بلال مصطفى: تركيا والانحرافات المتتالية

بلال مصطفى

 

 

التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس الايراني حسن روحاني بعد وصوله يوم الأربعاء الواقع في 19/12/2018، إلى تركيا، في زيارة رسمية تلبية لدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وذلك للمشاركة في أعمال الاجتماع الخامس للجنة العلاقات الاستراتيجية العليا بين البلدين. وتم التوقيع خلالها على اتفاقيات تعاون مهمة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية بين البلدين.

وشدد الرئيس روحاني على أنّ مواقف تركيا ورئيسها، رجب طيب أردوغان، “ضد مؤامرات العقوبات الأمريكية في الأشهر الأخيرة، كانت جيدة ودقيقة جدا”.

 

وأيضاً عن الرئيس روحاني قوله في مؤتمر صحفي عقده مع نظيره أردوغان، في العاصمة التركية أنقرة، يوم الخميس: “متفقون مع تركيا فيما يتعلق بالحفاظ على وحدة أراضي سوريا”.

 

وذلك يأتي بعد تحضيرات مسبقة من قبل مدير مكتب الرئيس الإيراني الذي قد سبق ودعا في 13/12/2018 إلى بذل مزيد من الجهود في هذا السياق، وذلك خلال لقائه وزيرة التجارة التركية روهصار بيكجان. واشار إلى عقد أربع دورات لاجتماعات المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين إيران وتركيا في إطار لقاءات القمة بين رئيسي البلدين والاتفاقيات المبرمة في هذه الاجتماعات، معربا عن ارتياحه لقرب انعقاد الدورة الخامسة لاجتماع المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين البلدين.

كما أعرب عن أمله في الإسراع في بذل مزيد من الجهود للوصول إلى المستوى المنشود في العلاقات والمبادلات التجارية والاقتصادية.

وأضاف مدير مكتب رئاسة الجمهورية “توسيع مجالات التعاون والعلاقات الشاملة مع دول الجوار يحظى بأهمية استراتيجية بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

 

يأتي هذا اللقاء على المستوى الرئاسي والذي يضم وفدا سياسيا واقتصاديا رفيع المستوى في زيارة لتركيا والتي استغرقت يومين في ما أن القرار الرئاسي الأمريكي الذي أتى قبل أيام قليلة من هذا اللقاء والذي يقضي بسحب القوات الامريكية من الشرق الأوسط بعبارة عامة، وخصوصاً أفغانستان وسوريا، القرار لم يأتي مصادفة بل كان مواكباً لما قد سبق من تطور وانحراف في العلاقات التركية مع روسيا من جهة ومع إيران من جهة أخرى. 

 

إن نظرنا بعدسة الواقعيين (Realistic) فسنرى أنّ تركيا وبعد إعلانها عن تدشين القسم البحري من مشروع “السيل التركي” في 19/11/2018. وفي كلمة مشتركة في هذا الافتتاح للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، أشادا بالعلاقات الثنائية وبأهمية هذا المشروع والذي سيربط الاقتصادين التركي والروسي لعقود من الزمن. وذكر الرئيس الروسي: “استطعنا التوصل إلى تبادل تجاري مع الصين بقيمة 100 مليار دولار، فلماذا لا نستطيع تحقيقه مع تركيا؟”.

و”السيل التركي” هو مشروع لمد أنبوبين باستطاعة 15.75 مليار متر مكعب من الغاز سنويا لكل منهما، من روسيا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا عبر البحر الأسود، على أن يغذي الأنبوب الأول تركيا، والثاني دول جنوب شرقي، وجنوبي أوروبا.

وبدأ مد أنبوب “السيل التركي” في مايو 2016، ومن المتوقع الانتهاء من بنائه كاملاً في 2019، وبعد إتمام المشروع بالكامل، ستتحول تركيا إلى عقدة لضخ الغاز الروسي إلى جنوبي أوروبا ووسطها، ما سيعزز مواقع أنقرة الجيوسياسية في المنطقة، ويقوي علاقات الشراكة الاستراتيجية التي تربطها بموسكو.

 

أتى الرد سريعاً بقرار أمريكي ولكن على يد أوكرانية، والتي تمثلت بحادثة الثلاث سفن (“بيرديانسك” و”نيكوبول” و”ياني كابو”) من البحرية الأوكرانية والتي قامت باختراق الحدود الروسية عبر مضيق كيرتش والدخول في المياه الإقليمية لروسيا الاتحادية. قامت السفن الأوكرانية بمناورات رافضةً الاستجابة للسفن والزوارق الروسية المرافقة لها. وفي نهاية الأمر تم احتجاز 24 عسكريا أوكرانيا كانوا على متن هذه السفن، واعترفوا على أنهم أومروا بارتكاب هذا الاستفزاز في تلك المنطقة.

وتأتي هذه الحادثة في البحر الأسود عينه التي تقوم تركيا وروسيا بتطوير اقتصادهما عبره، وخصوصا أن مضيق كيرتش هو الذي يفصل القرم عن روسيا.

 

أمريكا لم تنجح باكتساب تركيا وتحويلها إلى عدوة لروسيا بشكل جدي، هذه بدايةً، فالتكتل الروسي الايراني التركي، هو صاحب الأفق الأبعد والأجدى على الساحة التي بمجموع هذه الدول مع الصين بالطبع الساحة ستكون أكبر بالمنظور الجيوسياسي. 

 

أمريكا الآن يمكننا القول إنها تراجعت، نعم تراجعت ولعلها ستصب تركيزها باتجاهين، إما صوب خوض حربٍ مباشرة ضد إيران، أو باستكمال السعي نحو تطويع القرار الأوروبي، والدلائل واضحة على وجود اختلاف في القرارات التكتيكية المرغوبة من الإدارة الأمريكية في العديد من الأمور، ولعل بعض الأساليب المُنَشَطة في فرنسا وبروكسيل وألمانيا حالياً تبين نوعية هذا التطويع .

 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن أكمل سحب قواته المتواجدة في سوريا ولم يقتصر الأمر على المباغتة التصريحية فلن توجد بعدها حجة للعودة لتلك القوات بشكلها الحالي على الساحة السورية إلا إن طرأ أمرٌ يستدعي تلك العودة، ووكالة المخابرات الأمريكية ووسائلها ليست أذكى من ذلك.

 

أما الرأي الذي يقول على أن مكان الفراغ العسكري الأمريكي ستملأه من جديد داعش تمدداً، ولكن بهذا الرأي نحن ننسى أن القوات المسلحة للجيش السوري والحلفاء كانوا قد هزموا من بقي من فلول داعش الذين مكثوا تحت مرمى الجيش السوري والبقية الأحياء منهم هم كانوا تحت الحماية الأمريكية من خلال فرضها لمناطق حظر الطيران الغير أمريكي، سوريا هزمت داعش في عزها فكيف الحال الآن ومع مرور وقت كافي لامتلاك الخطط الفعالة للحسم في تلك المناطق.

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here