بوشعيب أمين: التصحيح قبل فوات الأوان في المغرب

بوشعيب أمين

أصبحت مشكلة التنمية في المغرب، هي القضية التي تحظى باهتمامات العاهل المغربي، بل وتؤرقه. ولعل المتتبع لخطب الملك محمد السادس، خلال السنوات القليلة الماضية يلاحظ أن مواضيع خطبه الأخيرة، خاصة منذ سنة 2013 تطرقت بدرجة أولى إلى التنمية، وإلى الأبعاد الاجتماعية بشكل كبير. في أفق أن تشكل السياسة الاجتماعية جوهر تقدم المغرب نحو تحقيق التنمية المستدامة، من أجل ضمان عدة أهداف أهمها اقتران الأداء الاقتصادي القوي بالتماسك الاجتماعي، والاستقرار بالحريّة، والتضامن بالتنافس، وصولا إلى ضمان التوزيع العادل للثروة والدخل والفرص بين جميع الفئات الاجتماعية المكوّنة للمجتمع.

لكن المثير للانتباه هو أن الملك في إحدى خطبه، يعلن بنفسه عن فشل نموذج الدولة التنموي، رغم الإمكانات الهائلة التي رُصدت له، مُشيرا في ذات الآن إلى أن عدة معيقات اعترضت تحقيق النموذج التنموي في المغرب، بحيث إنه لم يعد قادرا على الاستجابة للمطالب والحاجيات المتزايدة للمواطنين، ولا على الحد من الفوارق الاجتماعية والتفاوتات المجالية، وبالتالي عجزه في تحقيق العدالة الاجتماعية.

الملك في خطابه الأخير والذي ألقاه بمناسبة الذكرى الـ 20 لتربعه على العرش يؤكد اعترافه بفشل النموذج لتنموي بكونه لم يستطع أن يمس جميع شرائح المجتمع المغربي، وهو إقرار صريح بتدهور الأوضاع. لكن المتضرر الأكبر من هذا الفشل هو الشباب المغربي الذي أصبح يجد صعوبة كبيرة في عيش كريم، وصعوبة أكبر في الحصول على الشغل، في غياب العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص، وهو ما ينذر بانفجار لا يعلم عواقبه إلا الله عز وجل.

إن الإقرار الملكي بفشل النموذج التنموي شيء إيجابي لكن ماذا بعد؟

يجب أولا وقبل كل شيء الوقوف عند الأسباب الحقيقية أو ” المعيقات” كما سمّاها الملك في خطابه، والتي حالت دون الوصول إلى تحقيق النموذج التنموي الدي اختاره المغرب، ثم بعد ذلك تحديد المسؤولين باختلاف مواقعهم من أجل مساءلتهم ومحاسبتهم، ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن إعداد برامج إنمائية، وإعداد جيل جديد للمخططات الكبرى التي ستشكل عماد النموذج التنموي في صيغته الجديدة. لكن نجاح هذا النموذج التنموي المأمول يتطلب حكومة منتخبة ديمقراطيا ومنسجمة تتمتع بجميع الصلاحيات التي يضمنها الدستور، وتتوفر على رجال يتميزون بالصدق والأمانة والإخلاص والالتزام، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن التفاني في خدمة الوطن، فهؤلاء هم من يقودون سفينة النماء نحو الوجهة الصحيحة، ونحو شاطئ الأمان والسلام حيث الرفاه والحرية والعيش الكريم لكل أفراد المجتمع.

إن من بين الأسباب المباشرة لفشل النموذج التنموي الحالي في المغرب، هو أن تشرف عليه حكومة تشكلت من خليط هجين يضم أحزابا لا تجمع بينها سوى مقاعد الطاولة التي يجلسون حولها كل أسبوع خلال انعقاد المجلس الحكومي الأسبوعي. حكومة لا همّ لأعضائها سوى التهافت على المكاسب والمصالح الشخصية.

في كلمة ألقاها أحد الوزراء في الحكومة المغربية الحالية، خلال المنتدى الوطني لمنظمة مهنيي الصحة لحزبه، كشف فيها عن نيته الاستحواذ على حقيبة الصحة خلال الولاية الحكومية المقبلة، بعد انتخابات 2021. وهو ما يبين أن مثل هؤلاء لا تهمهم سوى المناصب، ولا يحملون همّ التفكير في إخراج البلد من أزمته التي تستفحل يوما بعد يوم. فهل بمثل هذه العينة يمكن أن نتحدث عن نجاح نموذج تنموي جديد؟ إنه سؤال للتأمل قبل فوات الأوان.

إذا كان الذين أشرفوا على تنزيل النموذج التنموي بالأمس والذي أدى بالبلاد إلى الأزمة، هم من سيشرفون على النموذج التنموي في صيغته الجديدة، فإن الحالة ستظل كما هي عليه الآن وقد سنكون لا قدر الله أمام إفلاس شبه تام على الأصعدة التي تصنع الرقي والحضارة وتحيا بها الشعوب أو تموت.

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. يجب معاقبة كل الفاسدين و إصلاح القضاء و محاربة الرشوة و محاربة مافيا العقار التي تستحوذ على أراضي المواطنين بالتزوير بمساندة السلطات المحلية و المحافظة العقارية و بعض القضاة و تنمية المناطق المهمشة و تفعيل الدستور

  2. النموذج التنموي الذي يتم الحديث عنه من طرف الجميع هو إصلاح العدالة واستقلال القضاء وتعيين قضاته من جنسه، ليتم محاسبة كل مخل بمسؤوليته، آنذاك تنظم الانتخابات وتفرز مسؤولين وطنيين ويتم بعد ذلك التفكير في النموذج المناسب، أما غير ذلك فهو لعب في الوقت الضائع .

  3. إذا لم تكن هناك محاسبة للمسؤولين الحقيقيين على الفشل فإننا سنسمع نفس الخطاب الملكي في السنة القادمة مع إضافة بعض الروتوشات وكل عام والمغاربة بخير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here