بلا قناع! مخيم اليرموك هو الفردوس بالنسبة لي

ali-kanan-ok

 

علي كنعان

يقول ألكس مونتي في روايته “قصة سان ميشيل”، وقد انتهيت من ترجمتها قبل حين: “إن المحكومين في جهنم هم وحدهم الذين يتذكرون حياتهم على الأرض”!.. لكني أخالف هذا الطبيب السويدي العبقري، مؤكدا أن حياتي في مخيم اليرموك بدمشق كانت أقرب إلى نعيم الفردوس. وقد عشت هناك أربعة عهود متوالية في أقل من عشر سنين: الوحدة بين مصر وسوريا، الانفصال، 8 آذار، وحركة 22 شباط.. حتى هزيمة حزيران التي كانت صاعقة على جيلنا كله، لولا انطلاقة العمل الفدائي الفلسطيني.

ولأني بقيت ثلاث سنوات في دراسة التاريخ الأميركي، ما زلت أتذكر أن ضحايا الحرب الأهلية في الولايات الجنوبية فقط تجاوزت 250 ألفا، وكانت ضحايا الشمال الذي حافظ على الوحدة أكبر، كما أن لينكولن دفع  حياته ثمنا لها، ولم يكن ثمن الصلح والوفاق أقل من ذلك!

وأحداث سوريا، رغم أهوالها الفاجعة، كانت تبدو لي فاصلا دراميا موجعا من فظائع التاريخ الدموية، ولا بد أن يصل إلى نهايته المحتومة. ولكن يوم اقتحمت النار مخيم اليرموك، وقد سبقته في معاناة الكارثة مخيمات أخرى، شعرت أن قلب سوريا غدا مهددا بالخنجر الصهيوني ولم تعد الضواحي والأطراف وحدها عرضة للمأساة. ومن لم يعش في ذلك المخيم لا يعرف مدى الالتحام الوجداني والروحي والفكري والمعيشي بين أبناء بلاد الشام من فلسطينيين وسوريين وأردنيين ولبنانيين، ولا سيما يوم عززت كيانهم القومي الواعد مصر العروبة بقيادة ناصر.

وحين أشير إلى “الخنجر الصهيوني”، أدرك جيدا أن الهدف الأخير فلسطين في كل ما يجري في هذا التابوت الممتد بين الماء والماء. وأرجو ألا تجحظ عيون السادة من أقطاب مجلس اسطنبول، وخاصة أن لي بينهم أصدقاء، ولعلهم كانوا.. كذلك، لكن فنادق النجوم وملايين الدولارات الهاطلة عليهم من عواصم الكرم الحاتمي نسفت صداقتنا كما نسفت عصابات الغدر، من أي طرف كان، سلامة مخيم اليرموك وأمانه واستقراره. لقد عشت في المخيم ثماني سنين، ولم أشعر في أي يوم من الأيام بأي فرق بين أمي والسيدة أم عادل ولا بين عمي (شقيق والدي الراحل باكرا) وأبو عادل الذي كنا مستأجرين غرفتين في داره… ومن تقاليدنا الريفية أن من يخون الخبز والملح ليس فيه ذرة من كرامة ولا ينتمي لجنس بني آدم.

في مخيم اليرموك مئات الآلاف من السوريين. وإذا كانوا يقولون عن مدينة حمص (أم الفقير) فإن مخيم اليرموك (أم الفقير وأبوه). أيام الدراسة الجامعية، كان يصلنا من أخ في الخدمة الإلزامية على الجبهة 100 ليرة سورية كل شهر، أي ما يعادل عشرة دولارات بالسعر الرسمي في تلك الأيام.. وكانت تكفينا للأجرة والمعيشة والدراسة، مع أن أخي الأصغر كان يدرس الطب.

أود أن أقول بكل ثقة أن الغرباء المسلحين المندسين على المعارضة الوطنية السورية التي كانت سلمية، وستظل سلمية رغم العملاء المأجورين، بقصد أو بغفلة وغباء.. أقول جازما: إن أولئك الغرباء من الصهاينة العرب والأجانب هم الذين تسللوا إلى مخيم اليرموك ليكون رهينة ودرعا بشريا لا يمكن لأي جندي سوري أن يوجه سلاحه إليه. لقد التقيت خلال السنة الماضية ما لا يقل عن عشرين صديقا فلسطينيا قادما من سوريا، ومعظمهم من مخيم اليرموك، ولم يخالف وجهة نظري أحد منهم، لكن واحدا من هؤلاء الأعزاء ركز لومه على إحدى الفصائل الفلسطينية في المخيم. وحين سألته: ألا يمكن أن نتعالى على تحزباتنا وتنظيماتنا لصالح المخيم وسلامة أهاليه، قال مؤكدا: هذا ما نسعى إليه دائما، ولكن العلة أن المسلحين بلا رأس ولا قيادة!

وخطرت لي صورة سيريالية: لو عاد النحات فتحي محمد إلى الحياة، وركب رأس المعري المقطوع قائدا لتلك العصابات، وإن كان من البرونز، أليس فيه من الحكمة والرحمة والشعور الإنساني الكريم أكثر من أولئك  المخلوقات الذين قطعوا رأس التمثال؟!

كاتب سورية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here