بوشعيب أمين: أيام العرب بين الماضي والحاضر

 

بوشعيب أمين

افتخرت العرب منذ قديم الزمان بذكر أبطالها، وأغدقت عليهم من الصفات ما يظهر تقديرها العظيم لهم، وروت من أخبارهم وبطولاتهم الكثير. وقد وصلتنا عبر كتب التاريخ والأدب تلك الأخبار والبطولات إما متضمَّنة في ذكر الحوادث وتراجم الرجال أو مفردة لها فصول وكتب خاصة. والأصل فيها هو اعتزاز العرب بأبطالها والإشادة بإقدامهم عند لقاء العدو وصبرهم على القتال واستبسالهم للموت.

ولا عجب في ذلك من أمّةٍ التي كان الغزو والقتال حدثا يوميا في حياتها، وقد عدّ أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني في كتابه   ” مجمع الأمثال ” مائة واثنين وثلاثين يوماً من أيامها في الجاهلية، منها يوم النسار ويوم الجفار ويوم الستار ويوم نخلة ويوم شمطة ويوم الدثنية، وغيرها. وقد عقّب الميداني على ذلك بقوله: ” وهذا الفن (أي معرفة أيام العرب) لا يتقصّاه الإحصاءُ، فاقتصرتُ على ما ذكرتُ “

وقد أطلقت العرب مفهوم الأيام منذ العصر الجاهلي على (الملاحم) التي كان يسطرها المقاتلون الذين يقودون الجيوش، فخلدت تلك الأيام في شعرها بوصفه السجل الخالد للمآثر العربية للشخصية البطلة بصفات مثالية أقرب ما تكون إلى الكمال في نظر الشعراء، بحكم حضور الشعراء الفعلي لأغلب المعارك وقربهم الشديد من الوقائع، ذلك الذي مكنهم من الوقوف بدقة على تفاصيل الفعل البطولي لاسيما في سياق أشعار الفخر والمديح على وجه التحديد.

هكذا كانت العرب تعتز بأبطالها وتفخر بأمجادهم …حيث عرفت العرب، منذ القدم، أنهم أصحاب مبدإ في الحياة لذا وضعوا أمامهم صورة للرجولة الحقّة، وثبتت لتصبح سجية، كما قال ابن خلدون في مقدمته. لذلك كانت البطولة مفخرة للرجال بين قومه والقبائل المجاورة، فقد تطلّبت الحياة التي كانوا يعيشونها أن يكون كلّ عربيّ فارسا مستعدّا للقتال في أي لحظة. وجاء الإسلام ليعزّز هذه القيمة فساعد على تنميتها وأغدق عليها من المكرمات ما يجعل صاحبَها يتسابق لينال رضا الله عز وجلّ أولا ثمّ لينعم بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.

 في عصرنا الحالي تكاد أيام العرب تخلو من الملاحم والبطولات، إلا في أرض فلسطين… فلا يزال هناك في أرض الإسراء والمعراج أبطال يقاومون، يحملون أرواحهم على أكفّهم، ويضعون أصابعهم على الزناد، أيامهم كلها بطولات ينجزونها في كل لحظة وحين، ضد عدوهم الذي اغتصب أرضهم منذ ما يزيد على سبعين سنة…

فعلى الرّغم من كل الأسلحة الفتاكة التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي، بما فيها أسلحة السحر والشعوذة، وعلى الرّغم من الدعم المادي والاستخباراتي واللوجستي التي تقدمه أمريكا والغرب لهذا الجيش الذي يحتلّ المرتبة الخامسة عشْرة من بين أقوى جيوش العالم، فإنه وقف عاجزا وحائرا أمام هؤلاء الأبطال الأشاوس.

