بلال المصري: السعودية: قدم إنزلقت في مستنقع اليمن وأخري تخطو نحو الساحل الأفريقي

بلال المصري

فيما لم تزل أقدام السعودية مغروزة في مستنقع اليمن , يبدو أن القدم السعودية الأخري تخطو نحو منطقتي الساحل والصحراء الكبري فقد أوردت نشرة AFRICA INTELLIGENCE بتاريخ 23 أكتوبر 2019 أن ولي العهد السعودي يُخطط لعقد قمة في الرياض تضم رؤساء دول مجموعة الساحل الخماسية أو G 5 Sahel , وحتي الآن لم تؤكد السعودية أو تنفي ذلك , إلا أن هناك بالفعل إنخراط سعودي سبق هذا التطور سيُشار إليه لاحقاً يدل علي إمكانية صحة ما ورد بتلك النشرة , وهذه الخطوة السعودية لا تخلو من خطر , فهي وبوضوح إنضمام سعودي للإستراتيجية العسكرية الفرنسية بأفريقيا ومنطقة الساحل تحديداً , فقوة الساحل الخماسية أو G 5 Sahel قوة عسكرية نشأت عن فكر عسكري فرنسي لتكون واجهة للتوسع العسكري الفرنسي في دول الصحراء الكبري لحماية المصالح والإستثمارات الفرنسية الكثيفة في منطقة الساحل وتحديداً في النيجر ومالي وتشاد بعد إختطاف خبراؤها التعدينيين التي تكررت بدءاً من سبتمبر 2010من مواقع إستغلال اليورانيوم في شمال النيجر بمحيط مدينة Arlit التعدينية بالنيجر, مما دعا فرنسا للتدخل العسكري المباشرالذي أخذ نمطاً قتالياً بعد إنقلاب مالي في 22 مارس 2012بعملية Operation Serval في شمال مالي تحت غطاء قرار لمجلس الأمن الدولي برقم 2085 بتاريخ 20 ديسمبر 2012 بدعوي محاربة المُقاتلين الإسلاميين في الساحل , وهو القرار الذي لايتضمن أي بند يتعلق بمراقبة التدخل العسكري الفرنسي خاصة ما يتعلق بحقوق الإنسان أو معاملة المدنيين , وهؤلاء الإسلاميون هم ومعهم نخبة من المثقفين ممن لا ينتمون لأي تيار إسلامي يرفضون من منطلق إسلامي و / أو وطني النهب الفرنسي المُنظم منذ ما قبل ستينات القرن الماضي وللآن للموارد التعدينية بالنيجر(اليورانيوم) والذهب (بمالي)بثمن بخس وكذلك الحال مع كل الدول التي سبق للفرنسيين إستعمارها بأفريقيا , ولما إنتهت عملية Serval في 15 يوليو 2014أعقبتها العسكرية الفرنسية بعمليةOperation Barkhane في أغسطس 2014التي تكلفت – وفقاً لما أوردته صحيفة Le Point Afrique في 23 فبراير 2018- نحو أربعة آلاف مليار فرنك خُصصت لعملية Barkhane العسكرية بمالي لمحاربة ” الجهاديين ” بشمال مالي بصفة رئيسية والذين كما تقول الصحيفة نقلاً عن مصادرها العسكرية مُنتشرين في نقاط تمركز مُوزعة علي طول الحدود من تشاد شرقاً حتي حدود موريتانيا غرباً , وكان علي فرنسا وفاءً لمتطلبات إنتشارها العسكري أن تدفع دول الساحل الخمس لإنشاء واجهة تبرر للعسكرية الفرنسية المزيد من الإنتشار العلني خاصة وأن المنطقة بالفعل تعمل فيها وبقوة العسكرية الأمريكية من خلال القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM وبناء علي ذلك الدافع الفرنسي أُعلن عن الرغبة في إنشاء القوة الخماسية للساحل لأول مرة في ختام قمة ضمت رؤساء موريتانيا والنيجروتشاد ومالي وبوركينافاسو بنواكشوط في 16 فبراير 2014 بحيث تضم مجموعات عسكرية مُختارة من جيوش هذه الدول لمواجهة “الإرهاب” , وقد تم إقرارها رسمياً بموجب إتفاقية وُقعت في 13 ديسمبر2014 تضمنت الإشارة إلي أن هدف القوة هو تقوية الإرتباط فيما بين التنمية الإقتصادية والأمن ومواجهة دول المجموعة الخمس ” لخطر” تهديد “الجهاديين” بالمنطقة وعلي رأسهم القاعدة والمرابطين و Boko Haram و حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا  MUJWA , ثم وفي نوفمبر 2015 في N’Djamena عاصمة تشاد تكررت الدعوة للتحقيق المادي لهذه القوة , وقد إضطرت الدبلوماسية الفرنسية أن تتحرك سافرة لما أدركت أن تحركات الدول الخمس التي تتكون منها القوة لن تكون كافية لتحويلها إلي واقع لذلك أعلن وزير الخارجية الفرنسي Jean-Yves Le Drian في نوفمبر 2017عن أن العسكرية الفرنسية ستتعاون مع مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد وموريتانيا في مسعي منها لإقامة قوة الساحل الخماسية