بوشعيب أمين: الحوار: الوصفة الجاهزة، لماذا لا تجربونها مع ايران؟

بوشعيب أمين

تعتبر قصة الصحابيّ الجليلِ سلمانَ الفارسيّ، وسعيَه في رحلة وراء معرفة الدين الحق؛ والتي انتهت بإسلامه وانضمامه لصحابة وآل رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من أروع القصص التي رواها التاريخ.

فهو أول  من أسلم من الفرس؛ ترك الأهل والأحباب  وهاجر الوطن، متنقلا من بلد إلى بلد، ليصحب الرجال الصالحين من الرّهبان، إلى أن أوصاه راهب بعمّورية، أن يتبع نبيا سيظهر في بلاد العرب، ووصف له علامات ليتحقق منها.

لقد كانت رحلة سلمان الفارسي رضي الله عنه مليئة بالمتاعب والمشاق، فتعرض للسرقة وعانى من الجوع والفاقة، واشتغل مقابل لقمة عيش ثم تعرض للأسر وبيع عبدا في أسواق النخاسة، وغير ذلك من الأهوال التي يشيب لها الولدان. ورغم كل ذلك، فما وَهَن وما ضعُف لما أصابه، لأن الهدف الذي خرج من أجله أسمى وأجلّ من أن يجعله يتراجع أو يقف مترددا وعاجزا…إنها رحلة البحث عن الحقيقة… وفعلا تمكن رضي الله عنه أن يظفر ببغيته، وأن يحقق أمنيته الغالية، ألا وهي لقاء الرسول الخاتِم.

ويحكي سلمان قصة هذا اللقاء فيقول: “وبعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بمكة، لا يُذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرّقّ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له، لما سمعت بخبر قدوم النبي، نزلت أقول: «ما هذا الخبر؟». فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: «ما لك ولهذا، أقبل على عملك» فقلت لا شيء إنما سمعت خبراً فأحببت أن أعلمَه. وبعد أن أُتيحتِ الفرصةُ لسلمانَ، ذهب يختبر صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي أخبره عنها راهب عمّورية، وهي أنه لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وأن خاتم النبوة بين كتفيه. وبعد أن تأكد من الصفتين الأوليين يحكي رضي الله عنه كيف تأكد من الصفة الثالثة فيقول: “ثم جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتبع جنازةً وعلي شملتان لي وهو في أصحابه، فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف. فلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وُصِف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبِّله وأبكي”.

هكذا إذاً أسلم سلمان الفارسي، وكاتَب سيده بعد أن أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وطلب النبيّ من الصحابة أن يُعينوه على تحرير رقبته من الرقّ. وبالفعل أُعتق سلمان وظل مرافقًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتابعًا له حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه وآله وسلم قال: “سلمان منّا آل البيت”.

لقد شغل سلمان الرقُّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، غزوتا بدر وأُحُد، لكنه شهد غزوة الخندق وكان له دور كبير في نجاة المسلمين من الاسئصال. فعندما حاصر أربعة وعشرون ألف مقاتلٍ، تحت قيادة أبي سفيان المسلمين وطوّقوهم، ليبطشوا بهم بطشتهم الحاسمة، وينتهوا من محمد وأصحابه، وجد المسلمون أنفسهم في موقف عصيب، فجمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أصحابَه ليشاورَهم في الأمر، وطبعًا، أجمعوا على الدفاع والقتال، ولكن كيف؟

هنالك انبرى الرجُلُ الطويل الساقين، الغزير الشعر، الذي كان الرسولُ يحمل له حبًّا عظيمًا، واحترامًا كبيرًا. قام سلمان الفارسي، وألقى من فوق هضبة عالية نظرة فاحصة على المدينة، وكان قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب، وخُدَع القتال، فتقدم للرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – بمُقترَحه الذي لم تعهَدْه العرب من قبل في حروبها، وكان عبارة عن حفْرِ خندق يغطِّي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة”  فقال رضي الله عنه: ” يا رسول الله كنّا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا”  وبفضل هذا الرأي الفارسي حفظ الله المسلمين من قريشٍ وحلفائها، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الواقعة في سورة الأحزاب، حيث يقول عز من قائل: ” وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ” إلى قوله عز وحلّ: ” وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا”

 وقد سُميت هذه السورة بسورة “الأحزاب” لأن المشركين تحزّبوا على المسلمين من كل جهة، فاجتمع كفار قريش مع غطفان ويهود بني قريظة وغيرها من القبائل على حرب المسلمين. ولكنهم رُدّوا مهزومين بغير قتال، وكفى المؤمنين القتال بتلك المعجزة.

