بوشعيب أمين: إلى السيد رئيس الحكومة المغربية: كيف تريد أن أصدقك؟

بوشعيب أمين

كلما خاطب الملك محمد السادس شعبه إلا وصدقهم القول، بل وفي أغلب الأحيان يتحدث بلسان حالهم. أقال وزراء قصروا في واجباتهم، وغضب من مسؤولين خيبوا آماله. وجّه للحكومة والإدارة الأمر بحماية ممتلكات المواطنين من مافيا العقار والنصب والاحتيال. كما وجه الأمر إلى السلطة التشريعية لإنزال الدستور وسن القوانين التي تجلب الرفاه والسعادة للمواطنين. أعطى أوامره للسلطة التنفيذية بالتقاني في خدمة المواطنين في الحواضر كما في الأرياف. أمر بإصلاح القضاء بعدما تعالت أصوات المتضررين من مافيات التزوير. أرشد الحكومة إلى إصلاح نظام الجبايات والضرائب والبحث عن وسائل فعّالة من شأنها الإسهام في رفع وتيرة النمو الاقتصادي من أجل خلق مناصب الشغل. كما لم يفته كذلك توجيه أمره إلى المسؤولين للاعتناء بمغاربة العالم وتمكينهم من المواطنة الكاملة وتمثيلهم بنسبة هامة في المؤسسات الحكومية ومجالس الحكامة، لإدماجهم في مراكز القرار والمناصب التي تناسب كفاءاتهم التي حصلوا عليها في دول إقامتهم خدمة للوطن وازدهاره في كل المجالات. أمر بالرقي بالخدمات العمومية وتوسيع وتحسين الرعاية لجميع المواطنين في التعليم، وعلى رأسها تمكين التعليم وتلبية الحاجيات الصحية. فعل كل ذلك من أجل تنمية المجتمع المغربي وازدهاره. بعد ذلك قام الملك محمد السادس بتوجيه إنذار قوي للأحزاب السياسية وحذرهم من مغبة الخروج عن الأهداف التي من أجلها أنشأت خاصة في تأطير المواطنين والاستماع لاحتياجاتهم. فلما رأى أن آثار التنمية لم تمس جميع شرائح المجتمع المغربي. خرج وصارح المغاربة في خطاب مباشر بأن المغرب لا يزال لم يحقق ما كان يتمنى من أهداف تنموية. لذلك فأنا أصدق الملك لأنه كان صريحا في وضع الإصبع على الجرح.

 لكن بالمقابل لا أصدق سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المغربية، حينما يقول إن المغاربةَ سعداءُ بالحكومة التي يقودها حزبه، وهو يعلم علم اليقين أن المغاربة الذين يتحدث عنهم السيد الوزير غارقون في البؤس والشقاء من قمّة الرأس إلى أخمص القدم. إذ كيف للذي لا يجد شغلا أن يكون سعيدا؟ وكيف للذي لا يجد سريرا للعلاج أن يكون سعيدا؟ وكيف للذي يعيش تحت عتبة الفقر أن يكون سعيدا؟ وكيف للذي يركب قوارب الموت أن يكون سعيدا؟ اللهم إن كان للسعادة مفهوما آخر لا يعلمه إلا الدكتور سعد الدين العثماني. بل كيف لحكومة غير متجانسة مكونة من خليط عجيب وغريب فيه من التقنوقراطيين جزء، ومن السياسيين جزء، وفيه مَن هو لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، خليط فيه الإسلامي والليبرالي والاشتراكي والشيوعي لا يربطهم – منذ تشكيل الحكومة – أي برنامج سياسي، أن تسعد المغاربة.

لن أصدقك فما أنت إلا وليد مخاض ” بلوكاج ” دام ستة أشهر لا يزال المغاربة يعانون من عواقبه التي تركت آثارها على المواطن والوطن على حد سواء، على المستوى الداخلي والخارجي. حتى مغاربة العالم لم يسلموا من سياسة الهروب إلى الأمام التي تتقنها جيدا. فالمستثمرون منهم أحبطوا لما رأوا خطب الملك التي أوصى فيها بهم خيرا تذهب أدراج الرياح، فبدل أن تقوم حكومتك بتسهيل سبل الاستثمار تجد أكثرهم مجبرين على دفع الإتاوات والرشاوى من أجل تجاوز العراقيل البيروقراطية التي تنصب أمامهم بعناية من قبل مسؤولين جشعين لا تهمهم مصلحة الوطن، كما تجدهم جميعا مجبرين على دفع ضرائب خيالية ليس لها أية مبررات، يقررها موظفون لا علاقة لهم بالمالية ولا بالقواعد الضريبية.                     سيدي رئيس الحكومة، كيف تريد من المغاربة الذين خرجوا في مسيرة عفوية انطلقت مباشرة بعد انتهاء الملك من الخطاب الذي ألقاه يوم 9 مارس من سنة 2011 بخصوص إقرار دستور جديد للبلاد، كيف تريدهم أن يصدقوك وأنت لم تحرص على تنزيله على أرض الواقع وتركته حبرا على ورق؟

لن أصدقك وقد أصبح المغاربة يحكمهم ما يشبه قانون الغاب أو ” قانون دراعو” كما يطلق عليه بالدارجة المغربية، كل شخص يفعل ما يشاء ويأخذ ما يشاء في إطار قوة ذراعه وعلاقاته بالمسؤولين، لا يخاف لومة لائم سواء أكان وزيرا أم غير ذلك، لأنه يعتبر نفسه فوق القانون ومسنود من قوة لا ندري من أين تستمد قوتها هي الأخرى؟ 

سيدي رئيس الحكومة، لن أصدقك حتى أرى بأم عيني الدستور الذي صوت عليه المغاربة يمشي على رجليه، وأرى القانون يسري على الجميع قويهم قبل ضعيفهم، وأرى الخيرات والأموال المنهوبة تعود إلى الشعب، وأرى خطب الملك والشعارات تُطبق على أرض الواقع. بعد ذلك نقنع عقولنا بالتفكير في مقارنة الوضع بالمغرب مع الوضع بفرنسا، فإذا تبيّن لي أن الوضع بالمغرب أفضل من الوضع بفرنسا، عند ذلك يمكن أن أصدّقك!!!

 إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here