G5 Sahel التي من المُفترض أن قوامها 5,000جندي مهمتها مواجهة التهديد المُتنامي للجماعات “الإرهابية” و“المُتشددة”, وقد اوضح الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron بنفسه جزءاً مهماً من الدوافع الفرنسية لريادة إنشاء هذه القوة / الواجهة عندما توجه إلي النيجرفي 23 ديسمبر 2017لزيارة القاعدة الجوية الفرنسية في NIAMEY والتي قوامها 700 من العسكريين الفرنسيين وهناك خاطبهم مُعيداً التأكيد عليهم وعلي من يسمعه قائلاً ما نصه “إن الساحل منطقة ذات أولوية وتلعب دوراً في مستقبل القارة الأفريقية , لكنها أيضاً وعلي نحو مُساو وبدون شك هي أيضاً جزء من مستقبلنا نحن, فلا ينبغي لنا أن نترك الساحل في أيدي الإرهابيين ” ثم وبموضع آخر قال “يجب أن نظهر لهم أننا هنا وأننا كسبنا أرضاً مرة ثانية وأننا يجب أن نستعيد ثقتنا في شركاؤنا جيوش المنطقة بإمدادهم بدعمنا لإعادة التمركز بالمنطقة , ونحن بحاجة لتنسيق دفاعنا ونطور الجهود وجهودنا الدبلوماسية , فهذه هي إستراتيجيتنا التي نرسيها ” , وفي تقديري أن عبارة ” لا ينبغي لنا أن نترك الساحل في أيدي الإرهابيين ” تعتبر وحدها كافية للتعرف علي الخلفية والمبررات التي تشحذ علي أساسها العسكرية الفرنسية جماع إمكانياتها للتوجه صوب الصحراء الكبري لمحاربة القوة الوحيدة الممانعة لوجودها الإقتصادي والعسكري , فالرئيس الفرنسي يؤكد أنه لن يترك الساحل في أيدي من سماهم “بالإرهابيين” الذين هم ببساطة فئة مناوئة لفرنسا وللمصالح الغربية مُضطردة العدد من أصحاب هذه الصحراء , فيما لم يسأل أحد من رؤساء دول قوة الساحل الخماسي ضميره:من يكونEmmanuel Macron حتي يعطي لنفسه حق ليس له في أن يترك أو لا يترك الساحل في أيدي من وصفهم بصفة أحادية بأنهم إرهابيين ؟ , لكن وإزاء عدم كفاية التمويل الفرنسي لإنشاء هذه القوة إنتهزت فرنسا فرصة رآستها لمجلس الأمن ليدعو وزير خارجيتها  Jean-Yves Le Drian المجلس لجلسة إستثنائية تركزت علي مناقشة إنقاذ ما يُسمي بقوة الساحل الخماسية التي قدرالبعض تكلفة إنشاءها ما بين 250 إلي 450 مليون يورو , وأكثر من ذلك ولعظم حرص فرنساعلي تأمين مصالحها وجهت الرئاسة الفرنسية في نهاية أكتوبر 2017 الدعوة لأعضاء مجلس الأمن الدولي الخمس عشر لزيارة عواصم دول القوة الخماسية للساحل وكانت هذه الزيارة في الفترة من 19 إلي 22 أكتوبر 2017 , وكان الهدف الرئيسي من هذه الدعوة حث أعضاء مجلس الأمن بما فيهم الولايات المتحدة علي تقديم الدعم الممكن لإرساء هذه القوة الخماسية من خلال ترتيب لقاءات لممثلي هذه الدول خاصة الدائمين منهم مع رؤساء دول القوة الخماسية للساحل والذين نسقت فرنسا معهم صياغة مضمون ما سيقولونه لهؤلاء وهو مضمون لا يُتوقع أن يخلو من تعظيم مخاطر”الجهاديين”علي إستقرار الأمن والسلام في الساحل وتهديد مصالح الدول الكبري بالمنطقة ودعم العلاقات الثنائية , وقد تعهد الإتحاد الأوروبي بمساهمة بلغت 60 مليون يورو في حين كانت المساهمة الفرنسية 8 مليون يورو فقط بالإضافة إلي 70 عربة , أما الولايات المتحدة وهو ما تحقق ففي النهاية أعلن وزير الخارجية الأمريكي Rex Tillerson في 30 أكتوبر 2017عن تقديم عون مالي يمكن أن يبلغ نحو 51 مليون يورو يُوجه بصفة ثنائية للدول أعضاء قوة الساحل الخماسية , وتعد هذه المساهمة الأمريكية تنازل أمريكي كبير في ضوء سبق إتخاذ الإدارة الأمريكية قراراً بخفض مساهمات الولايات المتحدة في ميزانية عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في يوليو 2017 , فالعلاقات العسكرية الأمريكية / الفرنسية بدأت فترة إزدهارها بعد عملية Oddyssey Dawn أوعمليةOpération Harmattan الأطلسية في ليبيا التي بدأت في 19 مارس 2011 وإنتهت بتحقيق هدف غربي مزدوج وهو إسقاط نظام القذافي والدولة الليبية معاً ونقلاً للعلاقات العسكرية الأمريكية / الفرنسية لمستوي أعلي  وإعادة تمهيد طريق كان مليئاً بسوء التفاهم والتقدير بينهما مما أعاق التنسيق بين العسكريتين في أفريقيا طويلاً .

