بوح الأمكنة: همسات من وادي القلط الهمسة الأولى

ALWADI-22

بقلم وعدسة: زياد جيوسي

    أي جمال هذا الذي كنت على موعد معه؟ وأي حلم كنت أحلم به سيتحقق؟ وأية مشاعر ستنبثق من روحي وأنا أجول جمال الطبيعة وعبق التاريخ، وأستمع للصخور والحجارة تروي لي الحكاية، حكاية قديمة منذ ما قبل التاريخ، وصولاً إلى حكايات في القرون الأولى للميلاد، حتى الوصول إلى وقتنا الحالي.

   قبل السادسة صباحاً يوم الجمعة السابع من نيسان لعام 2011 كنت قد صحوت من نومي، فقد كنت على موعد لزيارة وادي القلط للمرة الأولى في حياتي. همست لرام الله من النافذة: صباحك أجمل يا رام الله.. صباحك أجمل يا حبيبتي. وتأكدت أن حقيبة الرحلات عندي تضم كل ما يمكن أن أحتاجه في رحلتي الجديدة، وارتديت ملابس تتناسب ورحلتي ، إضافة إلى انتعال حذاءٍ يمنع الانزلاق على الصخور والرمال،  فهذه الرحلة ستستغرق مسافة طويلة سيراً على الأقدام، هبوطاً من رأس الجبل إلى الوادي، ثم الصعود للوصول للدير والعودة، وإكمال المسيرة لمناطق أخرى.

   تحركت باتجاه أريحا تداعب روحي نسمات رام الله الباردة برفقة صديقة صحبتنا إلى المكان  بسيارتها الخاصة لنبدأ رحلتنا مع شدو فيروزي ، و مروراً بأطراف القدس المحرم على بلابلها الدوح، والمستباحة للغربان من كل جنسِ، اتجهنا إلى أريحا، وبعد اجتياز الخان الأحمر بدأت الطريق بالانحدار نحو وادي الأردن ..

اجتزنا الخان بعدة كيلومترات ،حيث توجد هنالك طريق على الجهة اليسرى تؤدي إلى وادي القلط ودير السان جورج (دير القلط)، والطريق الأقرب للوصول لوادي القلط من الأعلى .. من منطقة الينابيع بدأنا التحرك ، وهي منطقة أصبحت تخضع لسيطرة الاحتلال وجيشه ومستوطنيه، وهو ما دفعنا لسلوك الطريق الأصعب من داخل أريحا صعوداً بطرق هشمها الاحتلال، حين أغلق الطريق في وجه أبناء البلد، وتركها مشاعاً لمستوطنيه الغرباء..

 سِرنا بين المزارع في البدايات، حتى وصلنا لمبنى متهدم متروك على قمة صخرة، ويافطة تقول: بوابة أريحا. هذه الطريق هي الطريق القديمة التي كانت تربط أريحا بالقدس، وكانت هذه البوابة هي المدخل إلى أريحا..

 واصلنا المسير حتى أدركنا منطقة  توقعنا مسبقا استحالة المرور منها لسوء وضعها، ترجلت من السيارة لأستكشف الطريق أكثر ، عثرت على مسافة محدودة ..وأشرت على صديقتي التقدم بهدوء ، حتى نتمكن من اجتياز المنطقة الصعبة ..

مشينا حتى أكملنا الطريق التي استوقفتنا عدة مرات لالتقاط الصور، ولعل المشهد الذي أثار دهشتي مشهد لحيوانات كالجرذان الضخمة الحجم، تندفع بقوة وبالعشرات نحو الوادي من سفح الجبل، إلا أن  المسافة التي لم تُتَح إلينا منعتتنا من  معرفة شكل هذه الحيوانات وتصويرها عن قرب، وإن كنت أعتقد أنها ما نسميه بمنطقتنا (الغريري)، وهي تعيش في الأودية كما كنت أسمع عنها في طفولتي من رجال يكبرونني سنا ، لكني ومذ ذاك لم أشاهدها عن قرب أبداً.

   واصلنا المُضيّ حتى السدة الترابية التي وضعها الاحتلال لمنع عبور السيارات الفلسطينية، فترجلنا سيراً على الأقدام إلى البوابة الحجرية التي تشير للدير، وكان هناك مجموعة من الأشخاص يعرضون خدماتهم بنقل الزوار على ظهور الحمير، لكننا فضلنا التمتع بالسير على الأقدام رغم طول المسافة، فبدأنا الهبوط عبر طريق ضيقة ومتعرجة بقوة تقود السائرين للوادي، وهذه الطريق الوحيدة المعبدة ، لكن لا تدخلها السيارات..

