بلال مصطفى: النظام العالمي في حالة ShutDown

بلال مصطفى

عادة ما يتم استخدام تعبير (إطفاء) لمحطات تكرير أو استخراج النفط والغاز في حالتين، إما في عند إصلاح أنبوب ما أو تركيب وصلة جديدة، فلذلك الأمر يتم إطفاء كل المحطة إما بمرحلة جزئية أو كلية, وأيضاً مرحلية أو دفعة واحدة، هذا تماما ما يمكننا تطبيقه على الحاصل في النظام العالمي في هذه الأثناء مع الإجراءات المتبعة بحجة مواجهة فيروس كورونا.

 

النظام العالمي المبني على وجود دول واتحادات ومؤسسات دولية وعملة غالبة على باقي العملات تحديداً الدولار, وأيضا مبني على الشركات متعددة الجنسيات والتي لها تأثيرها الكبير في نمو أي دولة, سلباً, إن كانت تحت سطوتها, وإيجاباً, إن كانت شريكة فيها.

 

ولكن ما معنى “دولة” في النظام العالمي المحبوك أمريكياً والقائم منذ مطلع القرن الماضي؟ الدولة: في علم الأنتروبولوجيا السياسية يمكننا رأيتها فقط في إنجاز المعاملات ودفع الرسوم وعند الحدود في المكان الذي من الطبيعي وجود الجيش فيه. في العلوم السياسية الدولة هي على ثلاثة أنواع: دولة ما قبل الحضارة، دولة متحضرة ودولة ما بعد التحضر. الأولى هي دولة الا قانون، الثانية، الدولة المتحضرة فمكوناتها ثلاث: شعب، أرض، حكومة(سلطة) واحدة قادرة على فرض قرارتها على شعبها، لتأتي السيادة الداخلية والخارجية كدعائم لسلطة الحكومة المنفردة في الداخل ولعدم انصياعها لدول خارجية. دولة ما بعد التحضر هي الدول التي تدخل في اتحادات وتحالفات فيما بينها، مع فتح الحدود على بعضها لذلك يتم إنشاء قوات مشتركة لحماية كل الكيان. الكيان الذي يوازي الدول هي الشركات متعددة الجنسيات، وفي بعض الحالات تكون شركات وطنية ولها وزنها في السوق العالمي.

 

إن هذا النظام العالمي في سياسته الآنية المنحازة والمسيرة أمريكياً لم يكن ليلبي ما ألت وستؤول إليه المشهدية الدولية من بروز لقوى عالمية جديدة كأقطاب أساسية ومشاركة في صنع اقتصاده، ولا يخفى على أحد أننا نقصد روسيا، الصين، الهند، وبعض الدول الأخرى كالبرازيل، باكستان، إيران، اليمن، مصر، فلسطين، لبنان، سوريا، تركيا وإيطاليا (وغيرها من الدول) بشكل أقل بروزا ولكن بأهمية استراتيجية كبيرة. الهيمنة الأمريكية وصلت في كل التقديرات إلى حائط مسدود ولم تعد قادرة على الاستمرار في العبث بشعوب العالم ورفض أي نوع من التحرر خارج فنائها، أو مشاركتها القرار فيما يخص البشرية جمعاء. الولايات المتحدة وحلفائها هم على دراية بهذا الأمر أكثر من غيرهم، فإن التنافس الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة نهايته الإطاحة بالدولار الأمريكي وكما نعلم أن في السياسة أو في الاقتصاد فإنه لا وجود للفراغ، بمعنى أنه سيحل مشروع مكان مشروع وهذا ما يخيف الأمريكي تحديداً، ويأتي الحل الأمثل للأمريكي في هذه المحنة بقلب الطاولة على الجميع وإعادة رسم التوازنات العالمية خصوصاً الاقتصادية منها، وذلك بإطفاء النظام العالمي ونشر عدم الاستقرار والتشويش على مصير المخططات المستقبلية لجميع البلدان. هذا الإطفاء يأتي من خلفه إعادة ضخ سيولة كبيرة في الشركات الوطنية التي كانت مهددة بالإفلاس وأيضاً بالتنافس الصيني. وهنا نستعين بالمثال الذي بدأنا به المقال، إطفاء محطة تكرير النفط أو الغاز يأتي ليصلح أو يضيف أنبوب، وهذا الأنبوب مجازياً يمكنه أن يكون عملة جديدة أو إصلاح الشركات الوطنية وتدعيم القوانين التي تحميها من المنافسة الخارجية لها في الأسواق الداخلية (لأن نظام العولمة المتبع حاليا لا يسمح بذلك).

