بكر السباتين: قصتان قصيرتان.. “المرآة السوداء “

 

بكر السباتين

(1)

“المرآة السوداء “

اعتاد رجل الأعمال المشبوه، فهد، على استدعاء ماسح الأحذية فرج إلى مكتبه لتلميع حذائه لقاء أجر زهيد، وكان أثناء ذلك يمارس عليه جبروت السيد من باب السخرية كونه نجح في أعماله برغم حصوله على الثانوية العامة بمعدل مقبول، في ذات الوقت الذي تخرج فيه ماسح الأحذية من الجامعة بتقدير جيد، وكثيراً ما كان فهد يعقد مقارنة قاسية بين حاليهما أثناء انهماك فرج بمسح الحذاء:

“يا متعوس الحظ تتعبون أهاليكم وترهقونهم مادياً لأجل التخرج من الجامعة لينتهي بكم الأمر عند أقدام الناجحين أمثالي”.

وقد اعتاد على قول ذلك وهو يسوي من ربطة عنقه مكملاً حديثه الساخر:

“لا تزعل يا فرج فأنا لا أقصدك بالحديث، على العكس فما زلت عند وعدي بشأن توظيفك إذا ما أتيح لك شاغر عندي”.

وهذه المرة كان فرج يلمع حذاء فهد ببراعة دون أن يكترث بشيء، وكان يمسح وينفخ على سطح الحذاء ببخار فمه، حتى ومضت لمعة على سطحه هاتفاً:

“مراية يا معلم”.

قال ذلك بعد أن وقف على تفاصيل مكالمة سرية كان يجريها فهد حول موعد استلام صفقة خطيرة من السلاح الخفيف:

“لا أريد أن يعلم بذلك رجال البوليس، حتى لا تحل بي كارثة ستقضي عليّ “.

بعد ذلك تلاقت عيونهما بتوجس، ثم تأكد فهد بأن حديثه الخافت لم يلفت انتباه فرج، الذي بدوره طرق الحذاء بطرف الفرشاة بخفة يد، وهو يخاطب فهد بلغة الحرفيين:

“الحذاء جاهز الآن يا كبير”.

وكي يلجمَ فهدُ أية خواطر قد تحوم حول المكالمة الطارئة في رأس فرج، وقف بزهو وهو يمدح براعة ماسح الأحذية في تلميع الحذاء حتى أصبح كالمرآة، وطلب من فرج أن يُخْلِعَهُ الحذاءَ ليتأكد من لمعانه المدهش ، قال هازئاً ببرود:

” تَمَرَّ به، ألا ترى وجهك المتعب من خلاله!! فعلاً أنت مدهش”.

فعل فرج ما طُلِبَ منه مرغماً وقد لمع الحذاء هذه المرة في رأسه، كان وجهه على الحذاء منبعجاً كشيطان منتفخ الأوداج، ثم وقف بقامته المديدة وقد تطاير الشرر من عينيه الغاضبتين، أخاف ذلك فهد الذي اعتذر منه مبرراً طلبه بأنه جاء بحسن نية، وكان يدرك بأن فرج بقامته المديدة وعضلاته المفتولة يستطيع سحقه كحشرة، لذلك تظاهر ببرودة الأعصاب قائلاً:

“عشمي بك كبير يا معلم فرج، أطلب الأجر الذي تريده تكريماً لك”.

فنفخ فرج أنفاسه كبركان، ثم ضرب الطاولة بقبضة يده وزأر متوعداً كأسد جريح:

“أريد عشرين ألف دينار لقاء سكوتي عن المكالمة التي أنهيتها قبل قليل، وإلا دفعت ثمن رعونتك الكثير يا فاشل، فقط لتتذكر كيف أن ثمن التمادي على البشر باهظ “.

الدهشة هذه المرة ربطت لسان فهد الذي تحول إلى ديك منتوف الريش، وسرت في أوصاله برودة الخوف، وقال متلعثما، وفرائصه ترتعد بشدة:

” أكيد لست جاداً!”.

فاقترب فرج بكل عنفوانه فيشد ياقة قميص فهد صارخاً بحنق:

” جربني وسوف ترى.. لقد قرأت مصيرك على مرآة حذائك.. والصفقة لتي ترتب لها ستنتهي بين قدميّ يا أرعن”.

