بكر السباتين: إزالة أول ثلاث مستعمرات يهودية شرق الأردن.. كيف ومتى؟

بكر السباتين

حدث ذلك تحديداً في زمن الدولة العثمانية (الباب العالي) وقبل نشوء الحركة الصهيونية، حيث كان الوضع السياسي مبهماً نظراً لانشغال الباب العالي بإعادة تشكيل ولاية سوريا حيث ضمت في إدارتها ألوية شرق الأردن التي أهملت خدماتياً من قبل حكومة الباب العالي، سوى ما يتعلق بطرق الحجاج، وهو ما سهل على أطماع اليهود الطريق واهمين بأن تسللهم إلى شرق الأردن سيكون آمناً، ولكن القبائل الأردنية (بني حسن والشمال) كانت لها بالمرصاد، وبكل وعي أقدمت على إجهاض أحلام اليهود الاستيطانية في مهدها..

حدث ذلك حينما أعاد اليهود في عام ١٨٧٠ إحياء أسطورة نهر “يبوق” الزرقاء حالياً، حيث مر به النبي يعقوب وفق الأساطير اليهودية، وبنوا على ضفته الشمالية بوادي جرش مستوطنتين زراعيتين واسعتين دعيت احداهما (راحيل)، إضافة لمستوطنة ثالثة دعيت (كفار اهود) في منطقة جلعاد في البلقاء، فشكلت هذه المستوطنات نواة توسعية لأحلام اليهود المستقبلية.

. كان المستوطنون يرسخون لنمط حياة خاصة يجمعون في سياقها بين العمل الدؤوب والحراسة المشددة، فيعملون بالزراعة نهاراً فيما يقومون بالحراسة ليلاً، وذلك خوفاً من هجمات سكان المنطقة من القبائل البدوية التي لم تنسجم مع هذا الوضع المفاجئ، وبعد اربع سنوات حاول المستعمرون اليهود شراء اراضي جديدة لتوسعة المستوطنتين واستقطاب يهود جدد وفق مخططهم الاستعماري الخبيث، عندها إستشعر ت القبائل الأردنية الموجودة في المنطقة آنذاك خطورة الموقف لوجود هذه النواة الاستيطانية اليهودية على اراضيهم فعزموا على مقاومة وإفشال الاستيطان الصهيوني في جرش، وسد المنافذ على اليهود شرق الأردن.

وهو ما جرى بالفعل، في صيف عام ١٨٧٦ والموافق لتاريخ إقرار أول دستور عثماني، إذ عُقد اجتماع في بلدة “ساكب” في مضافة الشيخ رجا المصطفى العياصره؛ لتدارس الموقف الجلل، ضم الاجتماع كبار شيوخ ووجهاء عشائر بني حسن، وبعض عشائر شمال الأردن، وترأس الاجتماع حينذاك شيخ “كفر سوم” المحنك، الشيخ مفلح عبيدات “أبو كايد”، وبعد تداول الموقف من كل جوانبه، أجمعت القبائل الأردنية على طرد اليهود الدخلاء على أراضيهم، بما أتيح لديهم من أسلحة خفيفة، وهاجموا المستعمرات اليهودية الثلاث ثم أحرقوها لمسح آثارها التي شوهت روح المكان..

ولسد الطريق على أية محاولات استيطانية يهودية أخرى؛ قام رجالات العشائر هؤلاء بتقديم عريضة وجهت إلى الصدر العثماني الأعظم، وعززت بدعم النواب العرب في المبعوثان، طالبوا فيها بمنع هجرة اليهود إلى ألوية شرق الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية) ، ومنع استملاكهم للأراضي، ومنذ ذلك الوقت لم يحدث أي استيطان صهيوني فعلي في أي من مناطق الأردن حتى الآن، وذلك بفضل يقظة أبناء العشائر وعزمهم على كنس أراضيهم من المستوطنات، وبذلك يتبلور وعيهم السياسي المبكر وقد رسموا الخطوط العريضة لمستقبل الأردن الذي أعلن كإمارة في عهد الملك عبد الله الأول بن الحسين أول القرن الماضي.

