بلال مصطفى: ماذا يحدث في جنوب القارة الآسيوية؟

 

 

بلال مصطفى

 

أنهى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الإثنين 18/02/2019، زيارته إلى باكستان، واتجه من بعدها إلى الهند، ليكون ختام جولته الآسيوية في الصين. محتوى الزيارة هو دفع ما أمرت به الولايات المتحدة من مال، خصوصاً في باكستان، كُلاً من السعودية التي دفعت 20 مليار دولار في استثمارات شكلية، ودولة الامارات المتحدة التي ستلحق بالسعودية في زيارة لتلك الدول أيضاً لدفع هكذا مبلغ، كل ذلك غاياته تنقسم إلى قسمين. القسم الأول متعلق بإنشاء توازن استثماري مع الصين التي استثمرت ب 45 مليار دولار في باكستان والتي تنوي زيادته إلى 75 مليار دولار قريباً، عوضاً عن الاستملاك للمرفأ الاستراتيجي الباكستاني “غوادرا” الذي ستتمتع من خلاله الصين بالتواجد في بحر جنوب آسيا، وأيضاً مع وصله براً بإنشاء طرق وجسور ضخمة تربط باكستان بالصين. أما القسم الثاني من الغايات المرجوة من هذه الزيارات، هو خلق وتفعيل أشكال وتنظيمات إرهابية موجودة على الحدود مع باكستان والهند وأفغانستان أيضاً، وخصوصاً أن المخابرات التابعة لكل تلك البلدان في تلك المناطق، لها نفوذها في هذه الأمور، والذي سينعكس كما يجري حالياً على أمن واستقرار الحدود الايرانية مع تلك البلدان المجاورة.

 

الأحداث تتالت في المناطق الحدودية قبل زيارة الولي العهد السعودي، بين الهند، باكستان، أفغانستان وإيران، في هذا الشهر بالتحديد، سنحاول استعراضها بشكل متتابع. أولها استهداف عناصر من الحرس الثوري الايراني في منطقة زاهدان في 13 فبراير/ شباط الجاري، والذي أسفر عن سقوط 27 ضحية. ليأتي من بعدها الهجوم الانتحاري في الشطر الهندي من إقليم كشمير، وذلك أن انتحاريا صدم بسيارة مفخخة حافلة كانت تقل عناصر من الشرطة الهندية الخميس 14 فبراير 2019، ما أدى إلى مقتل 44 من الشرطة. لتقم بعدها جماعة “جيش محمد” المتشددة ومقرها باكستان بتبني الهجوم على الحافلة التابعة لقوة الشرطة الهندية، وطالبت الهند جارتها بالتحرك ضد الجماعات المتشددة التي تعمل انطلاقا من أراضيها. الهند اتهمت المخابرات الباكستانية بالوقوف وراء الهجوم، وذكر القائد العسكري الهندي في كشمير الجنرال كي.جي. أس ديلون أن السلطات الهندية تعقبت منفذي الهجوم، وتوصلت إلى أنه تم بتوجيه من خارج الحدود، وبالتحديد من وكالة المخابرات الباكستانية وقادة تنظيم “جيش محمد”. وصرحة وزارة الخارجية الهندية في بيانٍ لها: “نطالب باكستان بوقف دعم الإرهابيين والجماعات التي تعمل من أراضيها وبتفكيك البنية الأساسية التي تستخدمها جماعات إرهابية لشن هجمات في بلدان أخر”.

 

كان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان قد عرض على الهند المشاركة في أي تحقيقات بشأن حادث الاعتداء على جنود هنود في بلدة “بلواما” بالشطر الهندي من كشمير، وهو العرض الذي رفضته نيودلهي. وقال خان -في خطاب متلفز- إن باكستان مستعدة لتسلم أي معلومات استخبارية تقدمها نيودلهي، متعهدا بالتحرك داخل بلاده بناء على هذه المعلومات. كما عرض رئيس وزراء باكستان على الهند خوض حوار ثنائي مباشر لحل قضية كشمير دون أي شروط مسبقة، مشيرا إلى أن إسلام آباد سترد إذا نفذت نيودلهي أي هجمات بعد اعتداء كشمير. وبذلك طالبت واشنطن إسلام آباد بالتعاون “الكامل” في التحقيقات الجارية بشأن الهجوم، وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية روبرت بالادينو “ندعو باكستان إلى التعاون الكامل في التحقيق بالهجوم ومعاقبة كل مسؤول عنه”.