 

 

(2)

“وكسب الرهان”

سأله طبيبه النفسي وهو يتفحص عينيه بالعدسة اليدوية:

“وما يجبرك على ذلك التوتر يا باشا الذي سيقضي عليك ذات يوم وشيك!؟”.

فرد الباشا مناكفاً صديقه الطبيب:

” مستشاري الذي يخاف على مصالحي منهمك هذه الأيام في البحث عن أنجع الوسائل لإخراج سكان إحدى عماراتي القديمة الكائنة في المنطقة التي يفترض إقامة عمان الجديدة فيها، فلا سبيل إلى ذلك إلا بالمحاكم.. شعرت بالإرهاق وها أنذا بين يديك مهدود الحال”.

ثم يكمل متهكماً:

” لماذا تبدأ أيها النطاسي البارع الفحص بالعينين وكأنني شكوتهما إليك!!

قال له الطبيب باهتمام:

” يا باشا إن العين تمثل روحك وقلبك.. ومن خلالهما بوسع المرء قراءة حالتك النفسية”.

تبادلا النظرات بينما يكمل الطبيب حديثه بجدية وحزم:

“ثق بي”..

مردفاً بهدوء :

” أحدثك الآن كصديق.. فلا بأس، فقد نظمت لسعادتك برنامجاً علاجياً سوف أبدأه بتنويمك مغناطيسياً حتى أتعامل مع عقلك الباطني بعيداً عن أشداق المصالح التي توشك على التهامك”.

قالها مداعباً، ثم طيّر إليه سؤاله على جناح التمني:

“فهل تقبل بذلك؟”.

أومأ المريض المتعب برأسه بالقبول حتى اهتزت أوداجه كديك الحبش الهاجع بين يدي القدر، أما الطبيب فقد أخذ يتفحص عيني المريض، فوجدهما محمرتين، وكان أثناء ذلك يعلق شارحاً، مستغلاً صمت المريض الذي أنهكه اللهاث، بينما هو يكتم أنفاسه كلما طُلِبَ منه ذلك لغايات الفحص السريري:

“تنقص عيناك الدموعَ يا باشا، فلا تستهجن الأمر، نعم الدموع!؟ “

” ولكن ألا ترى معي بأن هذا الأمر فأل سيء !!

لكن الطبيب ربت على يده مطمئناً:

“ذَرْفُ الدموع يساعد على إفراز هرمون الأندورفين المسبب للسعادة وتحسين المزاج، لذلك تعد الدموع علاجاً نفسياً رائعاً، وسبباً رئيساً للشعور بالارتياح، والتخلص من الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى.

“كن معي جاداً يا صديقي، تعني مثل النرجيلة بالنسبة للكسالى الذين تغص بهم المقاهي!”

عقب الطبيب ضاحكاً:

“لا بل أنها تساعد أيضاً على تنظيف العيون، وحمايتها من الجراثيم. وترطيب أغشية العين، وحمايتها من الجفاف، والحفاظ على شفافية القرنية وحمايتها، وتحسين الرؤية وعلى ذلك أضف الكثير”.

مكملاً:

“وهل أزيدنك من الشعر بيتاً، فعيناك تبدوان كعيني النجم أحمد مظهر، لكن عيبهما يكمن في ذلك الاحمرار الذي أوشك على التهام بياضهما.. يا صديقي ألا تريد اصطياد ابنة الحلال بواسطتهما أم أبَيْتَ علينا بأن نُكَنّيك ب(أبي فلان)!؟”

فرد الباشا على نفس الوتيرة:

“المال يا صديقي هو جلاب الحظوظ السعيدة.. فلا بأس، ماذا لديك بعدْ يا لئيم!؟”

رد الطبيب ضاحكاً بحيوية وحماس، كان يدرك بأن كل الجلسات السابقة مع الباشا كان فيها مستمعاً إليه فقط، ليكتشف من خلال كل ذلك بأن حياة الباشا تخلو من العواطف مُذ صغره وقد تعلم من والده الجَشِعْ كيف يستثمر حتى أوجاع البشر دون حساب للمشاعر، وقد قرر الطبيب في هذه الجلسة الحاسمة أن يعيد برمجة الباشا، وراهن نفسه على ذلك:

“سأنيمك يا باشا مغناطيسياً”.