أمام عدم كفاية التعهدات الأوروبية والأمريكية والقصور التمويلي للأمم المتحدة نشطت فرنسا في تحركاتها الدبلوماسية مصحوبة بممارسة الضغوط تارة والإلحاح تارةعلي دول الخليج العربي , وكان أن أحرزت نجاحاً مع ثلاث دول هي (1) الإمارات التي تعتبر هدفاً أولياً للتهديد الإيراني الذي يُعتقد أن القاعدة العسكرية الفرنسية بالإمارات وتُدعي “السلام” ستتكفل بحماية الإمارات منه , خاصة وأن العسكرية الإماراتية مُنهمكة أو مُكلفة بأدوار خارجية في اليمن والحصول علي قواعد لها في الصومال وإرتريا وجيبوتي وتمويل العمليات العسكرية الفرنسية الرابضة في رمال الصحراء الكبري بتشاد وشمال ووسط مالي والنيجر لحراسة وتأمين نهب خامات اليورانيوم التي تلتهمها مجموعة AREVA الفرنسية المملوك معظمها للدولة الفرنسية وأخيراً فقد ساهمت الإمارات في دعم قوة الساحل الخماسية بمبلغ 30 مليون يورو , و(2) قطر التي ضُرب عليها حصار رباعي وإن لم ينجح ولن ينجح إلا أنه نال نسبياً من قوتها وعرضها لمخاطر من هذا الرباعي الذي بتكرار إدعاءاته عن مساهمة ودعم قطر بتمويلهاغير المباشر أو المُستتر للجماعات الإسلامية علي إختلافها والتي تُوصف بالإرهابية مما جعلها تقبل علي سياسات دفاعية طوعاً أو مُكرهة لتقديم تنازلات للغرب مقابل صرف النظر عن إدعاءات رباعي الحصار تلك وكان من بين هذه السياسات المُساهمة العينية غير المباشرة في قوة الساحل الخماسية ففي 27 ديسمبر 2018 أُعلنت وزارة الخارجية القطرية ” أن طائرات عسكرية شحنت وسلمت 30 عربة مُدرعة لمالي (أي أن الدعم ثنائي كما فعلت الولايات المتحدة) , وذلك للمساعدة في مواجهة الإرهاب وإرساء الأمن ليس فقط في جمهورية مالي بل أيضاً في منطقة الساحل الأفريقي , فإنها أي قطر أصبحت طوعاً أو مُضطرة لتقديم تنازلات للغرب مقابل صرف النظر عن إدعاءات رباعي الحصار تلك , و(3) السعودية التي من المعروف والمتداول حجم وكثافة الوجود العسكري الأمريكي بها وحجم ومسافة جبهتها العسكرية المكشوفة والمعرضة دائماً علي شاطئ الخليج العربي وليس أدل علي هذا الإنكشاف من ضرب الحوثيين لمعامل شركة أرامكو مُؤخراً لتتسع جبهة المواجهة الحوثية / السعودية وتخرج عن نطاق اليمن , لكن يبدو أن السعودية لم تكترث بإتساع هذه الجبهة التي تهدد مباشرة نظرية أمنها القومي فقررت دعم الإستراتيجية العسكرية الفرنسية فإعلنت علي لسان وزيرخارجيتها آنئذعادل الجبير بصحيفة Le Monde الفرنسية في حديث نُشر في 14 ديسمبر 2017بأن بلاده تعهدت بالمساهمة في تمويل قوة الساحل الخماسية بمبلغ  118 مليون دولار قائلاً “إن قتال الإرهابيين والمُتطرفين بلا  أدني تسامح من أولوياتنا ” ,