تذكرتُ قصة هذا الصحابي الجليل وأنا أتابع أحوال المسلمين، وما تتعرض له إيران بالخصوص في هذه الأيام، من مؤامرات على يد آل سعود الذين تحزّبوا مع أمريكا واليهود وغيرهم من بعض الدول العربية، من أجل إخضاعها لشروطهم وإملاءاتهم، وكأني بإيران- وهي التي خَبَرت الحروب ومكائدها منذ قديم الزمان – قد ضربت بخندق بينها وبين أعدائها، وهو خندق المقاومة الذي تكسّرت وستتكسّر عليه كل محولات النيل منها، فلن يصلوا إليها بإذن الله: فأمريكا التي يعوّل عليها آل سعود لشَنِّ حرب بالوكالة على إيران، تقف عاجزة مترددة وحائرة، لأنها تعلم أن أي اعتداء على الإيرانيين ستكون له عواقب وخيمة على منطقة الخليج برمّتها وعلى كل المصالح والقوات الأمريكية المتواجدة في المنطقة. فاكتفت بابتزاز السعوديين والإماراتيين تبيعهم السلاح بمليارات الدولارات، وكأني بها تقول لهم اذهبوا وقاتلوا عدوّكم إنّا ههنا قاعدون نتفرّج وننتظر. وأما آل سعود وآل زايد ومن والاهم من العرب، فلن يقدروا ولن يجرؤوا على إطلاق رصاصة واحدة في اتجاه إيران، لأنهم يعلمون أن الرد الإيراني سيزلزل العروشَ من تحتهم، ويذهب بريحهم إلى غير رجعة. لذلك اكتفوا   – بعد أن خذلتهم أمريكا – بالدعوة إلى عقد قمم ثلاث: خليجية وعربية وإسلامية، دفعة واحدة، فيما يشبه استجداء العرب والمسلمين ليقفوا معهم ضد إيران، ولكن تلك القمم لم تنتج سوى بيانات إنشائية، دون اتخاذ قرارات ومواقف ملموسة.

إنني وأنا أتابع الحالة العربية والإسلامية بكل حزن أسى، يلحّ عليّ تساؤل أوجّهه لآل سعود وآل زايد: لماذا كل هذا العداء لدولة تربطكم بها روابط الجوار والدين؟ أليس من العار أن تضعوا يدكم في يد الأمريكيين والصهاينة، وهم من هم في عدائهم للإسلام والمسلمين؟ أليس حريا أن تنظروا إلى العالم لتروا أن الدول المتجاورة تنشِئ تكتلات لتكون قوية وكلمتها مسموعة، وأنتم تخربون بيوتكم بأيديكم، وبأيدي أعدائكم؟

ألم يئن لكم أن تعملوا على وضع أسس جديدة للعلاقات العربية-العربية، والعلاقات العربية-الإسلامية، تكون مبنية على الاحترام والتضامن، سعيا لإقامة تكتّل عربي إسلامي يعيد للأمة عزتها ومجدها؟ إلى متى ستبقون أضحوكة في العالمين تلوكها الألسنة وتتندّر بها وتجعل منها قصص للسخرية والفكاهة؟ ثم – وأنتم الذين تعادون إيران لأصولها الفارسية – ألا تعلمون أن نبيّكم – نبي الرحمة – أحب سلمان حبا كبيرا بل وشرّفه بأن جعله من آل بيته صلى الله عليه وآله وسلم؟

لا شكّ أن الحوار الهادئ وفتح القلوب والعقول للآراء ووجهات النظر المختلفة لهو أقصر الطرق لحل الإشكالات ونزع فتيل المواجهة سواء مع إيران أو غيرها، أما عدا ذلك فلن يكون في مصلحة أحد سوى أعداء الأمة.

كاتب مغربي مقيم في ايطاليا

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. بسمه تعالى.
    احسنتم و طيب الله انفاسكم. مقال ممتاز و منطقي و مبنية على اساس التاريخ الاسلامي بدون ادنى شك.
    احذروا من يوم لا ينفع مال و بنون الا من اتى الله بقلب سليم. هذه الحقد الاعمى لاخوانكم من المسلمين و حبكم لليهود و ال صهيون من العربان، لاجل المال و الجاه لا تجعل عواقبكم خيرا.
    اللهم اجعل عواقب امورنا خيرا و انصرنا على القوم الكافرين. امين يا رب العالمين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here