بكر السباتين: القصة الكاملة للصراع الوجودي بين اليسار والليبراليين في فنزويلا والرهان على المجهول

بكر السباتين

السؤال الذي يطرح نفسه في أتون المواجهة المتصاعدة في فنزويلا بين الرئيس مودورو والليبراليين الذين تدعمهم أمريكا بقوة هو:

ما السر وراء محاولة تدمير البلاد وتحويلها إلى دولة فاشلة رغم امتلاكها لأكبر احتياطي من النفط في العالم بالإضافة إلى امتلاكها لمخزون استراتيجي ضخم من الغاز تحت باطن الأرض!؟ أين أصاب شافيز وأين أخطأ خليفته مودورو! وهل لمواقف مؤسسة الحكم ذات الميول اليسارية المترسخة في الدولة العميقة المعادية للحداثة بشكلها الليبرالي، والمناصرة لحقوق الشعب الفلسطيني، علاقة بذلك، من حيث أنها عززت من موقف اللوبي الصهيوني في أمريكا والداعم لتوجهات الدولة الأمريكية العميقة نحو تنفيذ أجندة ترامب حول فنزويلا والتي اتخذت شكل المواجهة المباشرة لاجتثاث التجربة اليسارية التي يمثلها مودورو والمسيطرة على السلطة التنفيذية والنابعة من ثقافة الجماهير، واستبدالها بالليبرالية الأمريكية التي يمثلها رئيس البرلمان الحالي خوان غويدو والمرفوضة جوهرياً وفق ثقافة الفنزويليين الراسخة وحساسية الأمر بالنسبة للشعب الفنزويلي لعلاقة فكرة (الدعم الأمريكي) بتجربة الاستعمار الأمريكي البغيض ! دعونا إذاً نفهم الحالة الفنزويلية من جذورها!

إن التجربة الفنزويلية السياسية التي تراوحت منذ بدايتها ما بين انتهاج أقصى اليسار (الاشتراكية الديمقراطية)، والوسط الذي يميل إلى اليمين على عتبات الليبرالية التي تخرج منها رئيس البرلمان الفنزويلي المعارض والذي أخذها بدوره نحو مظلة الرعاية الأمريكية في أقصى اليمين، ليست وليدة اليوم حيث تتكالب أمريكا وحلفاؤها التقليديين في القارة اللاتينية، على جوهرها لإجهاضها وهي في التداعيات الأولى من مخاض النجاح للشافيزية التي يسير على نهجها الرئيس الحالي مادورو ، وذلك منذ تجربة الزعيم اللاتيني التحرري سيمون بوليفار وصولاً إلى تجربة شافيز اليسارية (السلطة الديمقراطية الاشتراكية) وامتداداتها من خلال الرئيس الحالي نيكولاس مادورو.

 وللإنصاف فالتجربة الفنزويلية برمتها تشكلت في الوعي الثقافي للشعب الفنزويلي وأصبحت له ذاكرة عميقة ومحددات برمجية في “العقل الباطن” الجمعي للفنزويليين، حيث طاقة العاطفة الجماهيرية التي تحرض على الوحدة اللاتينية للقارة بشكلها البوليفاري وتبني اليسار وفق الرؤية الشافينيزية  الذي يشكل الخطاب الثقافي والسياسي للفنزويلين والقائم على مبدئين متجذرين وجدانياً في العقل اللاتيني وخاصة شمال القارة اللاتينية الجنوبية وأمريكا الوسطى، أولهما العداء للإمبريالية الأمريكية التي أوصلها شافيز إلى ذروة التصادم في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ ضرب الحصار الشامل على فنزويلا والتي زادت من معاناة الشعب وخاصة بعد احتدام الموقف في زمن الرئيس ترامب الذي تبنى موقفاً متطرفاً نحو إسقاط الرئيس الحالي مودورو وإطلاق أمريكا الوعود المبرمجة من أجل وأد تجربة اليسار وحرق القمصان الحُمْر التي مثلت اللون الثوري الشافيزي الماركسي. وثانيهما البعد الوحدوي للقارة اللاتينية التي ترسخت كثقافة فنزويلية بدأت منذ عهد سيمون بوليفار (1783- 1830) الذي أسس لخطاب وحدوي لاتيني حيث تركز سعيه في توحيد القارة اللاتينية وخاصة أن له تجربة في تحرير بنما وكولمبيا وبوليفيا التي سميت باسمه إضافة إلى فنزويللا التي ينتسب إليها وخاصة أنه من مواليد كراكاس عام 1783.

