بوشعيب أمين: الأحزاب المغربية أفلست ولم يعد لها مبرر وجود

بوشعيب أمين

رسم المركز الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب صورة قاتمة حول الوضعية الحقوقية بالمملكة برسم سنة 2018، مبرزا أن مختلف المجالات شهدت تراجعات خطيرة، بدءا بالمجال الصحي، مرورا بالتعليم، ووصولا إلى استقلالية القضاء.

 وهناك عدة تقارير أخرى، كلها تسير في نفس المنحى، وترسم نفس الصورة القاتمة إن لم نقل أكثر سوادا، بالإضافة إلى تقارير جطو، وتقارير المندوبية السامية للتخطيط فهي كلها تؤكد ما ذكرناه سابقا.

لا بد أن نقرَّ أولا، أن النظام مسؤول عن كثير من هذه الأوضاع التي وصل إليها المغرب، فهو المسؤول عن اعتماد البرامج والمخططات التنموية والاقتصادية الكبرى، وهو المسؤول عن تكريس نهج التبعية للقوى الأجنبية. لكن ما لا يجب تجاهله هو أن النظام ليس هو الطرف الوحيد المسؤول عن هذه السياسات الخاطئة العقيمة، وإنما نجد أن تلك البرامج والمخططات قد حظيت بتأييد فئات سياسية واسعة بعضهم في السلطة وبعضهم خارجها.

الأحزاب في المغرب جزء من تلك الفئات السياسية التي باركت وصفقت للعبقرية التي أنتجت تلك المشاريع. وبدل أن تقوم بدورها الذي ينسجم مع روح الدستور في انتقاد السلطة الحاكمة ومحاولة التأثير على قراراتها في الاتجاه الذي يخدم مصلحة البلد، تجدها تختزل دورها في الوصول إلى السلطة بأي طريقة وبأي ثمن، وبذلك تصبح مصلحتها مقدَّمةً على مصلحة الوطن.

هذا التهافت على السلطة والمناصب لدى الأحزاب له تجليات كثيرة على أرض الواقع، منها على سبيل المثال، أن يقوم مناضل حزبي لم يستفد من كعكة المناصب في مجلس النواب بنطح أمين عام حزبه، ومنها أن يقوم وزير سابق بالتعارك مع أحد مناضلي الحزب الذي ينتميان إليه من أجل ذات المناصب، ولعل من أفظع التجليات هو احتدام الصراع، بين مكونات أحزاب الأغلبية، وصل حد تبادل الاتهامات والتراشق بالألفاظ النابية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، الشيء الذي جعل أحد الباحثين في  العلوم السياسية يعتبر أن ما يحدث – خاصة بين القطبين البارزين في الساحة السياسية حزب العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار- ما هو إلا حملة انتخابية سابقة لأوانها، وأن العد العكسي للانتخابات القادمة قد بدأ بالفعل بعد أن كانت الأطراف المشكّلة للأغلبية تحاول إظهار الانسجام في بداية تحالفها، لذلك كل طرف يحاول التملص من مسؤوليته وتحميل الطرف الآخر كامل المسؤولية. والأدهى من ذلك أن تأخذ الحماسة الزائدة، التي لا نعلم مصدرها، رئيس حزب الحمامة ليعلن، بكل ثقة، أن حزبه سيتصدر نتائج الانتخابات المقبلة، وأنه هو من سيكون رئيس الحكومة القادمة، متنصلا من النتائج السلبية للتدبير الحكومي الذي هو أحد أقطابه الكبار، وواصفا حليفه في الحكومة حزب العدالة والتنمية بالتيار العدمي، فإذا كان الأمر كذلك فما الذي يجبر هذا الزعيم الأزرق على المكوث في حكومة يرأسها تيار عدمي؟ فهل هناك من عبث أكبر من هذا؟

هذه العينة من تجليات تهافت الأحزاب على المناصب والانتخابات يبيّن مدى الإفلاس الذي وصلت إليه الأحزاب قاطبة في المغرب، فلم يعد يهمها سوى الريع والمناصب. ولم تعد قادرة على ممارسة مهامها في تأطير المواطنين، وفي التعبير عن إرادة المجتمع ومصالحه، وفي ممارسة دور الوسيط بين الشعب والسلطة الحاكمة.

إننا لم نسمع للأحزاب صوتا إزاء ما يجري على الساحة الوطنية، من قلاقل سياسية وحراك في جل مناطق المغرب، وما تعرفه بعض القطاعات الحكومية من إضرابات واحتجاجات واعتصامات أمام الإدارات العمومية وأمام مقر الوزارات والبرلمان، وهو ما يؤكد، أن الأحزاب السياسية المغربية الحالية، قد فقدت البوصلة ولم يعُدْ لها دور يُرجى داخل المجتمع، فهل لا يزال لها من مبرر وجود؟

إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here