 مما يوضح بجلاء أن المساهمات الخليجية هي في الحساب الختامي تخديم علي وتحقيق للمصالح الفرنسية , أقول أنه عدم الإعتبار لمقولة : نحن في حرب علي الإرهاب ” كونهاغير المنطقية فلم يهتد العالم بعد أو يتفق علي تعريف موحد مُتفق عليه لما يُوصف بأنه “إرهاب” , لذلك أشير إلي ما قاله الرئيس Emmanuel Macron في 23 ديسمبر 2017 عندما توجه للنيجر لزيارة القاعدة الجوية الفرنسية في NIAMEY والتي قوامها 700 من العسكريين الفرنسيين , فأمام هؤلاء أعاد التأكيد عليهم وعلي من يسمعه قوله ما نصه ” إن الساحل منطقة ذات أولوية وتلعب دوراً في مستقبل القارة الأفريقية , لكنها أيضاً وعلي نحو مُساو وبدون شك هي أيضاً جزء من مستقبلنا نحن, فلا ينبغي لنا أن نترك الساحل في أيدي الإرهابيين ” ثم وفي موضع آخر قال “يجب أن نظهر لهم أننا هنا وأننا كسبنا أرضاً مرة ثانية وأننا يجب أن نستعيد ثقتنا في شركاؤنا جيوش المنطقة بإمدادهم بدعمنا لإعادة التمركز بالمنطقة , ونحن بحاجة لتنسيق دفاعنا ونطور الجهود وجهودنا الدبلوماسية , فهذه هي إستراتيجيتنا التي نرسيها ” , وفي تقديري أن عبارة ” لا ينبغي لنا أن نترك الساحل في أيدي الإرهابيين ” تعتبر وحدها كافية للتعرف علي الخلفية والمبررات التي تشحذ علي أساسها العسكرية الفرنسية جماع إمكانياتها للتوجه صوب الصحراء الكبري لمحاربة القوة الوحيدة الممانعة لوجودها الإقتصادي والعسكري , فالرئيس الفرنسي يؤكد أنه لن يترك الساحل في أيدي من سماهم “بالإرهابيين “وهم فئة مُضطردة العدد من أصحاب هذه الصحراء , فيما لم يسأل أحد من رؤساء دول قوة الساحل الخماسي ضميره : من يكونEmmanuel Macron حتي يعطي لنفسه حق ليس له في أن يترك أو لا يترك الساحل في أيدي من وصفهم بصفة أحادية بأنهم إرهابيين ؟ إن الصفقة الفرنسية لإحكام إنتشارها وبيان بأسها العسكري بمنطقة الساحل واضحة وهي الحصول علي تمويل أوروبي وأمريكي وخليجي لإقامة قوة الساحل الخماسية كواجهة عسكرية إضافية لا تساهم فيه إلا بالنذر اليسير جداُ مقابل الإحتفاظ بحق الظهور بمظهر المُحسن الكريم لبعض الحكومات والشعوب المُختارة وفقاً لمعيار الفائدة لفرنسا لتمن عليهم بعد نهب مواردهم الأولية فقد كشفت الحكومة الفرنسية في 12 فبراير 2018 عن خطتها بشأن معونات التنمية التي تقررت بموجب إجتماع اللجنة الوزارية للتعاون الدولي والتنمية فهذه المعونات ستكون بنسب تصاعدية تبدأ بنسبة 0,44%  عام 2018 إلي أن تصل إلي ما نسبته 0,55% من صافي الدخل القومي الفرنسي وذلك حتي عام 2022 .