 

وقد تحولت هذه الثقافة إلى بنية فكرية ذات قابلية للتصدير في عهد شافيز بطابعها الاشتراكي الديمقراطي الذي يحابي الطبقتين الوسطى والفقيرة على حساب الأغنياء الذين يحتكرون ثروات البلاد ويميلون إلى الليبرالية المنفتحة بحذر شديد على الشروط الأمريكية كخلاص لمأزق فنزويلا.

 

من هنا كان على المواجهة بين الشافيزية التي يتبناها الرئيس الحالي مودورو، والليبرالية الأمريكية المتغولة، أن تدخل في صراع وجودي مباشر من خلال سياسة كسر العظام في الأزمة المتفاقمة داخل فنزويلا.

 

إن القصة الكاملة للصراع الوجودي بين اليسار والليبراليين في فنزويلا والرهان على المجهول.. تبدأ وبالأرقام من عند ثورة القمصان الحُمْر التي أشعلها هوغو تشافيز.. والذي صار رئيساً للبلاد في 2 فبراير عام 1999 وتخرج من عباءتها الرئيس الحالي نيكولاس مودورو..

وكان شافيز قد عُرِفَ بحكومته ذات السلطة الديمقراطية الاشتراكية حيث اشتهر كزعيم ثوري لمناداته بتكامل أمريكا اللاتينية السياسي والاقتصادي مع معاداته للإمبريالية وانتقاده الحاد لأنصار العولمة من الليبراليين الحديثين وللسياسة الخارجية للولايات المتحدة.. ويُعَدُّ شخصية مثيرة للجدل، حيث قاد فنزويلا متحدياً السياسة الأميركية، وأعاد إلى القارة مدها اليساري وتعاطفها مع قضايا المستضعفين في العالم أجمع وخاصة القضية الفلسطينية حيث وصل الأمر به أثناء النزاع الإسرائيلي اللبناني عام 2006 بين “إسرائيل” وحزب الله إلى طرده السفير الإسرائيلي في كراكاس وخفض اتفاقيات اقتصادية وعسكرية كانت مبرمة بين بلاده وتل أبيب. لا بل وصل به الحد إلى المقارنة بين تصرفات إسرائيل بهتلر والنازيين، وزد على ذلك أنه خلال زيارة قام بها إلى كل من روسيا والصين في عام 2006 دعا  إلى محاكمة القادة الإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية.. ولا ننسى أيضاً دعمه لمحور المقاومة في منطقتنا العربية ووقوفه إلى جانب غزة في كل حروبها التي شهدها. وهي مواقف تسجل له، وقد ورثها مودورو وثبت عليها في إطار سياسة اليسار المناهضة لأمريكا التي تحاول تقويض أركان الدولة الفنزويلية وتغييرها جوهرياً لتدور في الفلك الأمريكي من باب التبعية الجوفاء وهو ما يخشاه الشعب الفنزويلي رغم الأزمات الخانقة التي يعاني من تبعاتها القاسية.

ومنذ ذلك الحين عززت فنزويلا علاقاتها مع روسيا، والصين وإيران كخيار استراتيجي بديل، وقد دخلت على الخط اليوم تركيا بدافع صراعها مع ترامب، لمؤازرة الرئيس الفنزويلي الشرعي مودورو من أجل مساعدته في مواجهة ترامب وعملائه داخل البلاد.

