا العربي وأنا أتابع ما يُسمَّى مؤتمر وارسو، الذي حشدت له الولايات المتحدة عدة دول أوروبية وعربية  بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومستشار وصهر الرئيس الأمريكي ترامب جاريد كوشنر صديق ولي العهد السعودي وذلك ” لمواجهة التهديدات الإيرانية ودعم مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط”  وقلت في نفسي:  حقا إن التاريخ يعيد نفسه، وإن كان هناك اختلاف في بعض التفاصيل، فها هم حكام العرب يعيدون التاريخ، ويتهافتون على الرضى الصهيوني والرضى الأمريكي ويعقدون معهم الاتفاقيات سرّا وعلانية، ويقدمون إلى نيتياهو وترامب القرابين ليزدادوا تقربا منهما لعلهما يرضيان عنهم ولن يرضيا عنهم أبدا حتى يتّبعون ملَّتهما.

نعم هناك بعض الاختلاف في بعض التفاصيل فقط، فإذا كان الأمير الصغير سلَّم غرناطةَ وهو يبكي، فإن حكام العرب سلّموا أرض الإسراء والمعراج والقدس وهم يضحكون ويتقاسمون الخبز مع العدو.

أفيقوا أيها الحكام العرب قبل فوات الأوان، فإيران ليست عدوّة لكم، وإنما هي عدوة لإسرائيل لذلك يريد ترامب تدميرها كما دمَّر سلفه

جورج بوش العراق باختلاق نفس الأكاذيب التي يرددها ترامب الآن: ” بأن إيران هي البلد الإرهابي رقم واحد في العالم وأنها تقف خلف كل مشكلة ورثها في الشرق الأوسط”

رجاء أفيقوا من غفلتكم أيها الزعماء، ولا تكونوا كالأمير الصغير الذي ضيَّع آخر معقل للإسلام في أرض الأندلس.

 إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here