 

ولعل كل ذلك كان تحضيراً لزيارة محمد بن سلمان، وذلك تهيأتً لأرضية خلافية بين الأطراف، ليأتي هو بالحل بينهم ويكسب مكانة شرعية. وفي الاثنين 18/02/2018 استدعت باكستان سفيرها في الهند للتشاور بعدما استدعت تلك الأخيرة مسبقاً سفيرها في باكستان، ردا على تلميحات نيودلهي لإسلام آباد بشأن تفجير حافلة عسكرية للقوات الهندية.

 

وجاءت تصريحات رئيس الأركان الإيراني اللواء محمد باقري، الإثنين، بالتزامن مع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وعقب استدعاء وزارة الخارجية الإيرانية للسفيرة الباكستانية في طهران للاحتجاج، مطالبة باتخاذ الإجراءات لمنع تدفق الإرهابيين على إيران. هدد رئيس أركان الجيش الإيراني بالتدخل العسكري في باكستان لمواجهة ما وصفها بـ”جماعات إرهابية” تستهدف إيران، متهما السعودية ودولة الإمارات بدعم تلك الجماعات. وقال رئيس الأركان الإيراني إنه “إذا استمرت أنشطة مراكز التدريب ومواقع الجماعات الإرهابية في باكستان لأي سبب من الأسباب، فإن إيران، ترى من حقها المشروع والدولي وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، أن تتدخل فورا وإذا لزم الأمر، لمواجهة هذه البؤر الإرهابية”، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا).

 

حتى ولو أن الولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، كان باستقباله في باكستان السجاد الأحمر ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان وعدد من الشخصيات الدبلوماسية والعسكرية الباكستانية، وتوقيع 7 اتفاقيات ومذكرات تفاهم بلغت قيمتها 20 مليار دولار، حسبما أعلن بنفسه في مأدبة عشاء أقيمت على شرفه، والتي كانت أكثرها شكلية، كبرنامج تعاون في مجال فني بين الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة والهيئة الباكستانية للمواصفات وضبط الجودة، إلى جانب اتفاقيتين في مجالي الرياضة والمنتجات البترولية، لم يستطع ولي العهد أخذ أي موقف سياسي من عمران خان، كالاشتراك في حرب اليمن أو أي ضمانات كان بإمكانه التأكيد عليها، بل على العكس، وخلال الزيارة قام عمران خان بإرسال وفد دبلوماسي باكستاني إلى طهران لطمأنتهم على أن شيئاً لم يتغير في العلاقات بين باكستان وإيران.

 

ولكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، في يوم الأربعاء 20/02/2019، قال نائب وزير الخارجية الأفغاني للشؤون السياسية، إدريس زمان، في تغريده على حسابه على موقع “تويتر”، إن “وزارة الخارجية الأفغانية استدعت اليوم سفير باكستان وسلمته اعتراضا دبلوماسيا، وذلك احتجاجا على تصريحه الأخير”؛ وكان السفير الباكستاني في كابول، زاهد نصر الله، قد حذر من تصاعد التوتر الراهن بين باكستان والهند، حيث سينتج عنه تداعيات تهدد الاستقرار في المنطقة برمتها بما في ذلك أفغانستان، وذلك في خضم مباحثات السلام الجارية بين طالبان والولايات المتحدة لإنهاء صراع متأجج منذ 4 عقود. وأشار السفير، في تصريحات نقلتها محطة “طلوع نيوز” الأفغانية، إلى أنه “في حال تعرضنا لتهديد من الهند وإذا ما تصاعدت حدة التوتر بين باكستان والهند وإذا لا سمح الله تم القيام بخطوات في هذا المجال فإن المنطقة برمتها ستتأثر جراء هذه الخطوة”.

