بوشعيب أمين: مؤتمر مراكش للهجرة: تمخض الجبل فولد متمنيات

بوشعيب أمين

التأم قادة العالم ومندوبو الدول بمدينة مراكش المغربية – على مدى يومين 10 و11 دجنبر الجاريين- في مؤتمر حكومي دولي عقدته الأمم المتحدة من أجل اعتماد اتفاق شامل ومفصل يهدف إلى جعل الهجرة الدولية أكثر أمنا وكرامة للجميع.وقد كانوا اتفقوا قبل ذلك في يوليو الماضي على نص الاتفاق، المسمى “الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية

هذا الاتفاق – كما جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة- هو وثيقة غير ملزمة قانونيا، ترتكز على قيم سيادة الدولة، وتقاسم المسؤولية، وحقوق الإنسان، وعدم التمييز، وتقر بالحاجة إلى نهج تعاوني لتحسين الفوائد العامة للهجرة، مع التخفيف في الوقت ذاته من مخاطرها وتحدياتها للأفراد والمجتمعات في بلدان المنشأ والعبور والمقصد.

ورغم أن الوثيقة غير ملزمة فإن عدة دول أعلنت معارضتها للاتفاق ورفضت التوقيع عليه، بزعم أن الوثيقة ستقوض سياستها الصارمة في مكافحة الهجرة ومراقبة الحدود، وبالتالي تزايد عدد المهاجرين من إفريقيا ودول عربية. نجد في مقدمة الدول المعارضة الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الأوربية التي يحكمها اليمين، وكذلك الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين.

إننا لم نفاجأ بموقف الولايات المتحدة الأمريكية الرافض للاتفاق، فأمريكا كما هو معروف عدوة للشعوب ومثيرة للحروب، وتاريخها حافل ومليء بالجرائم والإبادات الجماعية، ولقد كان حريا بالأمم المتحدة – بدل أن تدعو لاجتماع الدول من أجل إقرار اتفاق غير ملزم – أن تعالج  أولا أسباب الهجرة، المتمثلة أساسا في الحروب وما ينتج عنها، وأن تطلب مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية الراعية الأولى للإرهاب – الكف عن دعم الإرهاب عبر تسليح  الأنظمة الاستبدادية والميليشيات، بهدف تأجيج الصراعات بين أبناء الوطن الواحد، والكف عن استنزاف ثروات  الشعوب المادية والمعنوية، مما خلّف دمارا كبيرا وبالتالي اضطرار السكان إلى الهجرة القسرية.

لقد كانت مخرجات مؤتمر الهجرة بمراكش مخيبة للآمال، ولم ترقَ إلى الحد الأدنى من طموحات الشعوب وجمعيات المجتمع المدني بالخارج  التي ما فتئت تنادي بإعمال مقاربة شمولية لمعالجة أسباب ظاهرة الهجرة والتخفيف من النتائج التي خلفتها.

 وبناء عليه، لا بدّ أنْ نعترفَ  أنّ  ما تم  الاتفاق  عليه في هذا المؤتمر لا ولن يجد طريقه إلى الأجرأة والتطبيق على هزالته، وأنه سيبقى حبرا على ورق. فماذا  يجدي الحديث عن القيم وسيادة الدول وتقاسم المسؤولية وحقوق الإنسان، ما لم تكن لجمعية الأمم المتحدة اليد الطولى في إيجاد الحلول و إلزام الدول العظمى على تطبيق تلك القيم على أرض الواقع. ألا يعدّ مثل هذا الحديث ضربا من الترف الفكري؟   ألم يكن من الأجدى طرح موضوع الشعب الفلسطيني الذي تم تشريده وطرده خارج أرضه من قبل عصابات الاحتلال الصهيوني ومحاولة إيجاد حل لهذا الشعب المظلوم؟ ألم يكن من الأجدى طرح مأساة الشعب اليمني الذي لا يزال يذبح ويقتَّل على مرأى ومسمع من العالم؟ ألم يكن من الأجدى طرح تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة؟  ألم يكن من الأجدى طرح مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية في صنع أزمات الشعوب ومآسيها، وإلزامها بدفع التعويضات  لجبر ضرر كل الشعوب المتضررة من سياساتها؟                                                                       إن عجزَ الأمم المتحدة في حل  الأزمات والنزاعات السياسية والعسكرية، ليكشف عن هشاشة هذه المنظمة وفشلها في إدارة حل المشاكل الدولية، مما يجعلها تتحول إلى رهينة في يد الولايات المتحدة الأمريكية.                                                 يذكر أن هذا الميثاق العالمي، الذي تم اعتماده بالإضافة إلى أنه غيرُ ملزمٍ، فهو يتيح للدول الاتفاق على نص يسمح بهجرات آمنة ومنظمة. ولعل الهدف من هذا النص الأخير هو تقديم  شيك على بياض للدول الغربية التي شاركت في المؤتمر للكيل بمكيالين في اختيار المهاجرين: تقديم  أفضل التسهيلات للعقول والكفاءات العلمية، وبالمقابل إغلاق الأبواب في وجه من لا ترى فيهم نفعا، مما يؤثر سلبا  على واقع التنمية البشرية في  البلدان الأصلية وضياع الجهود والطاقات الإنتاجية، و تبديد الموارد الإنسانية التي تمّ الإنفاق عليها في التعليم والتدريب.

لقد قامت منظمة الأمم المتحدة بحملات إعلامية كبيرة للترويج لمؤتمر مراكش للهجرة والترويج لمضامينه، ودعت كل تلك الدول إلى تقاسم تلك المضامين مع مجتمعاتها المدنية، متمنية على الدول تبني الميثاق على المستوى الوطني، لأن ذلك هو السبيل الأفضل لنجاحه.

إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here