بوشعيب أمين: إنهم يخافون من تفعيل الدستور

 

بوشعيب أمين

طالما تغنّينا بالدستور الجديد، بل اعتبرناه – في جلساتنا ومسامراتنا سواء هنا في أرض الإقامة، أو عندما كنتُ أزور أرض الوطن / المغرب- كنا نعتبره دستورا ثوريا، خاصة أنه جاء استجابة لشباب حركة 20 فبراير، الذين قادوا احتجاجات الربيع العربي في المغرب عام 2011.  ففي ذلك التاريخ خرج مئات الآلاف من الشباب المغربي في عدة مدن بعفوية يطالبون بالكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية، ويرددون شعارات تنادي بمحاسبة المفسدين ووقف استغلال النفوذ ونهب ثروات البلاد.

انتظرنا بفارغ الصبر مُخرجات هذا الدستور التي ستجعل المغرب في مصاف الدول الديمقراطية، لكن خاب ظننا، لأن المشكل لم يكن في الوثيقة الدستورية: فصولِها وبنودِها، ولكن المشكل كان في التنفيذ والتطبيق.

فحينما يكون الدستور واضحا ويتضمن بنودا تتعلّق مثلا بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أو مبدأ الحق في المعلومة، أو تتعلق بتفعيل القوانين التنظيمية لمؤسسات الحكامة، كمؤسسة الجالية المغربية المقيمة بالخارج، أو تجد فيه ما ينصّ على أن تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. أو تجد فيه دعوة صريحة للأحزاب السياسية لتأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، أو عندما تجد في الدستور ما يضمن للمواطنين الحق في سلامة شخصهم وأقربائهم، وحماية ممتلكاتهم.

عندما تجد كل هذا وغيره في الدستور، ولا يأخذ طريقه إلى التنفيذ، فإن ذلك يدعو للتساؤل والاستغراب. وعندما لا تحرص الحكومة مثلا على تنفيذ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فهي بذلك تشجّع المفسدين على اقتراف ما هم مقترفون من فساد وتزوير. وعندما لا تحرص الحكومة كذلك، على تفعيل الفصول التي لها علاقة بالجالية المغربية بالخارج، خاصة فيما يتعلق بحقوقهم كاملة (المدنية والسياسية) بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات سواء المحلية أو الجهوية أو الوطنية، فهي بذلك تهمّش فئة عريضة من المغاربة ولا تقوم بتشجيعهم على العودة إلى أرض الوطن لاستثمار الأموال التي جمعوها في أرض الغربة، والمساهمة في تنمية وطنهم. لأنهم سيكونون ضحايا للابتزاز الإداري حيث يُطلب منهم التنازل عن نسبة لا تقلّ عن 25 % من تكلفة مشاريعهم مقابل تسهيل المساطر وتذليل العقبات أمامهم.

إن تفعيل الدستور هو الذي يحمي المواطنين من المفسدين، ولذلك فلو شاءت السلطة الحكومية القضاء على الفساد فما على السيد رئيس الحكومة سوى إعطاء الأمر للسلطات الأمنية لحصرهم في لوائح وتقديمهم للمحاسبة الصارمة ليكونوا عبرة لغيرهم. فهم معروفون بالاسم والصفة والعنوان يعرفهم الخاص والعام. لكن مادام الدستور معلقا، ورئيس الحكومة وأغلبيته غير مكترثين لتنزيله، وقد مضى على إقراره حوالي عقد من الزمن، فهذا ليس له سوى تفسيرٍ واحد ألا وهو أن الحكومة وأحزابها ليست لهم الجرأة على تنزيل الدستور وتفعيله. وأنهم يخافون من تنزيل الدستور كاملا بجميع فصوله وبنوده لأنه سيسائلهم، وسيفضحهم.

لقد كان أمل المغاربة كبيرا، إذ كانوا ينتظرون أن تنبثق من خلال تصويتهم على دستور 2011، حكومةً قوية ومنسجمة ببرامج طموحة قادرة على التجاوب مع انتظاراتهم، حكومة قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها والصلاحيات الهامة التي خولها الدستور الجديد لها، وذلك من أجل القيام بإصلاحات حقيقية في الإدارة والقضاء والتعليم، وفي كافة مؤسسات الدولة والمرافق العمومية. لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ لم تفرز الانتخابات التي جرت في ظل الدستور الجديد، سوى حكومة هجينة مكونة من أحزاب لا همّ لها سوى مصالحها ومصالح أبنائهم وأقاربهم.

فلاش: هناك من يقارن بين رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بن كيران، وبين الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي رئيس حكومة التناوب ويرى في أن بين الرجلين تشابه كبير، وهناك من يعتبر بنكيران زعيما وطنيا، وهناك من ذهب أبعد من ذلك معتبرا إياه زعيما أمميا، لكن شتان بين الرجلين، فاليوسفي الذي تقلد المسؤولية والمغرب يعاني السكتة القلبية، وعلى الرغم من الدستور السابق الذي كان يحدّ من صلاحياته، فقد  عمل على إخراج البلاد من النفق، وعندما تقاعد لم يستفيد من أي معاش استثنائي، رغم الخدمات التي قدمها للبلد. أما بنكيران فعلى الرغم من الصلاحيّات التي خوّلها لها دستور 2011، والتي لمْ يسبق أن حظيَ الوزراءُ الأوّلون السابقون بمثلها، فإنه كان يتصرف كأنه موظف بسيط لدى الديوان الملكي، ولا يتحرّك إلا إذا  تلقّى أمْراً من الملك، وهو ما يعني تخلّيه عن صلاحيّاته الدستورية. فهل يُعقل أن يستفيد زعيم وطني أو أممي من معاش يُصرف له من أموال اليتامى؟ وهل يعقل أن يتخلى زعيم وطني أو أممي عن صلاحياته بشكل يثير الجدل والاستغراب؟ بكلمة فبنكيران لم يكن رجل المرحلة، وحتى خلفه ليس رجل المرحلة، ودستور 2011 بحاجة إلى زعماء وطنيين حقيقيين قادرين على ممارسة تدبير الشأن العام بمقاربة تنتمي إلى ما بعد الربيع العربي في نسخته المغربية، ولا يخافون في ذلك لومة لائم!

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. قال صدام حسين رحمه الله و غفر له: الدستور هو أي ورقة أكتب فيها أي كلام …
    تحياتي استاذنا.

  2. الخوف سمتهم لانهم لا يأبهون بالوطن. الخوف من شيمتهم لانه الشماعة التي يعلقون عليها مسؤولية فشلهم. الخوف رايتهم لانهم عدميين ، قاتلين للمبادرات وقامعين للهمم الحرة. فقط المعرفة الواعية بامكانها تحرير الشعب من خزعبلات الوعيد والثورة على هاته العقول الجامدة التي اجتثت من فوق الارض ، وصارت تعيق الوصول لطور النهوض. تحية للكاتب على اتارة ما يمكن استفاقة امة السبات الابذي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here