بوشعيب أمين: كورونا الكاشفة

بوشعيب أمين

منذ الوهلة الأولى لظهور وباء كورونا وانتشاره في العالم، انبرى ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، يتهم الصين بأنها هي مصدر هذا الوباء وبأنها هي من نشرته، ووصف في تغريدة له وباء كورونا بـ”الفيروس الصيني”، الشيء الذي أثار غضب بكين التي أعربت عن بالغ غضبها من تصريحات الرئيس الأمريكي، لكن الصين رمت بالكرة إلى ملعب الولايات المتحدة الأمريكية وعبّرت على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها تشاو لي جيان بأن “الجيش الأمريكي ربما جلب الوباء إلى ووهان…أمريكا مدينة لنا بالتفسير”. في حين أعرب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عن اعتقاده، بأن فيروس كورونا الجديد قد يكون اختُرع كسلاح بيولوجي ضد الصين.

لكن هناك من يعتقد بأن انتشار فيروس كورونا ما هو إلا عقاب من الله على ما يقترفه البشر من شرور وآثام فوق هذه الأرض، غير أن الجزم بهكذا استنتاج لا يصح، لأن الأمر أولا وقبل كل شيء يتعلق بالغيب، ولأن الأوبئة كما الزلازل والبراكين والجفاف والأمراض سنن كونيــة لا علاقــــة لها بإيمان أو كفر او توحيد او شرك. فقد وقع في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وباء طاعون عمواس الذي توفي فيه عدد من الصحابة والتابعين، فهل نقول إن الله قد سلط عليهم العقاب، ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اعتبرهم شهداء؟

وبعيدا عن الاتهامات المتبادلة، بين العظميين الصين وأمريكا، وإن كنتُ أرى أن هذه الأخيرة هي المستفيد الأول من هذه الأزمة العالمية التي خلّفها فيروس كورونا، فتاريخها مليء بافتعال الأزمات وتوظيفها لقضاء مآربها ومصالحها الاقتصادية، وهذا ما أكده – منذ زمان – هنري كسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق، حيث اعترف في مقالة يرددها دائما  وهي ” إن من مصلحة أمريكا ليس حل الأزمات وإنما الإمساك بخيوطها ” وفعلا يُلاحظ أن أغلب الأزمات العالمية التي وقعت افتعلتها الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل توظيفها بما يخدم مآربها ومصالحها الخاصة، والأمثلة كثيرة، لا مجال لحصرها هنا.

قلت بعيدا عن هذه الاعتقادات وهذه الاتهامات المتبادلة، أود أن أتناول هذا الموضوع من جانب آخر ألا وهو جانب التداعيات التي خلفتها كورونا، أو ما أسميه ” كورونا الكاشفة “

 أول ما كشف عنه هذا الوباء القاتل، هو أن الولايات المتحدة ليست إلها لهذا الكون فهي أضعف بكثير ممّا يعتقده بعض المهزومين من الحكام العرب، فقد أصابتها كورونا كما أصابت دولا فقيرة لا تملك ما تتوفر عليه أمريكا العظمى من تقنيات ومراكز أبحاث علمية. فهي والدول الفقيرة سواء في البلاء.

وكشفت أن التكنولوجيا الصينية فاقت بكثير التكنولوجية الغربية، فالسلطات الصينية استطاعت محاصرة الفيروس في وقت وجيز.  حيث انبهر العالم بما شاهده من ثورة تكنولوجية صينية خارقة، فالروبوتات الجوالة التي تستطيع قياس حرارة المواطنين في الشارع، والطائرات الصغيرة المسيرة التي تلاحق المواطنين غير الملتزمين بوضع الكمامات وتحذيرهم، الى الروبوتات التي تقدم الطعام للمرضى، والأخرى التي تنقل الادوية من المصانع للمستشفيات إلى غير ذلك مما جعل الغرب يطأطئ رأسه خجلا أمام ما أفرجت عنه المصانع الصينية من تكنولوجية متطورة جدا.

وكشفت أن العرب لا زالوا يعيشون على الهامش، يستهلكون ولا ينتجون شيئا، لا مستشفيات طبية، ولا جامعات تحجز لها مكاناً في أوائل الجامعات العالمية، ولا مراكز بحث علمية تشرئب إليها الأعناق لإنقاذ البشرية من هذا الوباء، فبينما الأبحاث في الدول المتقدمة تجري على قدم وساق، في تنافس شديد نحو اكتشاف لقاح لهذا الوباء، نجد العرب ينتظرون عاجزين، تلك الدول تصنيع ذلك اللقاح للاستفادة من فعاليته.

وكشفت عن جشع الولايات المتحدة التي سعت لاحتكار الحقوق الحصرية لعقار ضد فيروس كورونا، الذي يتم تطويره من قبل شركة ألمانية، وذلك عقب تقارير تفيد أن الرئيس الأمريكي ترامب حاول ضمان اللقاح حصريا لبلاده.

وكشفت عن الأنانية المقيتة التي يتصف بها الأوروبيون وأن ما يسمى الاتحاد الأوروبي ليس سوى وهمٍ وسرابٍ، فقد نعى رئيس صربيا التضامن الأوروبي في خطاب علني، واعتبره خرافة وكذبة كبيرة، وأعلن أنه تقدّم بطلب المساعدة من الصين، بعد قرار الاتحاد الأوروبي عدم إرسال معدات طبية الى دولته، ولم يفته توجيه انتقاد شديد اللهجة إلى الأوروبيين الذين تخلَّوا عن بلاده، وقد كانوا سابقا يطالبونه بعدم شراء البضائع الصينية، في حين أن الصين أعلنت عن تقديم خدماتها لكل دول العالم للمساعدة والمساندة في مواجهة كورونا، بما فيها الدول الأوروبية.

واكتشفنا مع كورونا التي حاصرت دولا عظمى مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا، أن هناك عصابة ترعاها تلك الدول، اسمها إسرائيل قد قامت منذ أكثر من عقد بحصار شعب بأكمله داخل شريط أرضي اسمه غزة،  حاصرتهم إسرائيل بمساندة ومباركة بعض الدول العربية، ومنعت عنهم كل شيء، حتى الدواء، وفرضت عليهم العيش في سجن كبير، ومع ذلك صبروا وقاوموا، وما زالوا يقاومون، لكن العالم سريعا ما ضجِر من الحصار الذي فرضته كورونا على سكانه. وكأني بكورونا ما جاءت إلا لتنتقم لأهل غزة، فقد أجبرت الجميع على البقاء مسجونين في منازلهم، ومنعتهم من الخروج ليذوقوا ألم الحصار الذي عانى منه الغزّاويون على يد الاحتلال الإسرائيلي، وأيدي بعض أشقائهم العرب.

فلاش: تفشي وباء كورونا فرصة أيضا للعرب والمسلمين أن يعيدوا إحياء القيم ومكارم الأخلاق العربية الأصيلة مثل قيم العدل والتعاون والتضامن وطلب العلم، فبمثل هذه القيم سنرتقي في سلم الحضارة ونُزاحم الدول المتقدمة في التكنولوجيا والصناعات. وبها نتحرر من قبضة الامبريالية العالمية التي تتحكم في مصيرنا، وتسومنا الذل والهوان. فما أحوجنا اليوم كي نهتبل هذه الفرصة ليعود إلينا إيماننا بأنفسنا وثقتنا بماضينا وأملنا في المستقبل المشرق. ولنا عودة إلى الموضوع

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. للحق سبيل … وللباطل سبل… ، التخريج على الله عز وجل… والتهريج من البشر… ، الكاشفة تتبعها الفاضحة …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here