لماذا الإتجاه السعودي صوب الساحل ؟

بالمقاييس المنطقية ليس هناك مبرر يدفع بدولة كالسعودية عسكريتها مُقبلة علي تجرع هزيمة عسكرية في أهم دوائر أمنها القومي أي اليمن للتطوع لدعم قوة دولية كفرنسا في أحد دوائر أمنها القومي , خاصة وأن منطقة الساحل للسعودية (ولا للإمارات) لم تكن دائرة أمن قومي ولن تكون  إلا إذا كان هناك مقابل , هذا المقابل ربما يكون تدريجياً أو علي دفعات , ويمكن الإستدلال عليه من الأسباب المُحتملة وراء الإندفاع نحو تصعيد الإهتمام السعودي بمنطقة الساحل وبدول القوة الخماسية للساحل لدرجة عقد قمة تجمعهم بالرياض النتيجة النهائية المحتملة لها – في حالة عقدها – إعلان سعودي عن تمويل ضخم للقوة يُسر به قلب فرنسا ورؤساء دول هذه القوة التي لا تخرج كثيراً عن معني الحملات التي كان يدعم بها رؤساء الطوائف بالإندلس ملوك نصاري الأندلس قبل إنهيار دولة العرب به , وإليك بعض من هذه الأسباب مما يمكن البوح به :

1- بعد إنهيار برجي التجارة في نيويورك في 11 سبتمبر 2001 وُوجهت المملكة السعودية بسيل إتهامات عن مسئولية منظومتها الدينية مُتمثلة في المذهب الوهابي عما حدث بسبب قيادة أحد أبناءها وهو أسامة بن لادن لتنظيم القاعدة المسئول عن هذا الحدث , وبالتالي كان علي السعودية التحالف مع النظم الغربية التي طالما رفضها دعاة الوهابية , وحدث ذلك عقب 11 سبتمبر 2001بالتدرج حيناً حتي عهد الملك عبد الله وبإندفاع حيناً في الوقت الحالي أن تتخلص من كل ما له صلة بالوهابية حتي لو إستلزم الأمر إضافة ما سُمي “بالهيئة العامة للترفيه” للقضاء – مع وسائل أخري – علي الوجه الإسلامي للدولة أو محاولة ذلك , وبالتالي قلصت المملكة جهودها الدعوية في أفريقيا وإنشاء المساجد بربوعها والحد من المنظمات الإسلامية غير الحكومية التي كانت تنتشر هناك وأقتصر الجهد السعودي علي منح مالية قليلة وعلي أساس إنتقائي لبعض الدول الأفريقية (كما حدث مع دول معينة عقب فرض الحصار الرباعي علي قطر) وإرسال شحنات من التمور السعودية , وأندفعت المملكة غير عابئة بأنها تترك المجال حراً لإيران التي أنشأت مدارس علي النهج الشيعي بالنيجر ودول الساحل الأخري وفرعين لجامعة المصطفي بقم في النيجر وغانا , بالرغم من أن السعودية ربما تدرك أن هذه هي قوتها الناعمة التي يمكن بها مع الوسائل العسكرية الذاتية وليست المُستوردة التي يمكن بها مواجهة إيران التي تكون قوتها الناعمة في أفريقيا علي أنقاض بنيان كان للتعاون العربي / الأفريقي إتضح هزاله بفشل القمة العربية / الأفريقية في مالابو في نوفمبر 2016  .