 وللبحث في جذور المواجهة الأمريكية الفنزويلية؛ دعونا نتذكر كيف أن الحالة التشافيزية، التي حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها احتواءها، شكلت حينذاك ظاهرة عصيّة على التدجين؛ لذلك وجد شافيز تعنتاً من الأنظمة الموالية لأمريكا وتعرض لمؤامرات أخذت تضيّق الخناق على بلاده؛ ولكن شافيز كان يتجاوز المحنة دائماً باقتدار، يساعده في ذلك أن فنزويللا  تحتل منزلة متميزة داخل أوبك، فهي تمتلك من احتياطيات الزيت المؤكدة في نهاية 2001 نحو 78 مليار برميل، أو ما يعادل 7.4% من الاحتياطيات العالمية. وهي بذلك تحتل المرتبة السادسة بعد السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران. وبالإضافة لذلك تمتلك فنزويلا احتياطيات هائلة من الزيت الفائق الكثافة وتقدر احتياطاته بنحو 270 مليار برميل وإن كانت اقتصادياته حالياً لا تسمح باستخلاص أكثر من 3-7% منها وبتكلفة مرتفعة.

كذلك تقدر احتياطيات فنزويلا من الغاز الطبيعي بنحو 148 تريليون قدم مكعبة وهو ما يعادل 2.7% من الاحتياطات العالمية للغاز أو 30% من احتياطيات النصف الغربي للكرة الأرضية. ويبلغ إنتاجها من الغاز في عهد شافيز قريب ال 3 مليار قدم مكعبة، وقد انخفضت كمية الإنتاج مؤخراً لتراجع جودة معدات الإنتاج وعدم القدرة على صيانتها بما يتلاءم ومتطلبات السوق، ما أدى إلى أن تصل تكلفة إنتاج النفط الجاهز للتصدير نحو 8-9 دولارات. من هنا كان سعي فنزويلا الدائم لمساندة أسعار البترول بحيث لا تنخفض إلى مستويات تهدد صافي عائداتها بعد خصم التكاليف وهو ما يشكل خط المواجهة الأول بين فنزويلا وأمريكا التي تطمع بالثروات المدفونة تحت أرض فنزويلا، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مديونية فنزويلا الخارجية كانت تبلغ نحو 35 مليار دولار يلزم لخدمتها نحو 5 مليارات دولار سنوياً وقد زادن في عهد مودورو إلى معدلات قياسية، فضلاً عمّا تعانيه موازنة الحكومة من عجز يصل إلى نحو 6 مليارات دولار سنوياً. وكانت منذ عهد شافيز تتجه الحلول نحو طرح سندات الاقتراض من مصادر مختلفة أو السحب من الصندوق السيادي كأخطر الحلول في ظل الحصار الجائر.

سوى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً كان يساعد شافيز على الحد من ظاهرة الفقر المتفشية وخفض نسبها؛ ولكن لسوء الحظ فقد اختلف الأمر الآن، وانقلب الحال رأساً على عقب، إذْ تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجعت حقوق الإنسان وعمت الفوضى الناجمة عن الفقر المدقع في البلاد.. وخاصة منذ مجيء الرئيس الحالي (الأقل جاذبية) لفنزويللا نيكولاس مادورو الذي هيأه شافيز من قبل ليفوز في الانتخابات الرئاسية في 14 أبريل 2013.حيث قاد البلاد على نفس المبادئ التي انتهجها شافيز ولكن في ظروف سيئة بعد هبوط سعر النفط إلى أدنى الأسعار وتعثر الانتاج رغم الطلب المتزايد عليه؛ بسبب عدم القدرة على صيانة منشآت النفط البالية.. وكانت النتيجة أن ذهب مادورو باتجاه طرح مشروعه الإصلاحي القائم على تقليص عدد الموظفين في الحكومة وخفض الرواتب، ووقف الدعم عن السلع الأساسية فازداد عدد الفقراء وتعثرت التنمية المستدامة الشاملة.. وقد ساعد على تأزم الموقف استمرار الحصار الأمريكي الخانق على فنزويللا التي ما لبثت تحاول الخروج من عنق الزجاجة..

