بوشعيب أمين: تنفيذ القانون بمحاربة الفساد ليس حقا في ملك رئيس الحكومة

بوشعيب أمين

لا تزال المنظمات الدولية والوطنية تنشر تقاريرها الصادمة حول المغرب وتبوؤه مكانته التي يستحق، وهي مكانة لا تشرف بطبيعة الحال.

فها هي مؤسسة ” ذي ايكونومست انتليجانس للأبحاث والتحليل ” التابعة لمجموعة ذي ايكونومست البريطانية تصنف الدولة المغربية ضمن الدول الهجينة بالخريطة العالمية التي وضعتها عن الدول المعنية بالبحث.

وها هو البنك الدولي يكشف في آخر تقرير دوري له، أن المغرب من أشد البلدان فقرا إلى جانب كل من اليمن وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وزيمبابوي، وليبيريا وإريتريا، وأفغانستان.

لا نريد أن نقوم بعملية سرد للمنظمات والتقارير التي تناولت وضعية المغرب خلال السنوات القليلة الماضية فهي كلها قد أجمعت على تنصيف المغرب في مراتب متأخرة جدا، رغم ما يزخر به من موارد بشرية وطبيعية تؤهله أن يكون في مصاف الدول الجيدة.

إلا أن التقرير الأخير للجمعية المغربية لحماية المال العام، وضع الإصبع على مكمن الخلل، إذ أشار إلى أن الفساد المستشري في مؤسسات الدولة المغربية، هو السبب الرئيس في الوضعية المزرية التي يعيشها المغرب.

في المقابل لا يزال سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، مصرّا على القول بأن الوضع في المغرب لا يدعو للقلق في تحدٍّ سافر للتقارير الرسمية التي ما برحت تدقّ ناقوس الخطر وتنبّه إلى أن الوضع يوشك على الانفجار. ففي جوابه على سؤال محوري حول جهود الحكومة لمحاربة الفساد في الجلسة الشهرية يوم الثلاثاء الماضي بمجلس المستشارين، قال: ” إن النتائج الأولية التي تحققت في مجال مكافحة الفساد، سجلت تحسنا ملحوظا في جملة من المؤشرات” وأضاف:  ” أن حكومته عازمة وملتزمة بمضاعفة الجهود لتحقيق تحول ملموس وأكثر أثرا على حياة المواطن والمقاولة – انطلاقا من قناعة سيادته الراسخة – بأن محاربة الفساد التزام لا رجعة فيه”

لقد أبان السيد رئيس الحكومة عن تناقض فجّ من خلال أجوبته هاته، فها هو اليوم يعلن التزام حكومته في التصدي للفساد أمام المستشارين، ومن قبلُ يعفو عن ناهبي المال العام ويدعوهم إلى الانخراط في تنمية البلاد بالأموال التي نهبوها. فهل يعقل أن يرفع شعار:” عفا الله عما سلف ” من يريد محاربة الفساد؟

إن المنطق يقول: على رئيس الحكومة أن يتحمل المسؤولية، في الحد من الفساد الذي يستنزف 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يعادل 50 مليار درهم سنويا. لذلك يجب عليه  بصفته رئيسا للحكومة، أن يعطي الأوامر للجهات المختصة من أجل تسريع وثيرة الإجراء ات القضائية بخصوص الفساد وفتح تحقيق سريع في بعض الأحكام الصادرة في هذا المجال والمخالِفة للقانون تحقيقا للعدالة وذلك بمحاكمة المتورطين في الفساد و نهب المال العام ( خصوصا أولئك الذين أشار إليهم المجلس الأعلى للحسابات بالاسم والصفة، وبالحجج الدامغة ) إعمالا لمبدأ المتابعة القضائية، وإعمالا للاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد، التي صادق عليها المغرب سنة 2005 وهي اتفاقية ملزمة للدولة بجملة إجراءات من ضمنها عدم الإفلات من العقاب”. فإنْ لم يفعل ويتحملْ مسؤوليته، فكأنه يُشرعن لجريمة ثابتة تستحق العقاب، فرفع في وجهها بشرى “عفا الله عما سلف”.  ثم كيف للسيد العثماني أن يعفو فيما لا يملك ويصدر عفوا على ناهبي الأموال؟ فليس من حقّ أيّ كان أن يصدر العفو على من نهب أموال الشعب، بل لا بدّ من تنفيذ القانون، لإن تنفيذ القانون ليس حقا في ملك رئيس الحكومة، بل هو واجب دستوري وسياسي وأخلاقي يأتي على رأس ارتباط المسؤولية بالمحاسبة.

نعم، كما جاء على لسان رئيس الحكومة في الجلسة الشهرية بمجلس المستشارين إن “الفساد نبتة خبيثة، تنمو في أي بيئة تفتقد لعناصر المناعة الذاتية، والتي ترتكز أساسا على القيم السائدة بين المواطنين، مما يحتم إيلاء العناية الكبرى للتربية والتكوين والتحسيس والإعلام، ثم المراقبة والزجر، وكل ذلك في ظل دولة الحق والقانون، وقيم الحرية والعدل والنزاهة والشفافية ” ولكن أين هي الحكومة التي ستسهر على إيلاء العناية الكبرى لما ذكرتم؟ إن حكومتكم السيد الوزير غير قادرة على الاضطلاع بهذه المَهمَّة، وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقول المثل.

فلاش: في كلمة ألقاها أمام أعضاء شبيبة حزب العدالة والتنمية بمراكش، خلال زيارتهم له في بيته، تحدث عبد الاله ابن كيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، عن إمكانية عودته لتحمل المسؤولية، ويرى ابن كيران، أنه ” إذا اقتضى الأمر أن نضحي كما ضحى دعاة الإصلاح عبر التاريخ من الأنبياء والمصلحين، ماذا سيقع إذا أدينا نحن في المغرب نصيبا من هذا ماذا سيقع إذا اقتضى الأمر ذلك”. عجيب أمر هذا الكائن السياسي الذي يصرّ على استفزاز المغاربة، بأقواله التي تتناقض تماما مع أفعاله… أريد من السيد بنكيران  أن يدلني على أحد الأنبياء أو أحد المصلحين – منذ فجر البشرية إلى يومنا الناس هذا – رضي لنفسه – وهو متقاعد – أن يتقاضى أجرا ريعيا من أموال اليتامى، يكفي لتوظيف أربعة عشر عاطلا من الشباب المغربي. ” وا سير أبنكيران الله يعطينا وجهك وخْلاص “

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here