2- من بين النتائج السلبية المتوقعة لحرب اليمن التي لم تسفر عن إنتصار ولو محدود للعسكرية السعودية بالرغم من عمليتي عاصفة الحزم بقيادة السعودية ومشاركة عشر دول عربية وإسلامية في الفترة من 25 مارس حتي21 أبريل عام 2015 والتي تلتها عملية إعادة الأمل بدءاً من 21 أبريل 2015 وحتي الآن لم تحقق السعودية ولا اليمن حزماً ولا أملاً , من بين هذه النتائج تضخم دور المؤسسة العسكرية السعودية بصفة غير إعتيادية فالمملكة تحرت في كل أزماتها السياسية الحوار والحلول الوسط أو السلمية , كما أن الحرب الحالية مختلفة في الأسباب والنتائج الجيوسياسية عن الحرب اليمنية / السعودية عام 1934وعن حرب اليمن التالية التي نشأت من واقع الصراع بين الملكيات والجمهوريات العربية وكان اليمن مسرحها بين السعودية ومصر 1962- 1967, ولذلك قد يكون في أنخراط أوسع مدي للسعودية في منطقتي الساحل والصحراء من واقع عقد قمة كهذه لجانب واحد من أطراف صراع عسكري بإمتياز جاري في منطقتي الساحل والصحراء , مجالاً لتفريغ فائض المكانة التي إكتسبتها المؤسسة العسكرية السعودية من حرب اليمن , وأعتقد أن فرنسا ستدع السعودية تنخرط في قضية تحويل قوة الساحل الخماسية لواقع عملي مقابل الحصول علي مزيد من التمويل المُنتظم لهذه القوة سنوياً , وبدورها ستجد المملكة مصرفاً للمكانة المُتضخمة لمؤسستها العسكرية , هذا بالطبع بالإضافة للجدية التي تبدو جلية وتؤكد ذلك ببحث المملكة (كحالة الإمارات) عن إقامة قواعد عسكرية لها في الصومال وجيبوتي وإرتريا .

3- هناك قضايا سياسية وجنائية أعني جنائية من وجهة نظر نشطاء وقادة ورواد ومسئولي قضايا حقوق الإنسان بالإمم المتحدة ومنظمات غير حكومية دولية رئيسية مثل Human Rights Watch والعفو الدولية , هذه القضايا يجري تنشيط إثارة بعضها مجدداً في الكونجرس الأمريكي مثل قضية برجي التجارة في نيويورك وقضية الإغتيال المروع للصحفي السعودي خاشوشقجي وسجن نشطاء الرأي , كل هذه القضايا التي كسيف مُسلط علي رقبة النظام الملكي برمته تحتاج المملكة حصر إثارتها في نطاق الإعلام الدولي غير الحكومي وإبعاد المؤسسات الدولية كالأمم المتحدةعن تبنيها ويتحقق ذلك بغض العواصم القوي الدولية الكبري بصرها عنها بل إهمالها نظير ما تطلبه سواء أكان ذلك مشتريات أسلحة تُكدس أو مشروعات إقتصادية غير ذات أولوية أو تجاهل المملكة إتخاذ مواقف حاسمة إزاء قضايا تضر “الأمن القومي الإسلامي والعربي” مثل إعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني أوما يُثارعن تطبيع سعودي مع هذا الكيان أو قضية الإيجورفي الصين وغيرها من القضايا  .