وكانت الاستراتيجية الأمريكية إزاء فنزويلا تخريبية إلى درجة أن واشنطن، أعطت الضوء الأخضر لرئيس البرلمان الفنزويلي المعارض خوان غوايدو، الذي نصب نفسه رئيسا مؤقتاً للبلاد، لوضع يده على أصول فنزويلا الموجودة في المصارف الأمريكية بجعل حسابات فنزويلا تحت سيطرة “السلطة الشرعية” وِفْقَ الوصف الأمريكي كما جاء في موقع وزارة الخارجية الأمريكية في 25 يناير 2019 بذريعة حماية هذه الأموال من نهب السلطة الفاسدة.. وهو ما اعتبرته حكومة كراكاس بمثابة إعلان حرب وخاصة أن ترامب لوح بتدخل عسكري إذا لزم الأمر عدة مرات ليظهر نفسه كمنقذ للبلاد من خلال تأييده لزعيم المعارضة الفنزويلية الذي أعلن نفسه يوم 23 يناير الماضي رئيساً للبلاد في مسيرة في العاصمة كاراكاس، ولم يتم الإعلان عن ذلك في البرلمان كما هو منصوص عليه في دستور البلاد.

 ورغم ذلك، سارعت الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين ودول محافظة تابعة لها في أمريكا الجنوبية إلى الاعتراف بغوايدو رئيسا مؤقتا شريطة أن يدعو الى انتخابات حرة ونزيهة.

علماً بأنه حتى الآن لم يجد من يؤيد غوايدو في السلطة التنفيذية وخاصة أجهزة الدولة الأمنية والجيش كونه خرج من عباءة الليبرالية الأمريكية والتي تناصبها ثورة شافيز الحمراء التي يتبناها الرئيس المتعثر الحالي مادورو.

صحيح أن فنزويلا ما زالت تعيش اضطراباً سياسياً زاد من تأزم الموقف ضد سياسات مادورو الإصلاحية إلا أن تجاوز خصمه خوان غوايدو للمحرمات السياسية في الثقافة الفنزويلية وقبوله دعم ترامب وحلفائه واعترافهم به رئيساً شرعياً مؤقتاً على الفور، قلب الطاولة عليه، وأزم من موقفه أمام السلطة التنفيذية التي افتقد السلطة عليها وبالتالي فهو لا يتحكم في لجنة الانتخابات، ولا بالسلطة التنفيذية، وعليه فهو لا يستطيع إعطاء أوامر للجيش بالتحرك، كما لا يستطيع ضمان الاتفاقيات الدولية، حتى أنه لا يستطيع مخاطبة جهازه الدبلوماسي، أو إبداء السيطرة عليه، وفي ذات السياق فشلت الدول الغربية في دفع السفارات الفنزويلية في الخارج الى التمرد والانضمام الى صفه سوى القنصل الفنزويلي في ميامي، والسفير الفنزويلي في العراق.

من جهة أخرى، دعمت روسيا وتركيا وإيران السلطة الشرعية في البلاد والمتمثلة بالرئيس المنتخب نيكولاس مادورو والذي يكابد مشقة الخروج من عنق الزجاجة بسبب الحصار الأمريكي الجائر من خلال العزف على وتر وعود الثورة الحمراء الشافيزية التي تشكل جوهر نظامه السياسي بمستقبل أفضل لقبول إصلاحاته القاسية، بعيداً عن ليبرالية ترامب وتغول بلاده في القارة اللاتينية والتي وفق رؤيته التي تنسجم مع الشافيزية؛ ستجلب للبلاد الدمار من خلال تحويلها إلى دولة فاشلة كما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن من تخريب على يد حلفاء أمريكا وإسرائيل. وهذا ما يخيف الفنزويليين ويعيد خوان غوايدو إلى عنق الزجاجة، وقد ينتهي مستقبله السياسي مع وجود احتمالات احتدام المواجهة وفق خيارات أخرى مع الليبرالية الأمريكية التي يقودها ترامب الطامع بثروات فنزويلا أكثر من رغبته بكسر هيبة فنزويلا وإسقاط الشافيزية لوأد اليسار في القارة اللاتينية تحت أنقاضها.. الرهانات على المجهول طريق مسدود والمستقبل يحمل الكثير من المفاجآت في الشأن الفنزويلي.

6 فبراير 2018

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here