بهاء نصار خير: واشنطن ما بين المناورة السياسية والقوة المطلقة المكبلة في سورية!!

بهاء نصار خير

ما بين التصريح والتصعيد وخطاب المنابر، تبقى الحلقات غير متكاملة الترابط تماماً .. وما بين هذا وذاك واشنطن توقد النار تحت قِدر البربوغاندا الإعلامية التي ترافق القضاء على تنظيم داعش الإرهابي شرق الفرات كما تدعي. وتقول بأن أيام التنظيم باتت معدودة وهنا مربط الفرس في التصريح الآخر التابع للأول : “تحذير أميركي من عودة التنظيم للظهور من جديد” ..

شرق الفرات اليوم يرزح تحت نير فخ التقسيم الذي تلوح به واشنطن معتمدة على فصائل كردية تصول وتجول في الشرق عسكرياً وسياسياً متناسيةً لوعودٍ أميركية قُطعت للآباء في سبعينيات القرن الماضي بالدعم والتمويل لذات المشروع الحالي ولكن انتهى المشروع السابق بحرق تلك الورقة التي كانت تنشط شمال العراق بعد اتفاق شط العرب في الجزائر عام 1975 وحينها قال الأكراد والمراقبون بأن واشنطن وكما يقال وفق مثل أميركي بأنها “رمتهم تحت الباص”..

المشهد اليوم شديد التعقيد كما يوصف في كثير من المناسبات التحليلية، ولكن عند التدقيق فيه رغم تعقيده ودخوله نفق الاحتمالات كما يصف البعض، تبقى هناك بعض التفاصيل التي يُبنى عليها بناءً على استئناس من محطات تاريخية سابقة ..

إسرائيل اليوم فقدت ورقة المنطقة الجنوبية من سورية والتي كانت تضعها في خانة التحويل لجنوبِ لبنانٍ لحدَيٍ جديد وهو “ما لم يرى النور” .. وتركيا التي يُكبح جماحها اليوم ببعض الاتفاقيات مع موسكو حتى ولو لم تلتزم بها أنقرة حتى اللحظة ولكن نوعاً ما ممسوكة من قبل موسكو بشكل أو بآخر .. والأميركي ليس في خانة الضعيف ولكن قطعاً ليس في خانة القوة المطلقة ..

كل هذا يعطي مؤشرات لمشهد ميداني وسياسي يعتمد على تقديم وتبادل أوراق القوة والضعف بين كل الأطراف مع اختلاف نسبة القوة والضعف بينهم والتي يدخل بينها الروسي متسلحاً بقوة ميدانية على الأرض لا يمكن إغفالها وقوة سياسية دولية لا تستطيع واشنطن رغم ماكينتها الإعلامية والسياسية أن تغض الطرف عنها .. وهذا أمر واقع ..

ضمن رؤية ربط الأمور منطقياً وليس عاطفياً فما يحصل اليوم شرق الفرات لا يمكن فصله عما يحصل في الشمال السوري سواء في إدلب أو حتى في ريف حماة الشمالي المتداخل إدارياً مع ريف إدلب الجنوبي . تركيا وأعلنتها صراحةً تسعى لتحويل جبهة النصرة والتي صنفتها إرهابية ظاهرياً إلى فصيل معتدل يلبس عباءة الإخوان المسلمين مطالبة بدور لها في العملية السياسية في سورية ترى من خلالها أنقرة فرصة كي لا تخرج من المشهد بخفَي حنين .. في حين ترى موسكو في التنظيم المذكور خطراً لا بد من القضاء عليه سواء وافقت أنقرة أم لم توافق حتى ولو كان النفس السياسي طويلاً .. فالانتظار والرهان على الوقت بالنسبة لموسكو أفضل من التصعيد الذي قد يرمي بالتركي في حضن الأميركي بشكل مطلق يعقد المشهد بشكل أكبر سواء في إدلب أو حتى شرق الفرات المنطقة التي تحاول تركيا وضع ولو إصبع قدم فيها عبر منطقة عازلة في الشمال كما تحاول. تمتد حدودها من ضفة الفرات إلى ضفة دجلة في الغرب .. بالمقابل أنقرة تشد الحبل نحوها وترخيه قليلاً من يدها بشأن إدلب فالبارحة ترفض وتقايض واليوم تساعد  في توجيه روسيا لضربات دقيقة ضد جبهة النصرة . وهو ما يبنى على مدى الأخذ والرد ما بين أنقرة وواشنطن.

ترتيب الأدوار اليوم يعطي فرصة لإسرائيل والتي هي على دكة الاحتياط رغم اعتداءاتها المستمرة عبر الصواريخ أو حتى الغارات الجوية أن تنتظر ساعة الصفر بإيعاز أميركي لفتح جبهة حرب تكون مقدمة لحرب شاملة سواء في الجنوب السوري أو حتى في جنوب لبنان والذي هو مرشح بشكل أكبر لخوض هكذا سيناريو خاصة بعد القرار البريطاني الأخير والذي اعتبر الجناح السياسي لحزب الله بالإرهابي أو حتى التهويل من تعاظم قوة حزب الله والادعاء الإسرائيلي باكتشاف الأنفاق وتدميرها .. رغم أن البعض يرى في قطاع غزة فرصة أكبر لإسرائيل في جعلها ميدان الإلهاء السياسي الجديد ولكن ما قد تحصل عليه من غزو لبنان سياسياً وتمويلياً أميركياً أكبر بكثير مما ستحصل عليه من العدوان على غزة رغم تنفيذ غارات تتصاعد وتخبو بين الحين والآخر .

وبهذا الاحتمال ترى واشنطن بأنها قادرة بعد الحرب على فرض الشروط والجلوس على طاولة المفاوضات وفق سيناريو كامب ديفيد معدل بصيغة صفقة القرن كما تسميها .. ولكن إن كان قرار البدء بالحرب بيد واشنطن وتل أبيب فقطعاً قرار إيقافها لن يكون في يدها بالمطلق ..

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كل اﻻحترام لك أستاذ بهاء، رأي سديد ووجهة نظر شاملة للموقف الحالي في سورية، لكن يبدو التخبط واضح وكبير بالنسبة لمشعلي الحرب في سورية وفشل مشروعهم، ﻻ بل مشاريع كل منهم، ﻷنه يبدو لكل من أمريكا وتركيا وإسرائيل مشاريع مختلفة بعد فشل مشروعهم اﻷساسي بتقسيم سورية الذي يتفقون عليه جميعهم وأصبحت أمريكا التي تراجع مشروعها إلى هدف وحيد وأساسي فصل تحالف المقاومة (جغرافيا) وإبعاد إيران عن حدود (إسرائيل) وتخبطها في إرضاء تركيا أو حليفهم وحلبف إسرائيل بعض المنظمات اﻹرهابية اﻻنفصالية الكردية، بينما أردوغان الذي يلعب الحبال سيخرج من اللعبة خاسرا بسقوطه وسقوط حزبه اﻹسﻻموي، وإسرائيل التي أيقنت أن حلف المقاومة يهدد وجودها وأظنها ﻻتجرؤ على حرب شاملة ﻻ في سورية أو لبنان أو اﻻشتباك مع إيران إن مباشرة أو عن طريق القوات اﻷمريكية..
    الجيش السوري العظيم وحلفاؤه أسقط كل مشاريعهم وسنهض سورية كما طائر الفينيق من الرماد..
    دمت بألف خير أستاذ بهاء.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here