وبقيت جميع المحاولات اللاحقة ضمن أفكار واهمة، صحيح أن بعض العملاء والسماسرة تعاملوا مع الوكالة اليهوديّة بهدف بيع أراضي أردنية، إلا أن محاولات هؤلاء باءت بالفشل الذريع وقد دمغت أسماؤهم بالعار.

إنه خيار القوة الذي انقذ مستقبل الأردن من براثن الحركة الصهيونية التي أعلن عن قيامها في مؤتمر بال بسويسرا عام ١٨٩١.وهذا يؤكد بأن خيار المقاومة هو الأجدى في زمن السمسرة والرياء.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

17 تعليقات

  1. من المفروض على المعلقين التركيز على كيفية إزالة المسنعمرات وليس الأسماء التي قد تسقط سهوا علما بأن الأسماء تطابق ما جاء في عدة مراجع انا رجعت إليها عن طريق جوجل.. لأن الحدث صنعته العشائر ويجير إليها، ولها الشرف في ذلك.. كل الشكر لكاتب لمقال

  2. أستاذ بكر أحسنت صنعا في كتابة هذا المقال المحوجون إلى أمثاله حتى نذكر الأجيال القادمة بمواقف الرجولة والشرف ورحم الله من شارك في صنع هذه البطولة من عشائرنا الكريمة ولعن كل من حاول بيع أرضه للوكالة اليهودية وعلينا اليوم أن نحمي البتراء من المطبعون الذين لا يشبعون

  3. المكتب الوطني الاعلامي الدعسة الفجائية السلط
    May 15, 2019 ·
    نشر مقالاً حول الموضوع للكتور عصام العزاوي بعنوان
    “أول محاولة إستيطان صهيونية في الأردن عام ١٨٧٦” تحدث فيه عن إزالة وحرق ثلاث مستعمرات يهودية إقيمت عند نهر الزرقاء غي جرش وفي جلعاد السلط…….. وأشكر الأستاذ بكر السباتن على مقاله القيم

  4. أهم مصدر عن هذه المستعمرات كتاب “الأطماع الصهيونية في شرقي الأردن 1862 – 1946” تأليف د. عصام محمد السعدي

  5. وينقل “تسفي إيلان” في كتابه “التوق للاستيطان اليهودي في شرقي الأردن؛ 1871-1947″، أن أوّل من دعا إلى استيطان اليهود لشرقيّ الأردن هو ضابط سلاح الهندسة البريطاني السير “تشارلز وارن”، الذي قَدِمَ إلى المنطقة عام 1867 ضمن فريق عمل “صندوق استكشاف فلسطين” البريطاني، وقام بإعداد عدّة أبحاث عن منطقة شرقي الأردن وغربه، وانتهت دراسته إلى ضرورة الشروع بالاستيطان اليهودي في منطقة “جلعاد” بشرقي الأردن، والتي فضّلها كمكان للاستيطان على “غرب الأردن” (فلسطين)، لما تتمتع به من مناخ ممتاز، وتنوّع نباتي. ورأى “وارن” إمكانية تحويلها إلى جنة غنّاء، من خلال استغلال مياه نهر الأردن والأودية التي تصبّ فيه، ودعا لتأسيس شركة استيطان يهودي لشرقي الأردن، بحيث تستأجر الأراضي من الدولة العثمانية، مقابل قيام الشركة بتسديد الديون التركية الأوروبية.