4- إن التمويل السعودي(والإماراتي) للقوة الخماسية للساحل عبارة عن مُقايضة لإستمرار الحصول علي التغطية العسكرية / الأمنية لهذين النظامين المُفرغين من عوامل القوة العسكرية الإحترافية الذاتية فهذه التغطية هي المظلة الأمنية الفرنسية والأمريكية الممتدة من قواعدهما بمنطقة الساحل حتي شواطئ الخليج العربي المُواجهة للشواطئ الإيرانية حيث التهديد الذي تعمل قوتان من بين كل القوي الدولية الأخري علي صناعة أسبابه وإستزراعها وهو تهديد ماثل علي مرمي بصر العسكريتين السعودية والإماراتية اللتين عجزتا رغم مواردهما المالية الضخمة عن حسم الصراع مع الحوثيين وظهيرهم الإيراني منذ بداية عملية عاصفة الحزم بقيادة السعودية , إذ للأسف أن كل ما أسفر عنه الجهد العسكري السعودي هو تأكيد المفهوم الشائع عن العسكريات السعودية وملحقاتها بدول الخليج العربي أو بمجلس التعاون الخليجي وهو أنها عسكريات غير مُؤهلة لحروب عقائدية إذ أن هذه العسكريات شأنها شأن جيوش الشرق الأوسط جميعاً تم تفريغها من هويتها العقائدية بفعل فاعلين غير مجهولين فهي جيوش إستبدلت العدو المصيري العقائدي مُمثلاً في الكيان الصهيوني بأعداء داخليين من المعارضين العزل أو المُسلحين والذين أبت هذه النظم البائسة التعامل معهم بإعتبارهم مجموعات أو فئات معارضة سياسية عقائدية , فما كان من بعض هذه المجموعات إلا أن حملت السلاح لتصير معارضة مُسلحة أو مجموعات”إرهابية”, وإنخراط السعودية في دعم الإستراتيجيتين العسكريتين لفرنسا والولايات المتحدة بمنطقة الساحل بالإضافة إلي كونه تماهي مع هاتين الإستراتيجيتين المُضادتين للأمن العربي / الإسلامي , إلا أنه يُكرس للملكة ضمان الحماية العسكرية الأمريكية وعند الضرورة الفرنسية أيضاً , وربما لن يقتصر التمويل السعودي( والإماراتي) علي دعم قوة الساحل الخماسية تمويلياً ربما يمتد ليشمل الإسهام في تحمل نفقات أو جزء من نفقات القاعدتين الأمريكيتين للطائرات المُسيرة في Niameyوفي Agadez بشمال النيجر وفي مدينة Mopti بوسط مالي إضافة إلي تمويل التمركز العسكري الفرنسي بمالي فلو أن السعودية تورطت في دعم فرنسا بالساحل فلن تنته مطالب فرنسا من التمويل وستحصل عليه ولو علي سبيل الإبتزاز .

5- مضي السعودية في الإنخراط في مسألة قوة الساحل الخماسية تعني ببساطة أنها قبلت بقلب أبيض المعلومات والمفاهيم الفرنسية / الأمريكية عما يجري في منطقتي الساحل والصحراء بما فيها مسألة الإرهاب , فكلنا يعرف أن الإرهاب منتج غربي نمطي منذ زمن الإستعمار , لذلك فإن تسليم السعودية بهذه المعلومات والمفاهيم ستدفع مقابله غالياً فمقابله الهوية وهي حماية مضمونة أما الحماية العسكرية فهي عرض زائل يعرضه تاجر فاقد السمعة والذمة .

كثيرون وأنا منهم ننظر إلي المملكة بإعتبارها مصدر القوة الناعمة لنا جميعاً أعني قوة الهوية الإسلامية وهي في نظري تكفي المملكة عزاً وشرفاً , ومن ثم فلا ضرورة لأن تضع يدها في أيدي قتلة المسلمين والعرب فهؤلاء لا تعني اللملكة لهم سوي خزانة أموال لا أكثر ولا شرف في أي مستوي من العلاقة معهم , الأجدر بالمملكة أن تعيد النظر في المضي في هذا الطريق الذي سترافق فيه العسكريتان الأمريكية والفرنسية وكلاهما ذا ماض أسود وحاضر أشد سواداً , مازالت أمام المملكة فرصة لإعادة النظر في هذه الخطوة الخطرة والعودة للنهوض بدور قوة السلم ذات البأس والحكم المُحترم للعالمين الإسلامي والعربي , فمن يضع يده في يد قتلة إما أن يفقد شرفه وسمعته أو يتم التضحية به إن تم إستنفاذ ما لديه , وما من مسلم يود رؤية السعودية في أي من الموقفين .

سفير مصري سابق

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here