بوشعيب أمين: في المغرب الاحزاب أساس الفساد

 

 

بوشعيب أمين

السياسة في الذهنية العامة للمغاربة مرتبطة بمجموعة من الممارسات غير النظيفة التي تُزجى فيها الوعود أو تُحاك فيها المؤامرات من أجل الحصول على “المنصب” وصلاحياته لأغراض المنفعة الشخصية، ومن منطَلق أناني محض. وعليه فالسياسي الماهر أو الماكر، تبعا لذلك، هو الشخص الذي يتمتّع بذكاء خاص أو لنقل بدهاء وجرأة تجعله يشق طريقه وسط النخبة السياسية الضيقة ويستطيع قيادة الجماهير بدغدغة عواطفها وإغرائها بالوعود التي لا يتحقّق منها شيء إلا في الاتجاه الذي يخدُم مصالحه. وهذا ما يجعل السياسة تتجرّد من كل قيمة أخلاقية، وبالتالي تجري إدانتها بانسحاب الشعب من لعبتها. لكن، هذا السياسي لا يمكن أن يكون كذلك، إلا إذا وجد تغطية تظله وتفسح له المجال أمامه ليُصبح زعيما أو برلمانيا أو وزيرا أو غير ذلك من المناصب التي يستمدّ منها قوّته.

لقد أصبحت الأحزاب في المغرب تقدّم التغطية للانتهازيين والمتسلقين والمنتفعين، الذي اتّخذوا منها مطية لتحقيق مآربهم الشخصية، ومصالحهم الخاصة. فلا يكاد يخلو حزب منهم حتى أصبحت روائح فسادهم تزكم الأنوف. ولا أدلّ على ذلك من التقرير الأخير الذي صدر مؤخرا عن المجلس الأعلى للحسابات، حيث كشف أن هناك أحزابا رفض زعماؤها إرجاع مليارين إلى خزينة الدولة، بعد أن دقق قضاته في الحسابات السنوية للأحزاب، وفحصوا صحة نفقاتها من الدعم السنوي، الممنوح لها للمساهمة في تغطية مصاريف التدبير، وتنظيم المؤتمرات في السنة المالية 2018.

لكن الأدهى والأمرّ أن يقوم هؤلاء المفسدون المتنفّذون داخل الأحزاب، بالتواطؤ واستغلال النفوذ السياسي لتوجيه القرارات والسياسات والتشريعات لتحقيق مصالحهم الخاصة، الشيء الذي يمثل تحديا خطيرا في وجه التنمية التي لا يزال شكيب بنموسى يبحثون عن السبيل المؤدّي إليها بعد الفشل الذريع لكل النماذج التنموية التي اعتمدها المغرب في السنوات السابقة، وإلا ماذا نسمّي عرقلة مشروع القانون الجنائي الذي يجرم الإثراء غير المشروع من قِبَل الطبقة السياسية سواء داخل البرلمان أو في الحكومة.  ففي سابقة هي الأولى من نوعها، تعيش لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان “بلوكاجا” منذ أكثر من ثلاثة أسابيع دون الحسم في مشروع القانون المذكور، بسبب نصّه على تجريم مراكمة الأموال عن طريق المناصب السياسية والمسؤوليات الإدارية داخل الدولة. وهو ما لم يتقبّله مجموعة من السياسيين الذين يرون فيه إدانة لهم.

لقد تبيّن زيف خطاب رئيس الحكومة الذي اعتبر من خلال البرلمان أنّ مكافحة الفساد هو أساس عمل حكومته، مؤكّدا أنهم جادون وعمليّون في هذا الاتجاه. لكن وكما يقول المثل المصري: ” اسمع كلامك اصدقك اشوف عمايلك استغرب” ذلك أن رئيس الحكومة لم يجرؤ حتى على الإشارة للمفسدين بالإصبع، وها هي الأحزاب – بما فيها حزب رئيس الحكومة – سادرة في غيّها وتستقطب المزيد من الأعيان لحمايتهم وتوفير التغطية اللازمة لهم، لفرض المزيد من سطوتها على الحياة العامة، سواء على مستوى الصفقات الكبرى التي تجري في الوزارات والمؤسسات العمومية، أو من خلال تمددها داخل المجالس البلدية والإقليمية في مختلف المناطق.  وعلى الجملة فالأحزاب السياسية في المغرب أصبحت تشكل دولة داخل الدولة.

فلاش: يبدو أن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني أصبح متخصصا في بيع القرود، فقد وعد المغاربة بمناسبة التعديل الحكومي الأخير، بأنه سيضخّ دماء جديدة، على مستوى المؤسسات والهيئات السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة، استجابة لتعليمات الملك وتطلعات الشعب المغربي، لكن ورغم مرور أكثر من أربعة أشهر من عُمر حكومته الموقرة، فإن الحياة العامة في البلاد ما تزال تسير بنفس الوتيرة، إن لم نقل بوتيرة أسوأ من الأولى! “. ولقد كان الملك قد أعلن بنفسه خلال خطاب العرش الأخير، عن الجيل الجديد من المشاريع، التي تتطلب نخبة جديدة من الكفاءات. يتساءل المغاربة: ها هي المشاريع التي أعلن عنها الملك موجودة وواضحة، فأين الكفاءات التي ستشرف على تنفيذ هذه المشاريع؟

سيدي رئيس الحكومة، لقد سئم المغاربة من الوعود الكاذبة، ولم يعودوا ينتظرون من كفاءاتكم شيئا، بل أصبحوا يتوجهون إلى العلي القدير أن يغيثهم بالمطر، فهو نِعم المولى ونعم النصير.

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here