بوشعيب أمين: لك الله يا قدسُ

بوشعيب أمين

في قراءة التاريخ عبرٌ كبيرة، ذلك أن أي حدث نمر به ونعاصره مهما كان هوله عظيما، فإنه ليس بدعا في الدهر، ولن يكون هو المحطة الأخيرة التي سيتوقف عندها التاريخ.  لقد مرت على الأمة الإسلامية أهوال جسام، وحلت بهم مصائب شاب لها الولدان، وحاطهم ليل حالك، مليء بالمهالك، فتعرضت بلدانهم لضربات المغول فداسوا مدنهم الواحدة تلو الأخرى، وقبل ذلك بستين عاما وقع القدس الشريف تحت سيطرة الصليبيين فأثخنوا في أهلها قتلا حتى سالت دماؤهم وديانا. لكن اشتياق المسلمين للحرم الشريف كان بمثابة وقود تحفيز دفعهم إلى تحرير الأرض الطاهرة من دنس الغزاة.

اليوم ونحن نرى تكالب الأعداء على الأمة، وتخاذل الحكام العرب الجبناء، واستسلامهم للأمر الواقع، يكون من الأهمية بمكان الالتفات إلى التاريخ، ليس من أجل البكاء على الأطلال، ولكن من أجل أخذ الدروس والعبر. ومن هذه الدروس التي يجب تعلّمها أن التاريخ مليء بالجولات، فقد تتعرض الأمة – أي أمة كانت –  للانكسار والهزيمة، لكن هذه الأمة ذاتها، إن هي لم تقبل بالهزيمة وأبقت على روح العزة والكرامة، فهي لا بد ستعيد أمجادها وهيبتها بين الأمم من باب النصر.

النصر والهزيمة واقعان يخضعان لسنن وقوانين كونية، والأمر ليس من باب الصدفة والعشوائية.  وأخطر أنواع الهزائم الهزيمةُ النفسية،  حيث انهزام القلب وانهيار الشخصية أمام العدو، السببُ هو اليأس والقنوط، والنتيجة الاستسلام والانسحاب من المواجهة.

إن ما تشهده القضية الفلسطينية هذه الأيام دليل على حالة الهزيمة التي وصلت إليها الأمة، تحت قيادة حكام جبناء يخوضون في مستنقع المساومة والتنازل على الحقوق التاريخية، إلى حد استعدادهم تسليم القدس الشريف للصهاينة وجعلها عاصمة لدولتهم المزعومة أرض فلسطين المغتصبة.

وفي المقابل يحاول الأعداء، مستخدمين التأثيرات العقلية والنفسية المختلفة، ترسيخ الهزيمة في نفوس الشعوب العربية والإسلامية وخلق الانطباع بأن المساومة والتنازل هي الطريق الوحيد المفتوح أمامهم، وذلك بعد أن جرى استغفالهم ومفاجئتهم بالاتفاقيات التي تكرس الأمر الواقع وتضيِّع حق الفلسطينيين في أرضهم.

في أحد الأيام سمعت مفتي القدس يقول: ” لم نر من العرب ولا من المسلمين شيئا مطلقا منذ 1948 حتى عندما تعرض المسجد الأقصى للخطر، لم نر أحدا منهم وإنما عقدوا مؤتمرات يقولون إنها نجحت نجاحا باهرا ولا أدري هل كانت مؤتمرات أم مؤامرات علينا، ولذلك اعتمدنا على أنفسنا وتحرك الشعب الفلسطيني بإرادته وبدأ الجهاد ضد اليهود فهم يريدون إخراجنا من بلادنا، ونحن نهدف أيضا إلى إخراجهم من فلسطين. لذلك علينا تحمل قمعهم وتقديم الشهداء دون الاعتماد على أية مساعدة من الدول العربية والإسلاميةّ “

حقيقة أن الشعوب العربية والإسلامية في أحايين كثيرة قد تقاعست على نصرة إخوانهم في أرض فلسطين، لكن ليس من العدل أن نضع الحكام والشعوب في كفة واحدة، فالحكّام العرب لم يهتّموا بالقضية الفلسطينية، بل استخدموها من أجل توطيد حكمهم باستجداء الدعم الصهيوأمريكي، يسومون شعوبهم الذل والعذاب والقمع، ومنعوهم من دعم فصائل المقاومة الفلسطينية باعتبار ذلك تهمة يُعاقب عليها القانون، و منعوهم من الدعاء على اليهود الصهاينة في المساجد وفي وسائل الإعلام بحجة أن الدعاء لا يجوز إلا على المعتدين. وكأن اليهود هم أصحاب الأرض الأصليون، وكأن دولة إسرائيل لم تقم على أشلاء رجال ونساء وأطفال فلسطين. فلو أن الحكام رفعوا القيود وفتحوا الحدود لهبّت الشعوب العربية والإسلامية هبّة رجل واحد نصرةً لإخوانهم بأرض الإسراء والمعراج من أجل تطهيرها من دنس الصهاينة. 

ولقد خرج الملايين في الدول العربية والإسلامية وبعض الدول الأوروبية والأسيوية، للتظاهر تضامنا مع القدس الشريف، و الخروج فى “جمعة غضب”  استجابة للدعوات الفلسطينية وتنديدا بقرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف وهذا دليل على أن القضية الفلسطينية لا تزال في وجدانهم وأنها تعتبر قضيتهم الأولى بلا منازع.

وعلى الجملة فالشعوب العربية والإسلامية لا تتحرك إلا فيما هو متاح لها من هامش، ولا تملك إلا الدعاء، لذلك نرفع الأكف إلى الله القوي المتين وندعو على اليهود الصهاينة ونقول: اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم وخرب بنيانهم وأقمارهم الاصطناعية، وخالف بينهم وأفشل تدبيرهم واقطع دابرهم يا رب العالمين.

إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. استاذنا العزيز
    ما يغير الله ما بقوم حتى ان يغيروا ما بأنفسهم
    نحن غير محصنين بما فيه الكفاية ولاكن اين يكمن الخلل في المسلمين او في المنهج الاسلامي
    اذا عرف السبب بطل العجب
    الدعاء يجب ان يكون مصحوبا بعمل
    هل نحن نحترم ونعمل في كتاب الله وسنة رسوله حتى يتقبل الله دعاءنا
    الله اعطانا دستورا متكاملاً من كتاب الله وسنة رسوله لا يمكن للاعداء اختراقنا
    لماذا نحن مخترقون ؟
    يجب ان نبحث عن الخلل ونعمل ما يرضي الله ورسوله حتى يتقبل الله دعاءنا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here