بلال المصري: السعي الإسرائيلي نحو إتفاقيات عدم إعتداء مع دول الخليج العربي

 

 

بلال المصري

من الواضح أن الكيان الصهيوني وصل منذ فترة – تطول أو تقصر – إلي قناعة مؤداها أن عداء عرب الخليج له إما أنه ظاهري أو أنه زال أو تم إستبداله بالعداء لإيران , وإلا فما الذي يدعو إسرائيل كاتز وزير خارجية الكيان الصهيوني ليعلن جهاراً في 6 أكتوبر 2019 خلال مشاركته في الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة: “أن إسرائيل تأمل في تعبيد الطريق لإمكانية عقد صفقات سلام مع دول الخليج العربي من خلال السعي لإبرام إتفاقيات عدم إعتداء مع هذه الدول” , لكنه لم يدل بتفصيلات بشأن “صفقات السلام ” تلك ولا كنه إتفاقيات عدم الإعتداء , إلا أنه أوضح في تغريدة له : “أقوم حالياً بالترويج – بمساندة من الولايات المتحدة – لمبادرة سياسية للتوقيع مع دول الخليج العربي علي إتفاقيات عدم إعتداء , وهو ما يُعد تحركاً تاريخياً لوضع نهاية للصراع ويتيح التعاون المدني إلي حين التوقيع إتفاقيات سلام , وقد ناقشت هذه المبادرة مع وزراء خارجية عرب والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط Jason Greenblatt ” , وهذا الإعلان العلني المُتعمد من جانب الصهاينة لابد وأن يسوق المرء للتفكير في توقيته وموضوعه وماوراءه وما يحيط بهذا المسعي الصهيوني ومآلاته وإمكانية تحقيقه  .