 

ليوكباها تصريح وزير الإعلام الباكستاني شودرى فؤاد حسين، يوم الأربعاء، قائلاً: “بشكل قاطع أن الشعب كله وقف إلى جانب القوات المسلحة الباكستانية للرد القوى على عدوان من جانب الهند، وقال بأن باكستان قلقة إزاء استهداف المسلمين من قبل الهنود المتطرفين في كشمير”.. مضيفا بأنه “يجب على رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أن يخوض الانتخابات العامة على أساس أدائه وليس من خلال إثارة المشاعر المعادية لباكستان بين الناخبين”.

 

وفي نفس السياق التصاعدي أعلن وزير الطرق والمواصلات والموارد المائية الهندي، نيتين جادكارى، أن حكومته قررت قطع حصتها من المياه عن باكستان وتحويل مسار المياه إلى إقليم كشمير وبنجاب. وقال الوزير في تغريده على “تويتر” اليوم الخميس 21/02/2019 “قررت حكومتنا وقف نصيبنا من المياه الذى كان يتدفق لباكستان، وسنقوم بتحويل المياه من الأنهار الشرقية إلى مواطنينا في إقليم كشمير وبنجاب وجامو” وفقا لصحيفة تايمز الهندية”.

 

وفي كلمة لقائد “فيلق القدس″، التابع لحرس الثورة الإسلامية الإيرانية، اللواء قاسم سليماني ألقاها، يوم الخميس، خلال مراسم أقيمت في مدينة بابُل بمحافظة ما زندران شمالي إيران، لإحياء لذكرى شهداء المدينة، قال اللواء سليماني، “إن الحادث الإرهابي الأخير في زاهدان، كان مؤلما جدا، إلا أن رسالتي إلى الشعب الباكستاني المسلم والأبي، وبعض المسؤولين في باكستان هو أننا كنا نتصور بأن باكستان تعتبر إيران عمقها الاستراتيجي”. وأضاف سليماني أن “باكستان بلد صديق لنا، ولا يجب على أحد أن يختبر إيران، نحن لا نهدد ونتحدث إليكم من مبدأ الصداقة، ونقول لكم لا يجب أن تتحول أرض باكستان إلى مكان لإلحاق الضرر بالدول الإقليمية ومنها إيران والهند وأفغانستان”. وتابع اللواء سليماني، “أن كل جهود المسؤولين في إيران، كانت منصبة على بناء العلاقات، في أعلى مستوى مع باكستان، وينبغي على الشعب الباكستاني الأبي أن يعلم بأن الجذور الحضارية لإيران وباكستان واحدة”. وأضاف: “إن زمرة خائنة تُموّل من قبل السعودية، وتقوم بالاعتداء على جيران باكستان الموثوقين، ولكن هل باكستان غير قادرة على التصدي لهذه الزمرة الإرهابية، البالغ عدد عناصرها ما بين 200 إلى 300؟”.

 

إن التداعيات المترتبة على توتير الأجواء السياسية والأرضية في الجنوب الآسيوي كما كان دائماً وسيبقى صراع قوة ونفوذ بين القوة الكبرى المتمثلة الآن ب أميركا والصين بشكل كبير لتلحقهم روسيا، وبين الدول النافذة آسيويان كالهند وباكستان وإيران ودول الخليج. حتى ولو لم ترضى تلك الدول بالدخول في نزعات مباشرة فإن شراء ذمم عناصر وضباط من تلك الجيوش وأجهزة المخابرات ليس صعباً في الظروف المعيشية الموجودة هناك، فهل ستبقي أمريكا تواجدها العسكري في تلك المنطقة أم تتركها مع فوضى محكمة؟ 

خريج علوم دولية ودبلوماسية من جامعة جنوة في ايطاليا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here