فعل الطبيب ذلك ببراعة عهد بها، جعل حركة البندول تأخذ عيني الباشا يساراً ويميناً حتى داعبتهما شبهُ غيبوبة مباغتة، وبدأت رسائل الطبيب تتوالى بصوته الرتيب إلى عقله الباطن، حتى أسَرَهُ بحنان، ثم راح يملي عليه الرسائل المشفرة، قال بصوت متسلل رتيب:

“منذ زمن وعيناك ناضبتان من الدموع، لذلك تيبستا، والحالة هذه تسترعي منك الشفقة على الفقراء كي تنظف عينيك من ملوثات الروح، حاول ولو لمرة واحدة أن لا تشيح بوجهك عن حالة قد تستصعب عليك وأنت تمر بسيارتك الفارهة في السوق.. لا بأس فأنا أعلم بأنك لن تجد أمثال هؤلاء في حيّكم الفاخر الراقي، بشوارعه النظيفة الأنيقة، ولا شك بأن محلات المجوهرات التي تزيد من خيراتك لن تجد فيها ضالتك من مثيري الشفقة، حتى محلات الملابس التي ترتادها وحيداً فهل يعقل أن يزورها فقير معدم بينما ثمن أصغر قطعة فيها قد تذيقه طعم السعادة أو تنيم صغاره على شبع حين تسد رمقهم لأيام .. لا بأس يا طيب، أعلم بأن قلبك شفوق (رددها مراراً) أنت تحتاج إلى هذه الدموع الغالية، فعليك لشرائها أن تطأ بقدميك قاع المدينة، أغرف من هموم الموجعين ما يوفر لعينيك العلاج، الدموع.. نعم! فأنا كطبيب أطلب منك ذلك ليس من وازع إنسانيتي المرهفة، بل لأن نجاحاتك المبهرة أقمتها على قساوة طبعك وصلابة مواقفك.. مرة أخرى سأدلك على منبع غزير للدموع الشافية، عليك أن تذهب مشياً على الأقدام إلى أولئك المشردين الذين طردتهم من أملاك أبيك ذات يوم؛ لتقيم عليها مشاريعك الضخمة، اللهم زدها عليك من نعيم إلى نعيم اللهم لا حسد، فقط استمع إليهم دون مستشارين كانوا قد دأبوا على تسميم روحك النقية بالوعود الدسمة، يحوّلون لك أحزان الناس إلى قضايا خاسرة ، يبررون لك أفعالك من باب التملق والتنفع وكأن مشاعر البشر أمور تافهة، لتكتشف عندي كلما زرت عيادتي ما يريح ضميرك المسلوب، وها هما عيناك في ذبول وتردي، لكنهما متحفزتان حمروان كعيني ذئب يناجز بأنيابه الحملان، أنت في ألحّ الحاجة إلى تلك الدموع التي نضبت عيناك وتيبستا بدونها”.

وفجأة، نهض صوت الباشا من سباته خاضعاً لسطوة الطبيب، كأنه يتحدث عن شخص آخر:

“بل قل وقست عليه الظروف إذ يكتشف كم أنه نسي نفسه في غمرة الانشغال بجمع المال، ترى لمن كل هذا الخير من بعد رحيله عن هذه الدنيا الفانية!؟ وهذا سؤال طبيعي من رجل اعتاد أكل السكاكر حتى أصيب بمرض السكري فغشته الأمراض على غفلة منه”.

ثم تحرر الباشا من حالة الاستلاب متذمراً، ما أوحى للطبيب بأن استجابة المريض جاءت عكسية، حينما نعته معاتباً بالطبيب الجاهل:

“أنت تتجاوز حدودك كطبيب”.

ورغم ذلك حافظ الطبيب على رباطة جأشه، وظل ثابتاً على رهانه في أن بشائر التغير ستأتي ذات يوم على صديقه الباشا.