هناك كانت  فرصتي  لالتقاط صور للمنطقة من زوايا مختلفة!

حين أطللنا على مواجهة الدير في السفح المقابل، جلسنا في الظل قليلاً لاحتساء القهوة التي حملناها معنا، لنكمل النـزول حتى قعر الوادي الجاف بحكم العوامل الطبيعية وقلة الأمطار في المواسم المتلاحقة، ثم عبر قنطرة على الوادي بدأنا بالصعود الصعب للوصول إلى مدخل الدير، وفي هذه الفترة تلاحقت قوافل الزوار، فمنهم من يسير على قدميه،  ومنهم من يفضل امتطاء الدواب ، خاصة الكبار في السن ومن يعانون من السمنة !

   للمكان رهبة تترك أثرها في النفوس، فبين هذه الصخور الجرداء، والوادي الجاف، والانحدار القوي للطريق، ما يجبر المرء على التساؤل : كيف عاش الرهبان والنساك في هذه الكهوف، وكيف وصلوا إليها  أصلاً ؟

 فالوادي هو انهدام طبيعي بين الهضاب المجاورة، وهو مكون من جدران صخرية عالية تمتد لمسافة 45 كيلو مترا بين أريحا والقدس، أما الطريق الضيقة والوعرة المدمرة بفعل الاحتلال، والتي وصلنا من خلالها و تمتد بمحاذاة الوادي، كانت في السابق الطريق الرئيسية لمدينة أريحا، ولكنها تستعمل الآن من قبل السياح الزائرين للدير، حتى أن الرهبان والنساك سكنوا هذا الوادي في الكهوف والفوهات الصخرية منذ القرن الثالث للميلاد، وبدؤوا بتعمير الدير منذ القرن الخامس للميلاد، وعبر الزمن أنشأوا العديد من الأديرة، ومدّوا قنوات المياه من عيون الماء والينابيع في أعلى الجبل، وهذه القنوات المائية كانت تعتبر الأكبر والأكثر أهمية بتلك المنطقة، حتى أن هيرودتس قام ببناء قناة لتزويد قصره الشتوي في تلول أبو العلايق.

   دير (السان جورج) أو دير وادي القلط كما هو متداول اسمه، وهو يعتبر من أقدم الأديرة في فلسطين، عبارة عن مكان صخري مكون من الكهوف الطبيعية، سكنه الرهبان والنساك للتفرغ للعبادة أو هرباً من الاضطهاد الديني من قبل الغزو الفارسي للبلاد، المكان يتبع لطائفة الروم الأرثوذكس العرب الأقحاح، لكنه كما باقي الأديرة والأملاك المملوكة لطائفة الروم الأرثوذكس، جرى الاستيلاء عليه من قبل الكنيسة اليونانية، ويعتقد أن النبي إيليا سكن المنطقة لفترة أثناء توجهه إلى سيناء، ويقال إن القديس يواكيم كان في المنطقة حين أخبره الملاك أن ابنته سيدتنا مريم العذراء قد حملت بسيدنا المسيح عليه السلام، وقد بدأ بناء الدير في القرن الخامس ميلادي، من قبل الناسك يوحنا الطيبي الذي أتى من بلدة طيبة في مصر ليتنسك ويتفرغ للعبادة بهذا الموقع، وفي القرن السادس الميلادي سمي باسم القديس جورج الخزيفي الذي أتى من قبرص وسكن الدير وتفرغ للعبادة فيه، حتى مات ودفن فيه.

   تعرض الدير في العام 614 للغزو الفارسي، فتم قتل كل من فيه من رهبان ونساك وجرى هدمه، وبقي مهدماً ومهجوراً حتى العام 1179 للميلاد أثناء الحملات الصليبية، جرى ترميمه من جديد، لكن بعد طردهم من البلاد بقي مهملاً حتى أتى إليه الراهب اليوناني كالينيكوس فرممه وسكن به في العام 1878، واستمرت عملية الترميم معه حتى العام 1901، وفي الدير نشاهد الآن صناديق تحتوي الجماجم والعظام للرهبان الذين قتلوا فيه عبر العصور، وتم العثور عليها في عمليات الترميم.