 

والشركة المبيعة للنفط أو الغاز تكون على دراية كاملة بالخسائر المتوقعة من عملية الإطفاء للمحطة، كذلك من أجبر العالم على إطفاء أنظمته وشركاته على علم بالخسائر المترتبة، ولكن نتيجة ما بعد الإطفاء لن تكون محسومة كما متوقع لأن الصين كدولة أولى مستهدفة, نجحت في تخطي فيروس كورونا, وأبرزت أفضل أنواع الأسلحة لمواجهته, وهو سلاح التكنولوجيا والمعلوماتية (بيغ داتا) والتي يرجح أن معركة كورونا كانت امتحان من أعداء الصين لإجبارها على إظهار أحدث تقنياتها في هذا المجال. من استخدامها لسرعة 5ج وكل ما يتعلق بالسيارات من دون سائق والروبوتات المختلفة وصولا إلى طائرات الدرون المجهزة بأحدث الكواشف، واستخدام الهويات الالكترونية وغيرها الكثير من الأساليب التكنولوجية. ولكن الصين نجحت في هذا الامتحان لذلك لن يكون غريباً ظهور أي فيروس جديد أكثر فتكاً. (تكنولوجيا ال 5ج الصينية منعت أمريكياً من دخولها إلى إيطاليا بحجة أنه لها أهداف استخباراتية)

 

إن المبالغ التي يعد الاتحاد الأوروبي بتقديمها إلى الدول الأوروبية المتضررة من فيروس كورونا هي 750 مليار يورو فقط كبداية، عوضاً عن توقيفه العمل باتفاقية الاستقرار التي كانت تجبر كل الدول داخل الاتحاد على تثبيت ديونها على حد معين مقارنة مع مدخولها المحلي، ما معناه السماح للدول الأوروبية بإنعاش نفسها بديون مخفضة وسيولة كبيرة في الأسواق وخصوصا دعم الشركات الوطنية. ومن ناحية أخرى، كل دولة من الدول الأوروبية وضعت مبالغ كبيرة في عملية حماية قطاعها الاقتصادي، إيطاليا 350 مليار، اسبانيا 200 مليار، ألمانيا 550 مليار، إنجلترا 330 مليار، أمريكا أبدت استعدادها لتقديم مشروع بقيمة 850 مليار، وترامب شخصياً تحدث ب 2 ترليون أي 2000 مليار دولار أمريكي. عوضاً عن الأموال الكثيرة التي ستخرج من جيوب المواطنين في هذه الفترة بحجة التموين على المدى الطويل، تلك الأموال كانت تعد من المخزون الذي يوفره المواطن، السوق الداخلي يحتاج إليها لكي يكمل دورته الإنتاجية. خصوصاً أن المنتوجات الأكثر طلباً في هذه الظروف هي منتوجات غذائية، والتي عادة تنتج من شركات محلية ما ستعزز دورها تلقائياً.

 

البلدان الأوروبية التي ستنهض بعد محنة فيروس كورونا لن تعود إلى نظام العيش التي كانت عليه قبل الفيروس، وهذا هدف رئيسي من ظهور الفيروس وهو تغير نمط العيش من جهة, لجعل المجتمع أكثر نشاطا (في حالات الحرب العمال تعمل بجدية أكبر) ولجعله متقبلا للأساليب التكنولوجية بحجة الوقاية, والتي هي فعلياً ستأخذ دوره وتحول الكثير من الوظائف تدريجياَ في كل المجالات.

 

سؤال قد يطرح، وكيف سيسطر على قرار الشعوب؟  وكيف نتيقن من اختيارات المواطن في عملية الشراء؟ استخدام هذا النوع من التكنولوجيا أساسه تجميع المعلومات عن الأشخاص التي تستخدمه، وبعد فرضه على الجميع بحجة الوقاية والتعلم عن بعد، فإن التأثير على أذواق وخيارات الشعوب لن تكون صعبة بتاتاً، وبحالات الحرب والخطر قرارات السلطة تأخذ طابع مصلحة الجميع التي تعلو على كل التفاصيل. وإني لا أستغرب بالإرشادات المتفق عليها للوقاية من فيروس كورونا صحياً، أن ألقاها نفسها مكتوبة حرفياً في أهداف المنظمة العالمية للصحة منذ عدة سنوات إلى يومنا هذا.

 

 

إن ما يشهده العالم في هذا الوقت ليس بحدث عابر بل سيكتب في التاريخ أن فيروس كورونا مر من هنا وأحدث تغييراً، وهو تحول بكل ما للكلمة من معنى، ولكن الدول التي لم تكن تتحضر لهذا التحول التكنولوجي سيتسع الهامش أكثر من السابق بينها وبين الدول التي سيشملها التحول، ولن تستطيع المنافسة في هكذا مناخ بل ستخضع للتقدم من جديد. إن أي تحول يحتاج إلى صدمة في الأسواق العالمية، من تغيير في أسعار الذهب وبيع النفط والغاز، كالذي حصل في السبعينات من القرن الماضي بعد أزمة ارتفاع أسعار النفط والتي تلتها توقف العمل باتفاقيات بريتين وودس التي كانت تقضي باعتماد الذهب لشراء الدولار (25 دولار للأونصة الواحدة) التي عمل بها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بعدما أغرقت أوروبا بسيولة مادية كبيرة عبر مشروع مارشال الممول أمريكياً. وهذا يشبه كثيراً ما نعيشه اليوم ولكن بأساليب أكثر تفرعاً وتقدماً.

كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here