وعلى الرّغم من الإمكانيات البسيطة والمتواضعة التي يحوزها أبطال المقاومة، وعلى الرّغم من المؤامرات التي تُحاك ضدهم والحصار الذي يُضرب عليهم من قِبَل بعض العرب، فإنهم حققوا نصرا مبينا على الجيش الإسرائيلي وسحقوا كبريائه المزعوم، وأسقطوا نظرية الجيش الذي لا يقهر، التي روجت لها وسائل الإعلام الصهيونية منذ أن تمكّن الجيش الصهيوني من هزم الجيوش العربية في ستة أيام.

إن المخزون الروحي لأبطالنا الأحرار في أرض فلسطين، والاندفاع الجبار الذي يتواصلون به مع جذور بطولات أجدادهم، لَيَعِدُ بفتوحات عظيمة ستحرّر الأرض والمقدسات من قبضة الصهاينة الغاشمين، والأكيد أن طريق هؤلاء الأبطال مختلف تماما عن طريق كلّ الخانعين والمستسلمين للهزيمة سواء من الشعوب أو من الحكام العرب، الذين تنازلوا عن القضية وذهبوا يهرولون لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني ويضعون يدهم في يده من أجل تصفية القضية الفلسطينية.

ولعل من غرائب الزمن أن يقوم بعض هؤلاء الحكام بوصف أبطال المقاومة بفلسطين بالإرهابيين، عوض أن يفخروا بهم ويخلّدوا أسماءهم بماء الذهب. لكن ما يفرحنا حقّا ويجعلنا نستبشر خيرا هو أن الشرفاء في صفوف أمتنا كُثر، وهم جاهزون للتضحية في سبيل استقلال الأمة وصيانة حدودها، وهذه مسألة يجب على الحكام العرب أن يستوعبوها، فيفسحوا المجال لشعوبهم لمقاومة العدو الصهيوني حتى يطردوه من أرض فلسطين الحبيبة، فإذا حصل ذلك فإنه سيكون خطوة مهمة في طريق التعبئة الجماهيرية المطلوبة لاستعادة أيام العرب.

وإلى ذلكم الحين – وهو قريب بإذن الله – فإني أتقدم بكل خشوع لأقبل جباه أبطالنا الصامدين المرابطين بأرض الإسراء والمعراج، وأبوس أياديهم الطاهرة طهر الحرم القدسي، وأدعو الله أن يحقق أمنيتي هاته قبل أن يقبضني إليه.

إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. شكرا للكاتب علي ما كتب وهي حقائق ، الشجاعه والدفاع عن الاوطان بند مهم جدا لصيانه الاوطان والامم من الضياع والاهم من هذا كله واعدوا لهم ما استطعتم من قوه وهي الصناعه التقدم العلمي والاقتصاد الصناعي والزراعي وان يتم حمايه هذه العناصر من ألقوه . وضع معظم الدول العربيه او جميعها لاتنسج حاجتها من الغذاء وليس لها وسائل صانعيه متقدمة ، وبالتالي لا مجال للفرسان بالسف والخيل ان ينتصروا بالسف والرمح والفرس وركوب الخيل . الفارق العلمي كبير والًفساد والفقر سائد ، ولا يوجد اداره لأي بلد تعني ما ذَا تفعل . هل يعقل ان تخزن الاموال بالغرب وكان بالامكان استثمار جزء منها الصناعه والزراعه والبحث العلمي كما تفعل الدول المتقدمة . سبق وان طرح العراق مشروع الزراعه بالسودان ويمول بنسب من الدول القادره علي ذالك لإنتاج الغذاء للوطن العربي كافه . وتلاشي المشروع ولم يتبناه الجميع بنيه صادقه . والعرب يحاصرون بعضعهم بعضا الخ ويدمرون من لا ترضي عليه امريكا لان اغلبيته الدول امرها ليس بيدها ، وهي أسر الحكم والشعب يرزح كما اريد له ان يبقي . ومع ذالك يوجد عناصر تدعوا الي التفائل لمقاومه أعداء الشعوب العربيه ويفعلون ما يستطيعون وبشجاعه . ولكن الباقي أين قلبهم وتوجههم الي ؟!!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here