الإعلان عن هذا المسعي من ناحية التوقيت يأتي في سياق زمني طويل للإقتراب الصهيوني من دول الخليج العربي بدأ مُتقطعاً فالكيان الصهيوني إقترب من بعض إن لم يكن كل إمارات الخليج منذ ما قبل عام 1955 وكمثال علي ذلك أن مجلس الجامعة العربية في قراره رقم 695 بتاريخ 27 يناير 1954 أشار إلي أنه بحث إقتراح المكتب الإقليمي العراقي للمقاطعة العربية لإسرائيل المُتعلق بمفاتحة الجهات المسئولة في إماراتي الكويت وقطر للحيلولة دون تسرب البضائع منها إلي إسرائيل وبالعكس وذلك بعد أن ثبت لمؤتمر مكاتب المقاطعة أن ميناء الأحمدي بالكويت أحد أهم مصادر تموين إسرائيل بالزيوت وتكرر الأمر بالنسبة “لتهريب” الأسمنت من الكويت لإسرائيل , وقد ظلت وتيرة هذا الإقتراب مُتقطعة بل توقفت أو كادت بعد هزيمة يونيو 1967 , لكن هذا الإقتراب أصبح أو كاد أن يصبح مُنتظماً بعد توقيع مصر لمعاهدة السلام مع الكيان الصهيوني في 26 مارس 1979ثم إتفاق علان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الإنتقالي (أوسلو) المُوقع بواشنطن في 13 /9/ 1991 بين منظمة التحرير الفلسطينيىة والصهاينة فمؤتمر مدريد للسلام 30 أكتوبر- الأول من نوفمبر 1991 والذي شاركت فيه سوريا , إنتهاء بمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية المُوقعة في 26 / 10 /1994, لكن هذا الإقتراب أصبح مُتبادلاً وتوطدعقب توقيع إدارة الرئيس أوباما والإتحاد الأوروبي مع إيران عام 2015 علي الإتفاق المُسمي بــ : “الخطة المُشتركة الشاملة للعمل بشأن البرنامج النووي الإيراني” والذي أعلنت إدارة الرئيس ترمب الإنسحاب منه في مايو 2018 , فالإتفاق أصاب معظم دول الخليج بحالة تتراوح ما بين الرعب والخشية من إيران وظلت هذه الحالة حتي بعد إنسحاب الولايات المتحدة منه , الأمر الذي مهد السبيل لإسرائيل لإقتراح هذه الإتفاقيات بناء علي حالة الرعب القصوي التي أصابت السعودية والإمارات المتحدة وعُمان وإن بدرجة أقل , فعُمان التي لطالما مارست سياسة الحياد المُراوغ بين إيران و الدول العربية وفي مقدمتها السعودية والإمارات العربية قررت الإنتقال – ربما بضغوط أمريكية – لمرحلة واضحة المعالم مرحلة الإنضمام إلي الجبهة التي تشكلها الولايات المتحدة وإسرائيل لمواجهة إيران وذلك بموجب الزيارة التي قام بها لمسقط في 25 /26 أكتوبر 2018 رئيس وزراء الكيان الصهيوني Benjamin Netanyahu برفقة زوجته بدعوة من سلطان عُمان   رافقه فيها وفد ضم رئيس الموساد ورئيس هيئة الأمن القومي مدير عام الخارجية ورئيس الديوان والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء , والمثير للدهشة أن مجلس الجامعة إجتمع لمناقشة زيارة Netanyahu لتشاد قبل 3 أشهر من هذه الزيارة ولم يجتمع لمناقشة زيارته لعُمان ؟ , كما أن الإعلان عن إتاقيات “عدم الإعتداء ” تلك يأتي بعد الترويج لما يُسمي بصفقة القرن والموت الفعلي لما يُسمي بالمبادرة العربية للسلام التي طرحتها السعودية وصدرت عن قمة بيروت العربيةعام 2002 والتي من بين ما تضمنته : الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من يونيو 1967 ، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان , والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194, وهي المبادرة التي أولت لها ظهرها هذه المملكة كنتيجة للإتصالات الصهيونية / السعودية الأخيرة (صرح Yossi Cohen رئيس الموساد بأن إسرائيل تاريخياً كانت تُنشئ علاقات مُخفاة مع دول عدة) بل والسماح للإعلام السعودي الأسير للترويج لأفكار سلامية وودية مع الكيان الصهيوني الذي أعلن بإسمه Yisrael Katz وزير النقل والمُخابرات الصهيوني أمام مؤتمر الإتحاد الدولي لطرق النقل IRU الذي عُقد بمسقط في الفترة من 6 إلي 8 نوفمبر 2018 وشارك فيه بدعوة من الحكومة العُمانية , أعلن عن مشروع ربط ميناء حيفا الواقع بشرق البحر المُتوسط بالدول العربية الواقعة علي الخليج العربي وتجدد إعلان Yisrael Katz – بصفته وزير خارجية هذا الكيان- عن هذا المشروع ثانية في 27 يوليو 2019 بإعتباره إياه يُحسن فرص السلام والتنمية الإقتصادية للفلسطينيين ويزيد من حجم التبادل التجاري الصهيوني بنسبة 400% , واقد حدد دولتان المفروض أنها عربيتان خليجيتان سيُنفذ معهما المشروع وهما السعودية والإمارات اللتان لم يصدر عنهما إنكار بصلتهما به .