    السير تشارلز وارن.. أول من دعا لاستيطان شرقي الأردن

    ثم تبع ذلك دعوة “يهوشع يلين”، الذي دعا لاستيطان شرقي الأردن، وأسس عام 1871 شركة لاستثمار واستصلاح أراضي “غور نمرين” شمال شرق البحر الميت (في الشونة الجنوبية)، تمهيداً لعمليات استيطان يهودي في المنطقة، وقام بعقد اتفاقية مع شيوخ عرب النمر، سكان المنطقة، ولكن المشروع لم يحظَ باهتمام من قِبَل اليهود أنفسهم آنذاك، لما كان يحتمله من مغامرة بسبب عدم ضمان الأمن.
    وكان الفضل لقبيلة بني حسن في إزالة ثلاث مستعمرات يهودية صغيرة من منطقة جرش والبلقاء.. العتب على المؤرخين الذين تجاوزوا الكثير من تفاصيل تاريخ الأردن مثل موضوع المستعمرات اليهودية
    المقال يتحدث عن حقيقة معروفة للقاصي والداني وهو مشكور على تذكيرنا بها.. وتعريف القارئ العربي بتاريخنا المشرق.
    د صفاء الرجبي

  6. كتب د. نبيل الكوفحي مقالاً تحدث فيه عن المستعمرات التي أزالتها العشائر الأردنية في العهد التركي عام 1870 بعنوان
    الشيخ مفلح الجبر عبيدات والتخلص من مستوطنات يهودية في جرش
    المقال منشور في جوجل.. وهذا فخر لعموم عشائر بني حسن التي أفشلت المشروع الاستيطاني اليهودي في جرش والسلط

  7. المستعمرات اليهودية في الأردن كانت بتمويل قدم – في عام (1867م) من قبل (تشارلز وورن) بدعم من الصندوق البريطاني لأبحاث أرض إسرائيل من أجل الاستيطان في منقطة جلعاد.
    اقرأ مقال بقلم الدكتور الشيخ سليم بن عيد الهلا لبعنوان الأطماع اليهودبة في الأراضي الأردنية. نشر في المدينة الإخبارية بتاريخ الجمعة 21 شباط / فبراير 2020. للقد سمعنا عن هذه المستعمرات والمقال في غاية الأهمية ويستحق كاتبه كل التقدير..

  8. القصة معروفة وسمعناها من الأجداد.. وهذا فخر لنا عشائر الأردن الذين أفشلوا الاستيطان اليهودي في جرش والسلط.. مقال رائع

  9. إلى الأخ وصفي حابس عبد الله
    المقال يحكي عن حقيقة معروفة.. أخبار هذه المستعمرات معروفة عند الجميع، أستغرب كيف أن البعض يشكك بها.. راجع مقال كتبه الدكتور عصام العزاوي منشور على صفحة عشيرة العبيدات..
    بعنوان:
    “اول محاولة إستيطان يهودية في شرق الاردن.” تضمن المعلومات الدقيقة الموجودة في مقال الأستاذ بكر السباتين.. وكنا نسمع عن هذه الحادثة من أجدادنا
    https://web.facebook.com/ObeidatDeewan/posts/1608839685835669/?_rdc=1&_rdr
    أبو محمد عبيدات

  10. الكاتب ذكر الشيخ مفلح عبيدات “أبو كايد”…وليس كايد المفلح

  11. المذكور بهذه الحادثه منقبل كاتب المقال ليس كايد المفلح وانما مفلح والد كايد والحادثه العالقه بذهنك هو مقاومة كايد المفله للاحتلال الصهيوني في المعركه الاولى لمقاومة الاحتلال الصهيوني في فلسطين في تل القعالب بينما الحادثه التي ذكرها الكاتب المحترم هي مقاومة الشيخ مفلح والد الشيخ كايد وعشيرته مع عشار بني حسن مع عشاءر العياصره لمستوطنات صهيونيه في سيل الزرقاء في الاردن وواحده في البلقاء لما احرقوا المستوطنات وطردوا المحتل الصهيوني

  12. معلوماتك لا تستند الي علم بتاريخ الاردن وشيوخه فكايد المفلح مواليد1868

  13. موضوع مهم ..اول مره نعرف هذه الاحداث حبذا لو عززه الكاتب بوثائق ومصادر استند اليها..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here