بوشعب أمين: إن الله أرحم من أن يجمع على المغرب مصيبتين: وباء الفساد ووباء كورونا

 

بوشعب أمين

– قال لي صاحبي وهو يحاورني من أرض الوطن عبر الوتساب: ” لقد كنتَ قاسيا على الأحزاب في مقالك الأخير”

– فقلت له: وأين تتجلّى القسوة يا صديقي العزيز؟

– قال: لقد أصدرتَ حكما غير علميّ، وصوّرت لقرّائك الأعزاء بأن الأحزاب هي أّسُّ كل فساد. والحقّ أن الفساد في المغرب له عدّة أشكال مختلفة ومتعددة، فلا تكاد أية مؤسسة أو إدارة تخلو منه، فعلى أي أساس أصدرت حكمك هذا؟

– قلت له أوضّح مقالتي: ” إن ما كتبته مؤخرا ليس إلا حلقة من سلسلة مقالات أحاول من خلالها تفكيك منظومة الفساد، لوضع الإصبع على أسباب استشرائه في الواقع سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، من أجل محاصرته ووقف النزيف.

– قاطعني صاحبي قبل أن أكمل توضيحي قائلا: لكن محاربة الفساد مسؤولية الجميع وليس فقط الأحزاب، فلمَ حمّلت الأحزاب وحدها تبعة كل الفساد المستشري في البلاد؟

– قلت لصاحبي: اعلم يا صاحبي أن الأحزاب تعتبر ركنا أساسيا في النظام السياسي، ولها دور كبير في صنع السياسة العامة، فهي بمثابة القلب للجسم، إذا صلحت صلح سائر النظام السياسي، وإذا فسدت فسد سائر النظام السياسي.

– ضحك صاحبي وقال: أإلى هذا الحد؟

– قلت: نعم، فالحزب، كما تعلم، تنظيم يسعى لتولّي الحكم وممارسته وفق برنامج مسطّر، لاسيما من خلال تواجده في السلطة التشريعية. وكذلك من خلال دوره في تنفيذ السياسة العامة من خلال السلطة التنفيذية.  لذلك فالأحزاب بواسطة هاتين ممارستها الفعلية لهاتين السلطتين يمكنها أن تحارب الفساد وتقضي عليه، أو تحاصره على الأقل.

– صمت صاحبي قليلا ثم أردف قائلا: ولكنْ هناك فاعلون آخرون يتحمّلون مسؤولية الحكم. ألا توجّه لهم اللوم؟

– قلت له: من تقصد بكلامك؟

– قال: المؤسسة الملكية ألا تمارس هي بدورها الحكم؟

– قلت: بلى، ولكنّ الملك محمد السادس- منذ اعتلائه عرش المغرب يوم 23 يوليو 1999، أعلن عن المفهوم الجديد للسلطة واهتم بالقضايا الاجتماعية واحتياجات المواطنين البسطاء من خلال “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” وعقب اندلاع ثورات الربيع العربي وخروج “حركة 20 فبراير” إلى الشارع للمطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد والاستبداد، استجاب لهم وطرح في خطاب يوم 9 مارس 2011 مشروع تعديل الدستور تعديلا شاملا، وذلك من خلال لجنة موسعة وعرضه على استفتاء شعبي، وهو ما تمّ بالفعل في نفس السنة. حيث تضمّن تقاسم السلطة بين الملك ورئيس الحكومة، كما تضمّن كذلك  ربط المسؤولية بالمحاسبة مع توسيع صلاحيات البرلمان، وغيرها من التعديلات التي فتحت الباب لتحول ديمقراطي حقيقي.  وبعد إجراء انتخابات 2012 ، شدد الملك على أنه يأتي في صدارة أولويات هذه المرحلة تنزيل الإصلاحات الدستورية ومتابعة القرارات، وتنفيذ المشاريع، وهي – كما قال – من اختصاص الجهازين التنفيذي والتشريعي، بالدرجة الأولى.  لكن للأسف الشديد الحكومة التي تشكلت من عدة أحزاب، وترأسها عبد الإله بنكيران آنذاك لم تكن في المستوى اللحظة التاريخية. فماذا تريد من الملك أن يفعل؟

– ساد صمت طويل بيني وبين صاحبي، وبعد ذلك أجابني قائلا: تريد أن تقول إن ” الملك طيب، والطبقة السياسية سيئة”.

– أجبته على الفور: لستُ أنا من يقول، ولكن الواقع هو من يقول ذلك، لقد أصبح الملك مضطرا إلى النزول إلى الميدان لمحاربة الفساد والمفسدين بنفسه.  فهو لا يتواني ولا يسامح عندما يقف على ملفات فيها رائحة الفساد. والأكيد أن للملك غضبات تحدث زلازل مدوية، تطيح بالمسؤولين الفاسدين مهما علا شأنهم، وليس آخرها غضبته من مشروع ” تغازوت باي”  لصاحبه عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.

– قال صاحبي: ولكن الملك لن يقدر على محاربة الفساد بمفرده.

– قلت له: ومن قال لك إنه بمفرده، فالشعب المغربي لن يبقى مكتوف الأيدي، وهو يرى بلده يسير نحو الهاوية، فأكيد أن ثورة ثانية قادمة، بطلاها الملك والشعب، فإذا كانت الأولى قد أخرجت الاستعمار الفرنسي، فإن الثانية ستقوم من أجل دحر الفساد والمفسدين.

فلاش: قبل أن يودعني صاحبي سألني عن فيروس كورونا ومدى تأثيره على الإيطاليين، فقلت له: أسأل الله أن ينجّي المغرب من هذا الفيروس القاتل لأن آخر ما تفكّر فيه “حكومة أين الكفاءات” هو صحة المواطنين، فهل يكفي تفعيل المراقبة الصحية على مستوى المطارات والموانئ، لمواجهة  فيروس كورونا الذي قهر دولا أكثر تقدما من المغرب في مجال الصحة. أما إيطاليا فالكل مجنّد وأولهم المسؤولون الحكوميون. ضحك صاحبي وقال: لا تخف أيها الرجل الطيب: إن الله أرحم من أن يجمع علينا مصيبتين: وباء الفساد ووباء كورونا. ضحكت بدوري وقلت: صدقتَ صدقت أيها الصديق العزيز. وإلى الملتقى بإذن الله.

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. كما هي العادة سيد امين ، اسلوب راقي كفيل بحلحلة ضمائر من تقلدوا مسؤولية تسيير قطاعات البلد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here