لكن لماذا وقع إختيار إسرائيل علي توقيع إتفاق عدم إعتداء وليس علي إتفاق تعاون عسكري أو دفاع مُشترك مع دول الخليج التي لم تعلن أيا منها للآن عن رد فعلها علي هذا المقترح , وفي الواقع لا سابقة حدثت لتوقيع إتفاق “عدم إعتداء ” بين دولة عربية  وأي من القوي الكبري أو الإقليمية بإستثناء إتفاق عدم الإعتداء المُبرم في 8 يوليو 1937 بين إيران والعراق وتركيا وكان سببه النزاعات الحدودية بين ثلاثتهم , وفيما عدا ذلك كانت الإتفاقيات ذات الطبيعة العسكرية / الأمنية بين أي من الدول العربية وبعضها البعض ومع القوي الكبري والإقليمة خلواً من معني “عدم الإعتداء” ومن بين أمثلة ذلك إتفاقية التحالف بين بريطانيا والعراق في 10 أكتوبر 1922 وإتفاقية الصداقة والتعاون المُتبادل بين البريطانيا واليمن المُوقعة في11 فبراير 1934, وإتفاقية التحالف بين بريطانيا وشرق الأردن في 15 مارس 1948 , لذلك كان من المنطقي أن يعلن الكيان الصهيوني عن مُقترح بإتفاقات دفاع مُشترك أو تعاون عسكري أو حتي تحالف مع أي من دول الخليج لكنه لم يفعل بالرغم من أن دول الخليج سواء في إطار مجلس التعاون الخليجي أو فرادي لا يقوي  أياً منهم علي الإعتداء عسكرياً سواء بمقياس الأداء العسكري أو السوابق التاريخية أو علي مجابهة عسكرية ما لم تكن هذه المجابهة مجابهة بعضهم البعض ومن أمثلة ذلك مُؤخراً خطة الهجوم العسكري علي قطر من قبل السعودية والإمارات التي أعقب إخفاقها بسبب دعم تركيا العسكري الحاسم والسريع  لقطر الأمر الذي   أحبط الهجوم العسكري السعودي / الإماراتي في الغالب , وأعقب ذلك إعلان فرض حصار رباعي ضم السعودية والإمارات والبحرين ومصرعلي قطر بدءاً من 5 يونيو 2017 .

المبرر الأكثر ترجيحاً لإختيار الكيان الصهيوني لصيغة “عدم الإعتداء” كإتفاق عسكري مع دول الخليج هو تجنب الكيان الصهيوني إستفزاز أو قل إستنفار القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية ضده أكثر مما هو حادث , بالإضافة إلي ترسيخ مفهوم نزوع إيران العدائي والهجومي في أذهان القيادات الخليجية , ويستغل الكيان الصهيوني تصاعد التوتر بالخليج العربي وتحويل إدارة الرئيس ترمب لمفهوم التعاون والحماية والإرتباطات العسكرية بين بلاده ودول الخليج إلي سلعة أو خدمة لابد وأن تُقوم علي أساس تجاري طبقاً لنهج : إدفع وإستلم , علماً بأن الصهاينة يدركون أن تعاونهم مع عرب الخليج بناء علي هذه الإتفاقيات الإفتراضية سيجنون منه أكثر مما يعتقد ترمب , فسيجنون إستثمارات وتمويلات وإيداعات مالية خليجية أكثر فأكثر في الجهاز المصرفي الصهيوني , بالإضافة إلي أن من شأن توقيع إتفاق “عدم إعتداء” ولو مع دولة خليجية واحدة من شأنه أن يهدم مرة واحدة وللأبد أسس معاهدة الدفاع المُشترك والتعاون الإقتصادي العربي الموقعة في 17 يونيو 1950, كما أن مقترح توقيع إتفاقيات “عدم إعتداء” يأتي كبديل لمحاولة عربية فاشلة , فقد وافق القادة العرب في القمة العربية السنوية بشرم الشيخ في نهاية مارس 2015من حيث المبدأ علي إنشاء قوة عسكرية عربية مُشتركة , وذلك علي خلفية الصراعات في اليمن وسوريا وليبيا وتشكيل السعودية لتحالف من 10 دول تنفذ ضربات جوية في اليمن ضد الحوثيين وبديل عن محاولات أمريكية / صهيونية كُشف النقاب عنها في مارس 2017 لتكوين تحالف بين دول عربية وإسرائيل لمواجهة جماعة داعش الإرهابية وإيران لكنها فشلت هي الأخري لأسباب مختلفة كما فشلت محاولة أمريكية / صهيونية تالية لبناء إئتلاف أو تحالف دولي لمواجهة إيران من خلال عقد مؤتمر في العاصمة البولندية وارسو في 14 فبراير 2019شاركت فيه وفود 60 دولة  .

عندما تُصاب دول بالسل والعمي السياسي سيصعب عليها التنفس بحرية وستري العدو صديقاً وفي النهاية ستموت .

سفير مصري سابق

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here