بكر السباتين: شيطان التفاصيل: الازمة الامريكية التركية شرق الفرات وتطوراتها

بكر السباتين

الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل. مقولة يمكن القياس عليها فيما يتعلق بالمستجدات على الساحة السورية، وتحديداً شمال شرقي الفرات. ولنحدد تلك البقعة الجغرافية بدائرة في أذهاننا، على اعتبار أنها باتت الآن تشكل أزمة جديدة يشترك فيها الخصوم التقليديين في الأزمة السورية، وأعني هنا أمريكا ومن ورائها “إسرائيل”، والأكراد ممثلين بالجيش الديمقراطي السوري ومن ورائهم حزب العمل الكردستاني التركي “الإرهابي” وفق ما ترى تركيا، ناهيك عن الدولة السورية التي تسعى لبسط سيطرتها على كامل التراب السوري المنتهك، وحليفها الروس.. وسيبقى قي سياق ذلك كل من داعش وإيران وحزب الله (المنشغل بالملف الأمني مع الكيان الإسرائيلي) خارج الدائرة ولو إلى حين.  ثم دعونا نذهب أولاً إلى الموقف الأمريكي الذي أعلن قبل عشرة أيام من خلال مكالمة هاتفية أجراها ترامب مع نظيره التركي أردوغان، حيث وعد من خلالها بسحب القوات الأمريكية العاملة على الأرض شمال شرق سوريا في غضون الشهرين إلى ثلاثة.

وهذا القرار المقطوع شفوياً ظل رهينة للتكهنات على اعتبار أنه مجرد وعد يحتاج قبل كل شيء لترتيبات مسبقة مع الدولة العميقة في أمريكا والتي تهيمن على القرار الأمريكي وفق توازنات حساسة تشمل الكونغرس والبنتاغون والأمن القومي الأمريكي.

وينبغي في ذات السياق أن نعرج قليلاً إلى الموقف الإسرائيلي الذي أرغمته التداعيات المتسارعة لأن يخرج على الملأ دون لثام، إذ لم يكن مستغرباً أن تتصاعد لهجة “إسرائيل” الرافضة لهذا الوعد الذي تبناه ترامب قبل أن يتحول إلى قرار نافذ؛ لذلك جاءت اللعبة الإسرائيلية وفق ما هو متوقع لتقلب الطاولة على ترامب وقد بات منذ بداية العام الجاري عرضة لضغوطات الكونغرس الأمريكي بغالبيته الديمقراطية.

من هنا يمكن فهم ما قام به أردوغان لرفض استقبال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون ملتون والقادم إلى أنقرة من “إسرائيل” وكان في جعبته، ما يبدو، أنه اتفاق إسرائيلي أمريكي مبطن، تم الإشارة إليه في سياق المؤتمر الصحفي المشترك الأخير في القدس المحتلة مع نتنياهو حيث صرح جون ملتون في المؤتمر بأن على أردوغان أن يتعهد بحماية الأكراد الذين يمثلهم الجيش القومي السوري والذي تعتبره تركيا الذراع السوري الكردي العسكري لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، هذا بالإضافة إلى ما تسرب من أنباءً تقول أنّ بولتون أبلغ إبراهيم كولن، المتحدث باسم الرئيس التركي، أثناء اجتماعه بِه، بأنّ واشنطن تعارِض أيّ هجوم تركيّ على حلفائها الأكراد في سورية، وإنّها لنْ تسحب قوّاتها من شمال شرق سورية إلا في حال ضمنت تركيا أمن وسلامة هؤلاء الحلفاء، وامتنعت عن القيام بأيّ هجوم ضدهم.

ومن هنا تكون الأسباب قد توفرت لدفع الرئيس التركي أردوغان بشنّ (رأي اليوم) هجوماً شرساً على بولتون مستنكراً تصريحاته الأخيرة، نافياً في سياق ذلك بأنْ يكون قد تعهد لترامب بعدم شنّ هجوم على قوّات سورية الديمقراطية، لأنه يعتبرها حسب رأيه “إرهابيّة”؛ لذلك لا يمكن لتركيا أن تُقَدِّم أيّ تنازلات لأحد في مجال الإرهاب على حساب الأمن القومي التركي.

هذه التفاصيل كان على ترامب أن يحتاط لها مسبقاً قبل الانزلاق إلى قرار شفوي ينسجم مع رؤيته في سياسته الخارجية الأمريكية، والقاضية بتغليب سياسة الكسب المادي على الهدر المالي الذاهب هباءً نحو دعم حلفاء بلاده في الخارج وكأنها هدرت مجاناً دون مقابل.. فهل ستصمد رؤيته هذه على أول محك يعترضها فيما يتعلق ببقاء القوات الأمريكية عاملة شمال شرق الفرات بكلفتها العالية، وهو أيضاً المطلب الإسرائيلي المُلِحْ والذي سخّر نتنياهو لأجله كل طاقات اللوبي الصهيوني في أمريكا! هذا إذا علمنا أيضاً بأنه حتى لو نفذت عملية الانسحاب من منطقة شمال شرق سوريا التي أحطناها بدائرة ذهنية؛ ستظل تحت حماية الغطاء الجوي الأمريكي! لذلك فإن من المتوقع أن يجمع أردوغان أوراقه ليذهب بها إلى الدب الروسي بوتين حتى يعيد ترتيبها هناك وفق المصالح الإقليمية المشتركة بينهما، والتي لا يمكن لها بالنسبة لروسيا أن تمضي بسهولة دون التوافق التام مع الرئيس السوري بشار الأسد وأجندته الوطنية.

التكهنات ما زالت تختلط ببعضها، والاحتمالات منفتحة على كل المفاجآت، إلا أن المصلحة في بقاء القوات الأمريكية وإن كانت تصب في صالح نتنياهو قبل كل شيء.. إلا أن الحلف السوري الروسي الذي بات يقتات على النتائج؛ سيظفر بالكثير أيضاً من جرّاء الانشغال التركي الأمريكي في دائرة الصراع شمال شرق سوريا، وبالتالي دخول سوريا عبر البوابة الروسية في اتفاق قد يحسن من الموقف السوري الاستراتيجي على المستويين الميداني والسياسي، وإن كان الأمر غير مبشر وفق المعطيات الجيوسياسية. من جهة أخرى يمكن لسورية أيضاً كسب التأييد الكردي لاستعادة الدور المنوط بها لبسط سيطرتها مرحلياً على المنطقة إذا توافقت الظروف الجيوسياسية على ذلك، وبالطبع هو هدف سوري منشود، وخاصة أنه في أواخر العام 2018 طالب الأكرادُ القواتِ السورية النظامية بتوفير الحماية الأمنية لهم من منطلق كونهم سوريين، وهو ما سيقلق أمريكا لو تحقق ذلك.

وأخيراً تبقى الرهانات معقودة على عاتق موقف ترامب المتقلب إذا أخذنا بعين الاعتبار الرؤية الترامبية في تفضيل المكاسب المادية على الهدر المجاني..

 وهذا هو حال سوريا فكلما توشك الحلول على تضميد الجراح، يأتي شيطان التفاصيل ليرش الملح فيه. كأنه شريحة لحم يقتتل الخصوم عليها في حفل شواء.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here