بكر السباتين: الفنانة نادية لطفي في ذمة الله.. ومواقف لا تنسى للراحلة في حصار بيروت حينما تخلى العرب عن الفلسطينيين

بكر السباتين

كانت بيروت تلتهب، والحصار الصهيوني يطوقها، والموت الزؤام يترصد حتى قطط الشوارع، والبيوت حولتها صواريخ العدو وقنابله إلى مقابر ألجمت القلوب المتضرعة إلى الله بالدعاء، وهي تلهج بالهديل كالحمائم التي تبحث في احتفالية الموت عن ملاذ.. كان المقاتلون من القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة يصدون العدوان الإسرائيلي ببسالة.. يقارعون الخُطُوبَ كالأسود.. حدث ذلك في صيف عام ١٩٨٢ القائظ حينما نفذ شارون وعيده باجتياح لبنان وصولاً إلى تطويق بيروت ليضعها أمام خيارين، فإما الموت واقفين أو رفع راية الاستسلام، وكانت الأصوات في أتون المواجهات الدامية تجأر مستجيرة بالعرب فلا حياة لمن تنادي.. فلم ينل منهم الفلسطينييون إلا اللوم والتوبيخ، وتوجيه الاتهام إليهم في أنهم سبب دمار المنطقة؛ ليحولوا الضحية إلى جاني، وأعطوا لأنفسهم الحق في مساومتهم على مبادئهم، إرضاءً لغطرسة أمريكا والكيان الإسرائيلي .. ورغم قساوة الظروف جاء إلى بيروت من يكفكف دموع أول عاصمة عربية يباغتها العدو الإسرائيلي ويطوقها بالحديد والنار، كانوا لفيفاً من الفنانين العرب الشرفاء الذين عرضوا حياتهم لخطر الموت، من أجل رفع معنويات المقاتلين الفلسطينيين وهم يقاتلون خلف المتاريس في ضواحي بيروت، وفي الخطوط الأمامية وخاصة حارة حريك جنوب المدينة، وداخل غرف العمليات حيث القادة الذين يديرون العمليات أو يتنقلون بينها وبين جبهات القتال المشتعلة وعلى رأسهم الشهداء: ياسر عرفات وخليل الوزير، وصلاح خلف.. حيث كان من بين أولئك الفنانين، الراحلون: نادية لطفي وفتحية العسال ونور الشريف رحمهم الله جميعاً.. فبعد الغياب الأبدي تظل المواقف قناديلَ تضيء الطريق في عالم يسوده الظلام وتنتشر في سمائه الخفافيش.. وقد مثل رحيل الفنانة نادية لطفي إلى الرفيق الأعلى خسارة للساحة الفنية العربية، وسوف يفتقد الفلسطينييون إحدى الداعمات للقضية الفلسطينية يوم تخلى عنها العرب.. فهنيئاً لمن ارتبط اسمه بصمود المقاومة في بيروت.. ومنهم الراحلة الكبيرة التي ظلت مع الصامدين في عاصمة لبنان حتى رحيلهم إلى قبرص عبر البحر، توطئة للاستقرار في تونس.. فما كان منها إلا أن لحقت بهم مصممة على مداواة الجرح الفلسطيني والتفاعل الحقيقي والصادق مع تداعيات الموقف المأساوي للفلسطينيين الذين تقاذفتهم المنافي دون رحمة أو شفقة.. وكل من عرف الراحلة ناديا لطفي يشهد بأنها ظلت على حبها النقي لفلسطين حتى النهاية وتمتلك في صندوق ذكرياتها مئات الصور التي تؤرخ لذكرياتها مع الفدائيين وقادتهم إبان حصار بيروت..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here