بعد ذلك، توالت زيارات الباشا للعيادة دون أن يعيد الطبيب نصائحه ذاتها للمريض حتى لا يخسره، فقد كان يعتبر بالنسبة إليه من مصادر دخله الثابتة ( سنة الحياة) رغم وجوده في حي شعبي نائي، ويدرك في سياق ذلك بأنه كان خيار الباشا الأمثل؛ كونه يُؤَمّن للباشا ظروف التستر المجدي لرجل بهيبته، مما يستوجب عليه التعامل معه بحساسية شديدة، ولكنه تفاجأ في آخر زيارة له بعد غياب طويل، بأن عينيه مبللتين بالدموع الساخنة، تلاقت عيونهما، قال له الطبيب وهو يثبت المنظار على عينيه المزهرتين:

“أنظر إلى طرف أذني اليمنى.. ثم خذ نظرك إلى اليسرى.. هذا جيد، أراهما مبللتين بالدموع وهذا صحي للغاية”

وكأن المريض كان ينتظر ذلك كي يفضي إليه بمشاعره:

“كم كنت قاسياً وأنا أجرد الفقراء من حقوقهم البسيطة التي لا يكفلها القانون”

ثم ربت على كاذة يده مكملاً:

“رسالتك وصلتني في العمق، زرت ضحاياي بدون المستشار الذي دفعني إلى محرقة الجشع، تخيل وأنا أدلف بكل ضخامتي إحدى الأزقة فأتعثر حتى كادت تدق عنفي، وحمدت الله أنها كانت مجرد إصابة خفيفة في كاحل القدم اليمنى، لم اتصل بالإسعاف بل آثرت أن أدخل بيوت الصفيح لوحدي، تركت إحدى الأسر البائسة من ضحاياي تأويني، وترعاني باهتمام شديد، لم يسألوا عمن أكون لدرجة أنني استرقت السمع للرجل وهو يوبخ زوجته في حومة انشغال الأسرة بي:

” اصمتي يا امرأة حتى لا يسمعنا الضيف، لا تقولي بأننا نقترض المال لرعايته، الله سيكافئنا”..

وكما يبدو دخلت عليهما الموقفَ ابنتهم الجميلة، وفِي نبرات صوتها الخفيض لهفة لإخبارهم بأنها رهنت عقدها عند محلات (جابر) للذهب مقابل استلافها المال.

يا للهول! إذ شهقت متبلماً حِينَئِذٍ كغبي صفعه الأستاذ، ذرفت عيناي دموعاً سخية، شعرت بها تنظف قلبي من مشاعر الجشع والرياء، فمحلات (جابر) تعود ملكيتها إليّ، هذه قسوة ستدنس قلب صاحبها لو عُدَّ من البشر!لا أدري ففي المرات التالية تعاقبت زياراتي عليهم، وكان الهدف منها هذه المرة، هو التقرب من تلك الفتاة التي اكتشفت بكل بساطة بأنها العلاج الشافي لمأزقي في حياة عشتها وحيداً دون أن تتحرك في أعماقه مشاعر الوجد، كأنني ولدت من جديد”.

عقب الطبيب والدهشة تأكل رأسه:

“كنت أدرك معدنك الأصيل من رفضك الفطري لأسلوب حياتك، مع العلم بأن هدفي كان كطبيب هو غسل عينيك بالدموع كي تريح ضميرك، أما الحب فهو قدر لا يملك الطبيب زمامه”.

لكن الباشا العاشق أخذ يعقب على الموقف ضاحكاً والبهجة تورق في محياه النضر:

” بل غسل ضميري المضعضع؛ لذلك طلبت من مستشاري أن يقدم استقالته، وعينت غيره ممن يحافظون على مصالحي دون المساس بحقوق الناس، طبعاً تم ذلك بمساعدة نسيبي الذي فاض عليّ بالحكمة وحلاوة الروح وخاصة أنه محاسب متقاعد “

وقبل أن يخرج الباشا من العيادة، ذكّر الطبيب بإلحاح وقد أغبط بمشاعر الفرح والعرفان:

“لا تنس حضور حفل زفافنا في فندق الرويال”.

فابتسم الطبيب وكأنه كسب الرهان.

 

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here