بوشعيب أمين: في المغرب الفساد يسود ويحكم!

بوشعيب أمين

في غفلة منا جميعا أصبح الفساد غولا ضخما يفسد في الأرض ولا يصلح، وصار يخيفنا جميعا، بما في ذلك رئيس الحكومة الذي انتخب المغاربة حزبَه ليخلّصهم منه، بناء على الشعار الخالد الذي رفعه سلفه عبد الإله بنكيران ألا وهو   شعار: ” محاربة الفساد والاستبداد ” فإذا بالذين رفعوا ذلك الشعار يهادنون الفساد، ويشرعنونه عبر تقنينه بالتشريعات المناسبة التي تساعد المفسدين على ممارسة الفساد تحت غطاء شعار ” عفا الله عما سلف “

لكن ماذا نقصد بالفساد؟

ربما يكون أصدق تعريف للفساد هو التعريف الذي ورد في موسوعة العلوم الاجتماعية على أنه ” سوء استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح خاصة ” ويشمل ذلك جميع أنواع الرشاوى التي تقدَّم للمسؤولين بالقطاع العام سواء على المستوى المحلّي أو الوطني. ومن المفيد هنا ألّا نميّز بين “الرشوة الكبرى” التي يشارك فيها مسؤولون على مستويات رفيعة كالوزراء والموظفين السامين، وبين “الرشوة الصغرى” التي يشارك فيها مسؤولون على مستويات دُنيا كالموظفين الصغار بالإدارات العمومية، كالجمارك، والشرطة، والمحافظة العقارية، ونظارة الأوقاف، والمحافظة العقارية، والجماعات المحلية، والمحاكم، ومكتب توزيع الماء والكهرباء، وما إلى ذلك.

وعلى العموم فالرشوة من الأمور المُنكرَة التي ابتُليَ بها مجتمعنا، وأصبحت تمثّل تحديا خطيرا سواء على المستوى الاقتصادي، أو السياسي أو الإداري أو القضائي، وهي – بمعنى أوسع – جريمة من الجرائم الدالة على فساد المجتمع وفساد الإدارة في الدولة، فبواسطتها يمكن تمرير صفقات مشبوهة، أو إصدار أحكام مخالِفة للقانون، أو سحب حقوق من أصحابها ومنحها لمن لا يستحقها، وبواسطتها أيضا يمكن الاستيلاء على ممتلكات الناس  دون وجه حقّ، أو تعطيل مصالحهم ، أو إفشال مشاريع تنموية في طور الإنجاز، لا لشيء سوى لأن هناك شخص مفسد لا يريد لتلك المشاريع أن ترى النور، قبل أن يأخذ ” نصيبه ” من ثمن المشروع.

 لكن، ما يجعلنا نكون أكثر تشاؤما، هو أن هذه الجرائم المرتكبة بواسطة الرشوة تجري أمام أعين السلطة بجميع أشكالها وأنواعها فلا من يحرك ساكنا، بل في كثير من الأحيان ما نسمع بعض المسؤولين يعتبرون أن الرشوة من العوامل الرئيسية لتحريك عجلة الاقتصاد ولعمري إن مثل هذا الكلام لهو دعوة صريحة للتطبيع مع الفساد لحماية المفسدين من المتابعة.

في إحدى المدن المغربية مثلا، هناك شخص جمع ثروة طائلة من خلال إرشاء بعض الموظفين الفاسدين في الإدارات، حيث يقوم بشراء الممتلكات العقارية المتنازع عليها بين الورثة ليصبح طرفا في القضية، وبعد ذلك يستولي على الإرث كلِّه بثمن زهيد لا يُضاهي الثمن الحقيقي للمِلك المُستولى عليه، وعندما يشتكيه باقي الورثة إلى القضاء يخرج سالما غانما، يتباهى بنصره المبين على خصومه، ونظرا لأنه كلما دخل في نزاع مع أحد خرج منصورا، فقد أصبح يُعرف بين سكان تلك المدينة بإمبراطور الفساد.

هذا الامبراطور الفاسد الذي أصبح أشهر من نار على عَلَم، لا يكتفي بتفاخره بالنصر، بل يتفاخر أيضا أمام خصومه وأمام كل من يقف في طريقه، بأنه مُقرّب جدّا من شخص ذي منصب حكومي سامٍ، يرافقه في كل رحلاته التي يقوم بها أثناء ممارسة هواية القنص المفضلة لديه.

إن رائحة الفساد في المغرب قد فاحت وأزكمت الأنوف ولم يعد هناك متسع لتحمّل المزيد، فالفساد ليس مجرد مسألة اقتصادية، فعواقبه الوخيمة تصيب المجتمع برمّته، إذ يؤدّي إلى انهيار شديد في البيئة الأخلاقية والاجتماعية والثقافية، ناهيك على أنه يقضي على هيبة القانون. ولعل أفدح تكلفة للفساد هي إشاعة روح اليأس بين أبناء المجتمع، ومعلوم – كما يرى علماء الاجتماع – أنه كلما ضعف الأمل انخفضت المبادرة، وعندما تنخفض المبادرة يقل الجهد، وعندما يقلُّ الجهد يقل الانجاز، وبدون إنجاز يتوارث الناس الإحباط واليأس فتنهار الدولة وتذهب ريحها.   لذلك ندعو رئيس الحكومة إلى تحمّل مسؤوليته السياسية والأخلاقية للتدخل الفوري لوضع حدٍّ لهذا الفساد، فإن لم يستطع فما عليه سوى تقديم استقالته، وإن لم يستطع تقديم استقالته فما عليه إلا أن يطلب من الملك إعفاءه من مهامِّه. فإن لم يقدر على هذه وتلك، فنحن مَن سيطلب من الملك إعفاءه من منصبه، نظرا لأن حزبه عاهد المغاربة على محاربة الفساد والقضاء عليه فأخلف عهده.

فلاش: تعرّفُ منظمة الشفافية الدولية (أكبر المنظمات مراقبة لمؤشرات الفساد لدى الحكومات والتي تتخذ من برلين مركزا لها) الدولة الفاسدة بأنها دولة غنية لديها موارد وأموال ينبغي أن تصرف من أجل التنمية، فإذا بها تذهب لأغراض شخصية أو إلى ملاذات مالية آمنة خارج البلاد لاستخدام شخصي من قِبَل الذين اختلسوا تلك الأموال، وتضيف المنظّمة أن هذه الدول تصنّف ضمن أكثر الدول فقرا، حيث الحكومات في هذه الدول غائبة في أكثر الأحيان ولا تقوم بأداء وظائفها. فيا ترى هل ينطبق هذا التعريف على المغرب؟

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. على من تقرأ زابورك باداوود ، فلم يعد هناك لا قراء ولا مستمعين . ولكن احيي الأخ أمين على مقالاته القيمة والتي لا تتوقف عن التذكير تلو التذكير لعل التذكير ينفع يومًا يوجد فيه مدكر. فلا تتوقف باأمين عن الكتابة فحتما سيقوم طويل العمر يوما، من حجرته الوردية وربما تحفزه مقالاتك على فتح شبابيكه للناس وللعدل وللحرية. تحية خالصة لكاتب المقال . ولعلنا نتعلم رويدا رويدا فن الكتابة وحسن القراءة.

  2. نعم التعريف ينطبق على المغرب تمام الانطباق. بل إن عنوان المقال يغني عن كل قراءة. حيث أصبح الفساد في المغرب مقدسا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here