   ما أن وصلنا أسفل الوادي حتى بدأنا بالصعود باتجاه بوابة الدير، فالزيارات لهذا الدير كما غيره من الأديرة محكومة بأوقات محددة، وخارج هذه الأوقات لا إمكانية للدخول رغم كل الجهد المبذول للوصول.

تمتد أراضي  الدير على مساحة 103 دونمات مربعة، ويمكن مشاهدة الصلبان المزروعة في زوايا الأرض لتحديد المساحة التابعة للدير، بينما الأراضي المستغلة لا تتجاوز الدونم المربع الواحد، حيث أن باقي الأراضي هي صخرية وعرة وسفوح جبال تطل على الوادي الضيق.

   وصلنا إلى بوابة الدير عبر طريق متعب، وقبل دخولنا وفي الباحة الخارجية كان هناك ضريحان حديثان، عرفت أنهما لرهبان توفوا ودفنوا فيهما ، أحدهما كان يشير إلى وفاة صاحبه في العام 2001 ، إضافة لبعض الأحواض الحجرية القديمة والجرار الفخارية .

واصلنا المسير إلى بوابة الدير لنبدأ التجوال بداخل الدير، الذي أشارت إحصائية لمركز الإحصاء الفلسطيني أن عددا قليلا من الرهبان اليونان يسكنونه ، لنبدأ التجوال داخل الدير بهدوء وصمت حتى لا نشوش على الزوار صلاتهم في أمكنة الدير المختلفة، وتمعنت بكم كبير من الأيقونات واللوحات الدينية لقديسين ومشاهد دينية، ولوحات وأيقونات أخرى تمثل سيدنا المسيح وسيدتنا العذراء مريم عليهما السلام، وحقيقة ، إن التجوال في داخل الدير يُشعر المرء بالرهبة، هذه الرهبة التي شعرت بها حين دخلت الأقصى بعد غياب 46 سنة عن رحاب القدس، وشعرت بها بقوة أكبر حتى سال الدمع من عينيّ حين دخلت الحرم المكي ورأيت الكعبة لأول مرة في حياتي، أثناء أدائي شعيرة العمرة في آذار من العام الفائت، فالأمكنة الدينية وأماكن العبادة التي تتمازج بها القدسية بالتاريخ، الحاضر بالماضي القديم، الحلم بالتراث، لها رهبتها المتميزة ووقعها على الأرواح.

   بعد أن أنهيت التجوال في كل قاعات الدير المفتوحة وباحاته وشرفاته، ومن أحد الشرفات المحاطة بسياج خشبي، كنت أقف وأنظر للوادي السحيق والتقط الصور بعدستي، وأهمس لنفسي: كم هم جبابرة أولئك الأجداد الذين وصلوا هنا، رغم أنها مناطق بعيدة ووعرة وصعبة، لم تكن تسكنها إلا الوحوش والضواري والطيور الجارحة، ولكن لا بد أن قوة الإيمان  بالمكان عندهم كانت أقوى من كل الصعاب..

غادرنا الدير لنرتاح تحت شجرة سنديان عتيقة ضاربة الجذور، نأكل بعضاً من الطعام ونحتسي القهوة، استعداداً لصعود الجبل مرة أخرى، للوصول إلى السيارة واستكمال رحلتنا كما خططنا لها…. تل السمرات وتلول أبو العلايق وصولا لعين السلطان، وهذا ما سيكون له حديث آخر في همسات لاحقة .

   صباح آخر لرام الله بعد موجة الثلوج والبرد القارص، وبعد الزيارة التي قام بها المنخفض (اندرو) للمنطقة عموماً ولفلسطين بكاملها، تاركاً ما تركه من خراب وضحايا وتدمير لبيوت وبنية تحتية. الجو ما زال بارداً جداً، وبقايا الثلوج على الأسطح قِبالتي. أحتسي قهوتي وأحلم بطيفي البعيد القريب، أستذكر رحلتي الأولى لوادي القلط والتي فجرتها في ذاكرتي رحلتي الثانية منذ أسبوع، أستمع لشدو فيروز وهي تشدو: (بكره الشتوية بتروح ومنتلاقى بنوار، يحلى عيد يضوي عيد نزرع ونلم عناقيد، وانطرني ولا تبقى تفل، وتتركني وحدي عم طل، جمعتلك حرج زهور، ياسمين ومنتور وفل).

  أنظر من نافذتي وأهمس: صباح الخير يا وطني، صباحكم أجمل جميعاً.

ALWADI-44

ALWADI-88

صور خاصة بصحيفة “راي اليوم”

(رام الله 2013)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here